الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / «العاشق» رواية الفرنسية مارغريت دوراس: السردُ النرجسي وأبدية الحبّ/ كه يلان مُحمَد

«العاشق» رواية الفرنسية مارغريت دوراس: السردُ النرجسي وأبدية الحبّ/ كه يلان مُحمَد

 

 

يشكلُ الحبِ والموت والفراق ثيمات أساسية في رواية «العاشق» منشورات الجمل2017 السيرية للكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس، التي تستعيدُ ما عاشتهُ في فيتنام إبان الحكم الاستعماري الفرنسي لهذا البلد، وتسردُ قصة فتاة غريبة الأطوار نشأت في أسرة مكونة من خمسة أشخاص، كانت الأُمُ تطالب إبنتها بدراسة الرياضيات بينما الأخيرة تراودها رغبة الكتابة وتبدوُ تلك السيدة الفرنسية صارمة في تصرفاتها وتحاولُ جاهدةً توفير مستقبل لأطفالها لكنَّ حكاية الأسرة تتخذُ مسارات مُختلفة ولا تتمكنُ الأمُ من فرض إرادتها خصوصاً بعدما تعجز من تعويض دور الأب عقب غياب الأخير وإنْ تراها أكثر حضوراً ظاهرياً بشخصيتها المُتناقضة والغامضة في مُناخ الرواية. حيثُ أن تشددها مع الإبنة توحي بطبيعتها المُحافظة من جهة وتساهلها مع ولدها البكر وتلبية مطالبه يبينُ جانباً مُغايراً في تكوينها. زيادة على ذلك فإنَّ سياق سرد الأحداث ينمُ عن تحميل الأمِ مسؤولية موت إبنها الصغير الذي كانت أختها مُتعلقةً به ولم تتوقع رحيله أبداً هذا ومقلبُ آخر من الرواية هو رصد الآثار التي يتركها نهر الزمن على ملامح الإنسان بحيثُ ما يحفرهُ على شكله من التغييرات يُعدُ علامة للزمن البيولوجي. ومع استمرار السرد يتأكدُ للمتلقي أنَّ موضوع الزمن يأخذُ بإهتمام البطلة التي تفتشُ عن دروب جديدة، وتُغامرُ بالخروج مما رسمته الأمُ من الحدود إلى أنْ تعيشَ حياةً مُستقلةً ولا تلتزمُ حتى بنظام المدرسة ولا بتوقيت قسم المبيت الداخلي، وتبدأُ إنطلاقة الفتاة نحو عالمها الخاص وإكتشاف خصوصياتها الجسدية بمعرفة الفتى الصينى صاحب الليموزين.

الآخر

كما أشرنا آنفاً، أنَّ إنفتاح البطلة على الفتى الصيني العائد من باريس يكون تحولاً في حياتها ويظهر ما هو كامن في شخصيتها النزقة، ورغم صغر سن البطلة غير أنَّ عاشقها لا يمكنه المروق من سحرها، إذ يصبحُ إبنُ الرجل الغني واقعاً في شرك حب عنيف، لتلك الفتاة التي رأها في الصباح الباكر على الجسر وهي في حافلة الأهالي تعتمرُ قبعة رجالية إذ يخبرها أنّ عائلته جاءت من الصين الشمالية. ومن هنا تنشأُ العلاقة بين الإثنين إذ توافق الفتاة على طلبه بمرافقتها نحو سايغون. وتتكررُ اللقاءاتُ ولا تُمانعُ الفتاة من الحديث عن أهلها وأمها التي تشتغلُ مديرة لمدرسة البنات في سادك، وتدير مزرعة في كمبوديا، أيضاً هنا ما يلفت الانتباه هو تباين الغرض من هذه العلاقة إذ تستشفُ من تصرفات الفتي الصيني بأنَّه شغف حُباً بإبنة المديرة فيما الأخيرة تريدُ أن يفعلُ ما يقومُ به عادة مع النساء اللائي يصاحبنهُ إلى غرفته، كأنها ترغب في تقمص دور بائعة الهوى، وعندما يسألها عن السبب وراء مجيئها إلى الشقة مع اعترافها بعدم مبادلته مشاعر الحب فما كان جوابها إلا أن قالت أنَّ الدافع هو الواجب، وتُفصل في الحديث عن أخويه ومعاناة ألام مع إبنها البكر ونهبه للأموال وشراهته والحال هذه تتَعقدُ مشكلات العائلة وتُثقلُ عبءَ المرأة التي أرادت أن لا يكونَ مستقبلُ أبنائِها قاتماً، وتتوقعُ الفتاةُ أن الأم ستموت ولا تتحملُ تراكم الهموم. والمفارقة تكمنُ في كراهية الإبنة لأُمها وذلك لتفضيلها للإبن البكر على غيره ويبلغ هذا الإهتمام إلى درجة تشتري له المسكن في فرنسا لكن يخسرُ الأخ الكبير ما يمتلكه في التبذير والمُقامرة، وتأتي هذه القصص الفرعية والومضات التي تضيءُ جوانب من الأسرة الفرنسية المُقيمة في فرنسا في سياق هيمنة قصة الذات الساردة على تيار السرد. كما أنَّ ما يتبدى لديها من مشاعر مع صديقتها في القسم الداخلي هيلين لاغونل، والصور التي تغزو مخيلتها حول ما تفترضه عن علاقات حميمية تجمعُ بين صاحب الليموزين وصديقتها تكشفُ عن ميول جنسية مُلتبسة. وبذلك تتراءى الفتاةُ المتمردة في أطوار متعددة وتُكمل كلُ شخصية ركناً من شخصيتها، إذ تُقنع الأمُ مديرة القسم الداخلي بضرورة عدم إرغام إبنتها على الالتزام بالمواعيد المحددة. وهكذا كلما يمضي السردُ يتضخمُ حضور الساردة أكثر مُقابل خفوت الشخصيات الأخرى فبالتالي لا يكون هؤلاء إلا إمتداداً لأوجهها المُختلفة.

أبدية الحُب

لعلَّ غرابة العاشق الصيني تأتي من إقراره أنَّ إبنة العائلة التي لم تشهد احتفالاً بالأعياد يكتنف حياةُ أفرادها غموض لا تحبهُ ولا يلمس لديها المشاعر العميقة، غير أنَّ ذلك ما يزيده إلا تمسكاً بها، ويحاولُ إقناع أبيه بالموافقة على اختياره لتلك الفتاة وهنا يصطدم من جديد برفض الأهل ورؤيتهم الدونية لحبيبته كونها من طبقة غير ارستقراطية. إلى جانب ذلك فإن الاستعلاء العرقي له تمثلات في طريقة تعامل الفتاة مع العاشق وتتواردُ لفظة الصيني أو عبارة «ليس أبيض» بمثابة عار لذا يجوزُ فهم العلاقة القائمة بين الجانبين باعتبارها تجربة تُحاكي ما يقومُ به الاستعمار من الاستغلال للشعوب المَقهورة وهذا يتضحُ أكثر مما تطمحُ إليه الأسرة الفرنسية من مكاسب مادية عبر معرفة الفتى الصيني. وما تنصرف إليه الكاتبة في مفاصل أخرى من الرواية لا ينقطعُ عن حياة أسرتها، إذ تعبرُ عن سخطها من تصرفات الأخ الكبير بقدر ما تتعاطف مع أخيها الصغير الذي تسترجعُ لحظة تلقي خبر موته قبل ذلك كان قد راسلها وهي مُغادرة من سايغون، ومن ثُم تُشير إلى المصير المأساوي للأخ الكبير عقب موت الأُم. وتتراوحُ حركة السرد بين سايغون وفرنسا، إذ تردُ في سياق العمل أسماء بعض شخصيات وأماكن فرنسية وما يتعلقُ بعنصر الزمن فهو مطابق للفترة التي عاشتها الساردة في ظل أجواء الحربين العالميتين إلى حد كبير زدْ على ذلك فإنَّ هاجس الزمن جزءُ أساسي من نسيج الرواية، وتُشخص صاحبة «هيروشما حبيبي» البعد الزمني بواسطة الصورة الفوتوغرافية ودأب الأم على مقارنة صور أبنائها في مراحل عمرية مُختلفة.

ما لا يمكنُ تجاهله هو تفوق الكاتبة في الوصف وإيراد المشاهد البصرية وتحويل ما هو مسموع إلى جملة موحية بالصور لاسيما في المقاطع التي تصفُ لحظة لقاء بين البطلة والفتى الصيني داخل شقة تسلل إليها أصوات الحشود عبر درفات وترتسم ظلال على تشققات الجدار. إضافة إلى كل ذلك فإن الكاتبة تُضفرُ ثيمة الفراق في متن نصها وتتابعُ مشهد رحيل الشاب الذي أحبها برفقة فتاة أخرى مذعناً لتقاليد العائلة. وأنتَ تصلُ إلى هذه الفقرات تتذكر ما قالته البطلة بشأنَ علاقتها مع الفتى المنحدر من فون شين «منذ الأيام الأولى عرفنا أن لا إمكانية لتصور مستقبل مشترك» كما يفصحُ ردُ فعل البطلة على رحيل الصيني عن حبها للأخير كأن الحبَ يصعبُ كتمانه في الرحيل أو يزداد زخماً على مشارف الموت على حد تعبير ماركيز، تقفزُ الساردة موظفة تقنية الحذف لتضعك في المشهد الأخير أمام مكالمة تليفونية بين الفتى الصيني والفتاة الفرنسية بعد سنوات على الحرب وتكوين العائلة وإنجاب الأطفال إذ يبدي أسفه بموت أخيها الصغير قائلاً أنه يحبها كما كان الأمر في السابق وأن حبه سيستمرُ حتى الموت.

ولا مُغالاة في القول أنَّ هذه العبارات الأخيرة وربط الحب بالموت هي ركيزة أساسية في الرواية ويعتبر ذلك نوعاً من التدوير يعود بك إلى العنوان.

 

مارغريت دوراس: «العاشق»

ترجمة صالح الأشمر

منشورات الجمل، بيروت ـ

بغداد 2017

126 صفحة

 

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...