الرئيسية / صفحات الرأي / العثمانية وما بعد الدولة الوطنية/ موريس عايق

العثمانية وما بعد الدولة الوطنية/ موريس عايق

 

 

عرفت الإمبراطوريتان العثمانية والهابسبورغية (النمسا- هنغاريا) تعايشاً طويلاً ومستقراً لحد ما بين جماعات متنوعة. لكن هذا الوضع تغير مع بدء عصر القوميات، الذي دشنته الثورات القومية الساعية للاستقلال حتى سقوط الإمبراطوريتين وما تلاه من مذابح وحروب بين الجماعات القومية المختلفة وأزمات عالقة، من حروب الأتراك واليونانيين والبلغار إلى الحروب اليوغوسلافية الدائمة والأزمات الخامدة للأقليات القومية في رومانيا أو هنغاريا والأزمتين الألبانية والمقدونية. أمثلة تشبهنا وتنزع عنا فرادة نفترضها، وسبب تفسيري يحيل إلى الإسلام كعلّة في ذاته.

لماذا نجد هذا التباين بين تسامح نسبي عرفته الإمبراطوريات القديمة وحروب مستعرة لاحقة عرفتها الدول الوطنية؟ تبدو الفكرة القومية سبباً جيداً، ففي حين انطلقت الإمبراطوريات من واقعة التعدد الإثني والديني والمذهبي لرعاياها، فإن الدولة القومية تنشد التجانس القومي للأمة على أرضها. إلا أن هذا التجانس لم يكن متحققاً في أي مكان، مما استدعى فرضه بالقوة والعنف.

فكرة التجانس بدت إشكالية في ما يتعلق بتعيين حدود الأمة أو تحديد المعايير التي يتوجب على الأفراد تلبيتها، ليتم اعتبارهم أعضاء في الأمة. فقد كان هناك العديد من العوامل المختلفة والتي بدت مرشحة لتكون أساساً للانتماء القومي مثل الإثنية أو اللغة أو الدين أو حتى جميعها معاً. فلا يبدو ممكناً الفصل بين أن يكون المرء صربياً وأرثوذكسياً، يونانياً وأرثوذكسياً، كرواتياً وكاثوليكياً، تركياً ومسلماً، بوسنياً ومسلماً. لم تكن المعايير الخاصة بالانتماء إلى الأمة محسومة، مما جعل من الأمة المفترضة مسألة غير سهلة التحديد ومثار خلاف. فتنازعت تيارات قومية متنوعة على أمم «ممكنة» مختلفة، كالأمة اليوغسلافية أو الصربية مثلاً. آخرون ضاعوا على حدود التماس؛ المسلمون المتحدثون باليونانية في اليونان، هل هم أتراك أم يونانيون؟ الألبان وإن انتموا إلى إثنية واحدة فقد توزعوا على ديانات مختلفة، هل عليهم السعي إلى الاتحاد مع الكوسوفيين، وهؤلاء مسلمون في غالبيتهم، مما يضع التوازن بين الجماعات الدينية المختلفة داخل ألبانيا ذاتها على المحك؟ بدا العنف الوسيلة الناجعة لحل هذه المشاكل، ولكنه لم يؤد إلى تحقيق النتيجة المرجوة، فيما عدا بعض الحالات مثل إبادة الأرمن في تركيا أو التبادل السكاني بين اليونان وتركيا.

إلى اليوم، تقوم المواطنة الحديثة على افتراض أنها مواطنة في أمة لها دولتها القومية. لكن إن كانت الأمة نفسها مسألة غير محسومة والجماعة الوطنية منقسمة على نفسها، فكيف يمكن تنظيم المواطنة؟

يوجد بعض الأفكار لعصر ما بعد قومي، مثل أطروحة يورغن هابرماس حول المواطنة الدستورية، حيث تتأسس المواطنة على الالتزام بعقد اجتماعي يكون الدستور تعبيراً عنه، وتتماهى الأمة مع جماعة المواطنين. تستند هذه الفكرة إلى السياق الأوروبي وتسعى لحل مشاكله، وهو سياق يمتاز برسوخ فكرة الفرد المستقل.

على رغم هذا، تواجه المواطنة الدستورية العديد من الصعوبات في أوروبا نفسها. وبالنظر إلى سياقنا، حيث تغيب التقاليد الديموقراطية والليبرالية كما الفرد البورجوازي، تبدو الفكرة عسيرة التحقق.

في المقابل، تقدم التجربة العثمانية إمكاناً لتجاوز حالة النزاع الدائمة التي نعيشها منذ انهيار السلطنة. صحيح أن «التسامح» العثماني كان مقيداً وبشدة، ومؤسساً على تراتبية واضحة للجماعات لا تتجاوزها. لكن ما يجعل من الإرث العثماني راهناً بوصفه عقداً سياسياً لما بعد الدولة الوطنية، إن جاز التعبير، هو قدرته على إدارة تعايش جماعات إثنية ولغوية ودينية مختلفة من دون أن تجد نفسها متورطة وفي شكل مستمر في حالة الحرب الأهلية، أي أن هذا الإرث يقدم إمكانً لشكل غير قومي للتنظيم الاجتماعي. أتاحت الدولة العثمانية لكل جماعة إدارة شؤونها الداخلية بنفسها ومن دون تدخل من قبلها، وفي المقابل التزمت كل جماعة بأداء ما يتوجب عليها للدولة من ضرائب والالتزام بتحقيق الأمن في مناطقها.

بمعاييرنا المعاصرة، يمكن اعتبار الدولة العثمانية دولة ضعيفة، لا تمارس السيادة المباشرة على رعاياها، حيث تمر العلاقة بين الدولة وأبناء الرعية من خلال النخب المحلية للجماعات الأهلية. من الممكن التفكير بأشكال حكم وإدارة تستلهم النموذج العثماني، إدارة لامركزية تمنح صلاحيات واسعة للجماعات، وليس بالضرورة تحديد هذه الجماعات على أساس جغرافي، ففي الدولة العثمانية قبل عصر الإصلاحات لم تطبق القوانين على أساس الوحدات الجغرافية بل على الملل، فإذا انتقل الفرد من مكان إلى آخر «حمل قانونه في جيبه ليحاكم بموجبه». تتولى هذه الجماعات إدارة أمورها بنفسها، على المستويين التنفيذي والتشريعي، فيما تقتصر وظيفة الحكومة المركزية على الإدارة والتنسيق بينها. يتطلب هذا أن تكون السلطة المركزية ذات سلطات محدودة، ولا تتدخل إلا عند التنازع بين الجماعات بوصفها وسيطاً أو حكماً.

أحد الشروط الضرورية لهذا التصور هو حياد الدولة تجاه الخارج، فلا يمكن لسلطة ضعيفة أن تخوض حرباً وتنتصر فيها، كما لا يمكن لها أن تتماهى مع إحدى جماعاتها وما تعتقده هذه الجماعة حول واجباتها ومسؤولياتها المتجاوزة للدولة. عندئذ، يمكن أن يؤول كل نزاع محتمل مع الخارج إلى مشروع حرب أهلية، كما يظهر في المثال اللبناني. التخلي عن حياد الدولة يوجب على الدولة أن تكون قوية وقادرة على مواجهة أعدائها، مما يستدعي بدوره أن تكون قادرة على تعبئة مواردها وحشد مواطنيها بأكثر الطرق فاعلية والوصول المباشر إليهم من دون المرور بأي من النخب الوسيطة. غير أن هذا سيخل في التوازن الذي تقوم عليه الدولة ذاتها ويفجر نزاعاً داخلياً.

سبق للدولتين العثمانية والهابسبورغية أن واجهتا مشاكل من هذا القبيل، حينما انطلقتا في مشاريع التحديث لمواجهة الدول الحديثة. فمن أجل مواجهة أطماع الآخرين توجب على الدولتين تحديث نفسيهما، مما استلزم تدخلاً متزايداً من طرف الدولة بغرض الوصول المباشر إلى المواطنين لحشدهم وتعبئتهم، الأمر الذي اعتبرته الجماعات اعتداء عليها وعلى نمط حياتها، ولاحقاً فهمته كاعتداء قومي، ألماني أو تركي، عليها. فقد أدت مركزة القرار إلى دور متزايد للنمسويين أو الأتراك على حساب الآخرين في تحديد مسار وقرار الدولة. كما استلزم التحديث توحيداً ومركزة للتعليم وللغته، الألمانية والتركية كانتا خياراً طبيعياً، الأمر الذي عنى بدوره إقصاء للغات أخرى وتضييقاً لإمكانات الترقي الاجتماعي للناطقين بهذه اللغات. التحديث لم يحصل بدافع قومي بل بدافع التحديث العسكري والحاجة إلى تدعيم قوة الدولة في مواجهة الآخرين، وعليه يمكن القول إن المسألة القومية نشأت كأثر لمشروع التحديث ومساعي المركزة. هناك اعتراضان ممكنان على هذه المقاربة. الاعتراض الأول أنها تختزل مجتمعاتنا في هوياتها الإثنية والدينية، بينما يحيل الاعتراض الثاني إلى الخطر المحدق بحرية الفرد واستقلاله من طرف جماعته وقد أصبح أسيراً لها.

بالتأكيد لا يمكن اختزال الفرد في هوية واحدة، ولكن في سياقنا المحلي، تم تسييس الهويات الإثنية أو المذهبية بشكل فعال، فيما بقيت الهويات الأخرى الممكنة، مثل الهوية الوطنية أو الطبقية، في إطار الطرح النظري وغير مطروحة كمسألة عملية وملحة. في ما يخص الاعتراض الثاني، يمكن التفكير بأشكال من التعاقد بما يسمح للدولة أن تكون حكماً بين الفرد وجماعته، مما يفسح المجال لنشوء مجال عابر للجماعات، قد يكون لاحقاً أساساً لهوية وطنية مثلاً. ربما لا يكون هذا كافياً لحماية الفرد، ولكن أيضاً، أليس الفرد مسألة نظرية وليست عملية؟

* كاتب سوري.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تأمل في الأجيال الجديدة!/ حازم صاغية

    دائماً ما كانت موضوعة الأجيال، وصراع الأجيال، وتحولاتها الفكرية مسألة راهنة وملحّة. ولا ...