الطريق!


عقل العويط

سيتسلم الإسلاميون السلطة في البلدان التي تطيح فيها الثورات أنظمة الحكم الديكتاتورية القائمة. هذا ما يحذّر منه ناسٌ كثر، مواطنون عاديون وغير عاديين، ومن انتماءات مختلفة. في مقدّم هؤلاء بالطبع، الخائفون من المستقبل، فضلاً عن غلاة مؤيدي الأنظمة القائمة، الذين يدعون الشعوب المنتفضة الى إعادة التدقيق في حساباتها المغلوطة وفي الآمال والأحلام والطموحات اللاهثة وراء سراب الحرية والديموقراطية.

سأكتفي في هذا المقال بما يقوله الغلاة، الذين يعتقدون أن هذا ما سيحصل قريباً في تونس، بدليل الفوز الساحق الذي أحرزته “حركة النهضة” في الانتخابات هناك، متوقعين أن تشهد تونس عصراً “ذكياً”، لكن متشدداً، يؤدي رويداً رويداً، وبخبث، الى قضم الحريات الفردية والعامة والحياة المدنية وأشكال الحداثة التي تمتعت بها البلاد منذ إقرار الحبيب بورقيبة نظام الأحوال الشخصية في 13 آب 1956.

يواصل الغلاة نعيّهم هذا، متوقعين حصول الشيء نفسه في ليبيا، في ضوء “ثقافة” أعضاء المجلس الانتقالي، إلى التصريحات المتكررة التي يدلي بها رئيس هذا المجلس، مشدداً على أن الشريعة الإسلامية ستكون في أساس الدستور الليبي الجديد، بما يعنيه ذلك من قوانين وأنظمة تخيّم على الحريات الشخصية وترخي بظلالها على الحريات العامة في المجالات المدنية والمجتمعية والسياسية.

يسأل هؤلاء الغلاة مؤيدي الثورات: هل تتذكرون مشهد بورقيبة عندما نزع “السفساري” عن رأس تلك المرأة التونسية، داعياً إياها وزميلاتها، الى خوض غمار الحياة بحرياتهن الكاملة، واصفاً الحجاب أو النقاب، أو سواها من التسميات، بأنه “خرقة مقيتة”؟

يستشهد هؤلاء الغلاة بالفيلم الذي بثّته قناة “تي اف 1” الفرنسية قبل أسبوع، عن النظام المدني الذي أرساه “المجاهد الأكبر” في تونس، “مترحّمين” – يا للكذب! – على تلك الأيام، بهدف تثبيط عزائم الثوّار الذي يعدون أنفسهم بحياة مدنية وديموقراطية، بعد انتهاء حكم الرئيس بن علي، متوقعين أن تؤسس الحكومة الجديدة المنبثقة من الانتخابات لعهد “إسلاموي” أين منه عهد الرئيس المخلوع “المدني”.

هؤلاء الغلاة يعيّرون الثوّار بهذه الاحتمالات التشاؤمية، وبغيرها، لا حبّاً بالتحرر، وإنما تشبّثاً بالديكتاتوريات، وخوفاً على المصالح، انطلاقاً من المثل الذي يقول: شرّ واضح وماثل أمامك خير من شرّ مجهول لا تعرف عواقبه واحتمالاته اللامتناهية.

يستطيع المرء أن يسترسل في كتابة ما “يبشّر” به غلاة مريدي الأنظمة القائمة، ملتفتاً الى ما يمكن أن تشهده مصر من مستقبل أشدّ قتامة، بتحريك سيناريوات وخطط وغرائز كثيرة، ليس أقلها أن المجلس العسكري “متواطئ” مع “الإخوان المسلمين” لتقاسم السلطة، فـ”لا يموت الديب ولا يفنى الغنم”، بما يفضي الى وأد الثورة قبل ازهرار ربيعها، وبما يجهز على كل احتمال ديموقراطي مشرق في “أمّ الدنيا”، التي لا بدّ أن يكون قيام حكم إسلامي فيها سبباً موضوعياً لانتقال “العدوى” الى بلدان مختلفة، باعتبارها كبرى الدول العربية، وقدوةً مفترضة لغيرها.

يكمل الغلاة نسج مشهدهم “القيامي” المتكامل، بالتعريج على سوريا، حيث يتخذ الحراك الثوري في رأيهم نتائج وأبعاداً دينية وجيوسياسية متنوعة، منها تسلّم الأكثرية المذهبية السلطة، مع ما يستدعيه ذلك من “ثأر” سياسي ينفّذه “الإخوان المسلمون” الذين عانوا ما عانوه من تنكيل وقمع واضطهاد، تجلّى مراراً وتكراراً في محطات عدة، ويمكن اختصار براهينه بالإيماء الى مأساة حماة. والأمثلة كثيرة. لا ينسى هؤلاء الغلاة، وهم كثر في سوريا، وما أكثرهم في لبنان، بل في مجمل دول “الهلال الخصيب”، أن ينبّهوا “الأقليات” الى ما ينتظرها من ويل وثبور إذا سقط الحكم الأسدي في دمشق. يضرب هؤلاء الغلاة مثلاً على ذلك، ما يعتري “أنبياء” المسيحيين في لبنان وسوريا من هلع إذا انهار الحكم “الديموقراطي” الذي يرعاهم ويحتضنهم ويحميهم من “أعدائهم”.

هل أُكمل فأعرّج على الأردن وفلسطين، حيث للغلاة أكثر من أرض خصبة، وموطئ قدم، فكيف إذا كان العدوّ الصهيوني يتلاقى موضوعياً مع هؤلاء الغلاة، أينما كانوا، في تأجيج ما يجب تأجيجه؟

¶¶¶

لقد تركتُ لهؤلاء الغلاة، وبينهم أصدقاء أبرياء من كل طغيان وطاغية، أن يرسموا بعض مكوّنات المشهد العربي الأبوكاليبتي، في ضوء التجربة العراقية الكابوسية المستمرة فصولاً تراجيدية يومية، وعلى هدي ما تفرزه الثورات المنجزة، واستشرافاً لما يمكن أن تفرزه الثورات الأخرى التي تواصل مخاضها الطويل والعسير.

أمام هذه المكوّنات المتوقعة والمعروفة، التي لا تخلو من صحة، بل تكاد تكون صحيحة، هل أدعو، كمثقف، الى فرملة الثورات لأن الإسلاميين قادمون؟ هل أرفع راية بيضاء؟ هل أسلّم أمري وأمر الشعوب التي تعاني الموت المعنوي والمادي منذ خمسين عاماً، الى خمسين عاماً أخرى تضاف الى أعمار هذه الديكتاتوريات البغيضة؟

هل أيأس؟ جوابي العميق: لا.

لماذا؟ لأننا – والقول للثوّار المتنورين والديموقراطيين – جرّبنا كل شيء، باستثناء شيء واحد. لقد جرّب الناس أن يكونوا قطعاناً، لكن النتيجة بقيت هي هي. وجرّبوا الانقلابات العسكرية، فلم تفضِ الى نتيجة. وجرّبوا الغرب، فازدادوا غربة. وجرّبوا الشرق فلم يحصلوا على لقمة خبز ولا على لقمة حرية. فماذا بعد؟

يجب على الناس، والحال هذه، أن يرضخوا ويسدلوا الستار على مسرح الأمل، لكي يظل الديكتاتور ديكتاتوراً، ويظلون رعاياه. ويجب عليهم أن يعدّوا أيامهم، منتظرين فرج الموت. ويجب عليهم أن يموتوا، لكي لا تعود ثمة حياة تنتظرهم وينتظرونها. لكننا لم نعد نستطيع، يقول الثوّار. إذ لم يعد ثمة موضع لموتٍ كهذا الموت المتواصل منذ خمسين عاماً. لقد كان علينا أن نبحث عن شيء آخر، لم نجرّبه. كان علينا أن نبحث عن “موت” آخر. فلم نجد سوى هذا الموت الذي يخوّفنا منه غلاة مؤيدي الأنظمة، ويحذّروننا من مغبّاته. لكن هذا الموت حاضر أمامنا بشحمه ولحمه، من دون أن يعترينا خوف. فممَّ يجب أن نخاف – تسأل هذه الشعوب ويسأل ثوّراها – بعد الآن؟ أمن حكم الإسلاميين؟ فليحكموا إذا كان لا مفرّ “ديموقراطياً” من حكمهم. ولتكن “الجحيم” جحيم حكمهم إذا كان من غير الممكن أن نحصل على جحيم فضلى. علماً أن الوقائع الموضوعية، سياسياً ومجتمعياً، على أرض الواقع، من تونس إلى ليبيا إلى مصر فإلى سوريا، ليست مبسّطة وأفقية وظلامية إلى هذا الحد السياسي الجحيمي الساذج.

لسنا موهومين ولا حالمين ولا سرابيين، يقول الثوّار. بعد الآن لم يعد ثمة وهم ولا ضغث حلم ولا سراب. فلقد توهّمنا كثيراً، وحلمنا كثيراً، و”سربنا” كثيراً.  وها هو الكيل يطفح.

فليطفح كل كيل. ولتُفقأ الدملة. وليحكم الإسلاميون، إذا كان لا بدّ من أن يحكموا. ولنبدأ كفاحاً جديداً إذا تسلّموا الحكم، وأرادوا أن يفتتحوا عهوداً جديدة من الظلام. فمعركتنا من أجل الحياة والحرية والديموقراطية، إذ تبدأ، فهي لن تنتهي بسقوط هذه الديكتاتوريات، ولا بسنة، ولا بعشر. فليكن سقوط هذه، إيذاناً ببدء المرحلة الثانية من دروب الجلجلة، الطويلة الأمد، المعفّرة بالآلام والمشقات والتضحيات. ليكن ما يكون.

وإذا صحّ أن البحر من أمامنا والعدوّ من ورائنا، وأن لا مفرّ، فليصحّ، وليكن الجميع عدوّنا، إذا شاء الجميع أن يكون عدوّاً.

على أن الأمر لن يكون مبسّطاً. فنحن نعرف، يواصل الثوّار منطقهم، أن الخلاص الديموقراطي البعيد، لن يأتي أوانه غداً، ولا بعد غد. فقد يكون عمره ألف سنة، وألف ميل. أما طريقه فنعرف أنه يبدأ – لا محالة – بهذا الذي نفعله الآن. وليس من طريق آخر. فهذا الطريق، يقول الثوّار، هو وحده طريق الخلاص.

وأنا أردّد وراءهم: هو وحده طريق الخلاص!

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...