الرئيسية / صفحات الرأي / العروبيون وانقلاباتهم الفكرية… بين قسطنطين زريق وكاظم الصلح/ صقر أبو فخر

العروبيون وانقلاباتهم الفكرية… بين قسطنطين زريق وكاظم الصلح/ صقر أبو فخر

 

 

من المثير للتأمل أن دارسي الحركة القومية العربية “يتعثرون” دائماً بثلاثة أسماء، هي: عادل الصلح وكاظم الصلح وتقي الدين الصلح. وتتردد هذه الأسماء في السجلات التأسيسية لأي رابطة أو منتدى أو جمعية ظهرت في لبنان، في حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وعلى سبيل المثال، كان تقي الدين الصلح أحد أعضاء “جمعية التضامن الأدبي” التي أُسست في بيروت عام 1924. وفي سنة 1924 أيضاً ظهر “النادي الأهلي” في بيروت، وكان بين أعضائه تقي الدين الصلح وعادل الصلح وكاظم الصلح. وبعد أن حلّت السلطات الفرنسية هذا النادي في 1927 أسس عادل الصلح وعزيز الهاشم في 1931 حزب الاستقلال الجمهوري الذي راح يطالب بالفيدرالية بين لبنان وسورية. وشارك كاظم الصلح وتقي الدين الصلح في المؤتمر التأسيسي لعصبة العمل القومي في سنة 1933. وبعض أعضاء هذه الجمعيات الثلاث أسس في سنة 1935 “الحركة العربية” السرية، ووضعت مبادئها في كتيب صغير اشتهر بـ “الكتاب الأحمر”. وثمّة خلاف على مَن صاغه؛ فيقول بعضهم إن المؤلف الحقيقي لنصوصه هو الدمشقي قسطنطين زريق، وآخرون يرجحون أن كاظم الصلح هو الذي صاغه، استناداً إلى محصلة النقاشات مع قسطنطين زريق، وساعده في ذلك فؤاد مفرّج.

آل الصلح في سورية ولبنان

آل الصلح عائلة صغيرة من مدينة صيدا التي كانت دائماً ميناءً لدمشق، وعائلاتها، في معظمها، من أصول سورية. وكان رضا الصلح (والد رياض الصلح) عضواً في المؤتمر السوري العام الذي أعلن الأمير فيصل الأول ملكاً دستورياً على سورية في 7/3/1920، وعُين وزيراً للداخلية في أول حكومة عربية في سورية. ورياض الصلح نفسه كان عضواً في المؤتمر السوري العام وفي حزب الاستقلال العربي، وكذلك ابن عمه عفيف الصلح الذي صار نائباً عن دمشق، ثم وزيراً في إحدى حكوماتها، وعاش طول عمره في سورية وتوفي فيها. والمعروف أن زوجة رياض الصلح هي فائزة الجابري من حلب. أما في لبنان، فقد تبوأ أربعة من آل الصلح رئاسة الحكومة، هم سامي الصلح وتقي الدين الصلح ورشيد الصلح، علاوة على رياض الصلح.

“عمد كاظم الصلح إلى تأسيس حزب النداء القومي في 1/1/1945. ويمكن اعتبار يوم ولادة حزب النداء يوم موت الحركة العربية. ويسجَّل لهذا الحزب عدم حماسته للوحدة مع سورية”

من غرائب الأمور في تلك المرحلة أن رياض الصلح وكاظم الصلح وعادل الصلح انقلبوا على تاريخهم السياسي، رأساً على عقب. فبعد أن كانوا أعلاماً مبجلين في الحركة القومية العربية، تحولوا مدافعين عن الكيان اللبناني الذي كان الاعتراف بانفصاله عن سورية يُعد آنذاك عاراً سياسياً. فرياض الصلح ماشى الجنرال سبيرز، وصار رئيساً لأول حكومة لبنانية “مستقلة”، ولم يتورّع عن عقد الاجتماعات مع الموساد في باريس، بعد قيام دولة إسرائيل في سنة 1948، بمشاركة تقي الصلح الصلح وزهير عسيران الذي أصبح نقيباً للصحافة اللبنانية (راجع: محمود محارب، لماذا قرّر بن غوريون اغتيال رياض الصلح؟ السفير، 29/1 و3،2،1،/2/2011). وحين عُقد مؤتمر الساحل في منزل سليم علي سلام في بيروت في 10/3/1936، لم يحضره رياض الصلح، وأوعز إلى كاظم الصلح بالحضور، وعندما اتخذ المؤتمر الذي كان يمثل أعيان المدن الساحلية “اللبنانية” قراراً برفض انفصال لبنان عن سورية، رفض كاظم الصلح، ومعه عادل عسيران، ذلك القرار، ثم رد على مقرّرات المؤتمر بمقالةٍ طبعها في كرّاس بعنوان “مسألة الاتصال والانفصال في لبنان”. وشكلت هذه المقالة الأساس الفكري لما يُسمى “ميثاق 1943” في لبنان.

قسطنطين زريق والعمل السري

رأى مؤرخون وباحثون كثيرون أن قسطنطين زريق لم يكن رجلاً سياسياً، بل كان مفكراً ومؤرخاً، وأن تأثيره الفكري والسياسي اقتصر على بضعة طلاب من الجامعة الأميركية في بيروت أسسوا، في ما بعد، حركة القوميين العرب، أمثال جورج حبش وهاني الهندي ووديع حداد وأحمد الخطيب. لكن أعضاء في “الحركة العربية” السرية راحوا يكشفون، بالتدريج، ما كان مستوراً، ويميط اللثام عن النضال السري والمسلح لقسطنطين زريق في لبنان وسورية والعراق وفلسطين. فالنقيب زهير عسيران يقول إنه انضم إلى “الحركة العربية”، وأقسم اليمين على طاولة وُضع فوقها القرآن والإنجيل ومسدس والكتاب الأحمر (جريدة “الاتحاد”، أبو ظبي، 1/7/2003).

كاظم الصلح (يسار) وتقي الدين الصلح (يمين) في أي حال، أزاح شفيق جحا النقاب عن هذه الحركة، وأظهر أسرارها في كتابه المهم “الحركة العربية السرية: جماعة الكتاب الأحمر” (بيروت: دار الفرات، 2004). وفي هذا الكتاب، يتبين أن قسطنطين زريق كان يرأس منذ التأسيس في سنة 1935 “مجلس القيادة” الذي ضم في عضويته كاظم الصلح وتقي الدين الصلح وفؤاد مفرج وعادل عسيران، ثم انضم إلى المجلس في سنة 1937 فرع فلسطين، ثم فرع العراق في سنة 1940، علاوة على فرع سورية. وترأس زريق أيضاً “مجلس الأركان” حتى أغسطس/آب 1939 ليخلفه بالوكالة كاظم الصلح حتى مارس/آذار 1940، ثم درويش المقدادي، بعد نقل مقر الحركة من بيروت إلى بغداد، ثم يونس السبعاوي في نوفمبر/ تشرين الثاني 1940، وتفككت الحركة بعد حركة رشيد عالي الكيلاني.

ساهمت “الحركة العربية” السرية في إرسال المتطوعين والسلاح إلى فلسطين، في ثورة 1936. وكان عز الدين الشوا حلقة الاتصال بين الثوار والحركة، بواسطة رشاد الشوا، المتزوج لبنانية من آل الإدلبي، وكان ينقل السلاح بسيارته، ولاحقاً حل محله جميل مكاوي. وتبنت الحركة فكرة طه الهاشمي القيام بثورة مسلحة ضد الفرنسيين في سورية في سنة 1939، وبدأ منير الريس يشتري السلاح لهذه الغاية، بالتفاهم مع الحاج أمين الحسيني.

“رأى مؤرخون وباحثون كثيرون أن قسطنطين زريق لم يكن رجلاً سياسياً، بل كان مفكراً ومؤرخاً، وأن تأثيره الفكري والسياسي اقتصر على بضعة طلاب من الجامعة الأميركية في بيروت أسسوا، في ما بعد، حركة القوميين العرب”

العراق: نهاية الحركة

كان العراق، منذ عشرينيات القرن المنصرم، قد أصبح “بروسيا العرب” بعد اندحار مشروع الملك فيصل الأول، غداة سقوط دمشق في قبضة الجنرال غورو سنة 1920. وبقليل من التدقيق، وببعض من المطابقة، يمكن اكتشاف الشأن الكبير لقسطنطين زريق في العراق، منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ولا سيما في تأسيس الأحزاب السرية، أو في الحوادث الانقلابية، مثل حركة رشيد عالي الكيلاني في سنة 1941. والمعروف أن “جمعية الضباط” التي أسسها الضابط صلاح الدين الصباغ مع فهمي سعيد في سنة 1934 ظهرت بتأثير من زريق، بل بترتيب معه. والمأنوس أن قيادة حزب الاستقلال في العراق أُسندت إلى الحاج أمين الحسيني في سنة 1941. وتكشف رسالة من الحاج أمين الحسيني إلى ناجي شوكة رئيس الوزراء العراقي في تلك المرحلة، وجواب ناجي شوكة، أسراراً تنتمي إلى عالم قسطنطين زريق والحاج الحسيني. ففي 28/2/1941 اجتمع سراً في دار المفتي الحاج أمين الحسيني في شارع الزهراوي ببغداد كل من: صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود حسن سلمان ورشيد عالي الكيلاني ويونس السبعاوي وناجي شوكة. وقد أقسم الحاضرون اليمين بالقرآن، واتخذ كل منهم اسماً مستعاراً، واختير المفتي رئيساً للجماعة. أما الأسماء المستعارة فهي: ناجي شوكة (أحمد)، صلاح الدين الصباغ (رضوان)، رشيد عالي الكيلاني (عبد العزيز)، يونس السبعاوي (فرهود)، فهمي سعيد (نجم)، محمود سلمان (فارس)، الحاج أمين الحسيني (مصطفى). وكتب صلاح الدين الصباغ روايةً مطابقة في شهادته عن حوادث سنة 1941.”في اليوم الثامن والعشرين من شهر شباط عام 1941، اجتمع السادة مصطفى وعبد العزيز وأحمد ورضوان وفرهود وجاسم فارس، وهذه أسماء مستعارة لكرامٍ ليس بوسعي، الآن، أن أذكر أسماءهم، ولهم مكانة سامية بين أرباب القوة الإجرائية والسياسية في العراق وفلسطين وسورية، ولهم ارتباط وثيق بباقي الوطنيين من أحرار العرب في تلك الأقطار، والذين يرتبط معهم طه الهاشمي بعهد وميثاق.

عادل الصلح أما العمدة وموضوع الثقة فكان مصطفى (أي الحاج أمين الحسيني) وقد ارتبط الجيش به منذ بضع سنين، وهو الذي كفل عبد العزيز (رشيد عالي الكيلاني) وربط به الجيش. وكان قَسَمٌ عظيم تلاه كل واحد من المجتمعين جهراً، يعاهد الله على أن يجعل من مضمون القَسَم نبراساً يسير على هدية في كل تصرفاته، وأن يعمل بكل ما أوتي من قوة لإنقاذ البلاد العربية، وأن يكون مصطفى ناظماً لنا ورئيساً مطاعاً” (أنظر: صلاح الدين الصباغ، “فرسان العروبة في العراق”، دمشق: د. ن.، 1956).

انهارت “حركة مايس 1941” في العراق، كما هو معلوم، وأُعدم الضباط الأربعة، ومعهم يونس السبعاوي، وفر رشيد عالي الكيلاني والحاج أمين الحسيني إلى إيطاليا، ثم إلى ألمانيا. وانهار جرّاء ذلك كله التنظيم السري للحركة القومية العربية التي كان يقوده قسطنطين زريق، وبدأ طور جديد من السياسات المحلية المتنافرة مع الفكرة القومية، ولا سيما في لبنان، على أيدي القوميين العرب السابقين، أمثال رياض الصلح وكاظم الصلح وعادل الصلح.

أعيان الساحل

شرع قسطنطين زريق في صمت مؤقت منذ سنة 1939، ففي هذه السنة، نشبت الحرب العالمية الثانية، وتوقفت الثورة الفلسطينية التي كان للفرع الفلسطيني في الحركة شأن كبير في وقائعها السياسية ومعاركها المسلحة. ثم جاء التفكك في العراق، وتفرُّق القادة هنا وهناك، ليُدخل زريق في طور من التأمل والمراجعة. وأعتقدُ أن سنة 1939 تؤرخ لنهاية عهد زريق في قيادة الحركة، بينما تؤرخ سنة 1941 لانفراط عقد الحركة نهائياً. ولهذا، عمد كاظم الصلح إلى تأسيس حزب النداء القومي في 1/1/1945. ويمكن اعتبار يوم ولادة حزب النداء يوم موت الحركة العربية. ويسجَّل لهذا الحزب عدم حماسته للوحدة مع سورية، وهذا برهان إضافي على تناقض الأفكار والمصالح لدى أعيان مدينة بيروت.

كان أعيان بيروت في معظمهم مع الوحدة السورية. وتبين، في ما بعد، أن الكلام العالي عن الوحدة العربية إنما هو مجرد استقواء على المسيحيين الذين أُسس الكيان اللبناني من أجلهم. وقيل لأعيان بيروت أن مصلحتهم تكمن في أن يقبلوا هذا الكيان، وأن مكانتهم طائفة ثانية أفضل لهم وأكثر ربحية من الانضمام إلى سورية، حيث تجار دمشق وحلب لن يتركوا لهم إلا الهامش في السياسة والزعامة والمال. وظل هؤلاء الأعيان يلوكون فكرة القومية، لا انتماء جدياً لها، بل طريقة في معارضة “المارونية السياسية” لانتزاع مزيد من المكاسب؛ فكانوا سوريين أحياناً، وعراقيين أحياناً أخرى، ثم تحولوا إلى ناصريين في عهد جمال عبد الناصر، والتجأوا إلى ياسر عرفات في عهد الثورة الفلسطينية، وأصبحوا سعوديين في حقبة رفيق الحريري. فلا عجب، إذاً، أن يتحول قومي عربي، مثل رياض الصلح إلى المدافع الأول عن الكيان اللبناني. وعلى منواله، نسج كاظم الصلح وعادل الصلح عباءتيها. ولعل كاظم الصلح كان المؤثر الرئيس في سياسة رياض الصلح في تلك المرحلة، وهؤلاء جميعاً الذين انقلبوا على بداياتهم أرسوا المدماك الأول في الكيانية اللبنانية لدى مسلمي الساحل اللبناني. وهذه الكيانية تحولت بالتدريج تعصباً مذهبياً مذموماً.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...