الرئيسية / صفحات مميزة / العصيان المدني أو الإضراب الوطني العام

العصيان المدني أو الإضراب الوطني العام


ياسين الحاج صالح

تعني فكرة العصيان المدني شكلا من المقاومة غير العنفية ضد سلطة قاهرة، استبدادية أو استعمارية. وهي شكل المقاومة الأنسب لمجتمع أعزل في مواجهة سلطات مسلحة، لأن من شأن مواجهة هذه السلطات بالعنف أن يعني مواجهتها في الملعب الذي تملك تفوقا حاسما فيه. فيما لا تحتاج مواجهة هذه السلطات القاهرة عبر الامتناع عن العمل وعن دفع الضرائب والتزام بأوامر السلطات، إلى مؤهلات خاصة يومكن لجميع الناس المشاركة فيه بأدنى قدر من المخاطرة.

لا يحتاج العصيان المدني أو الإضراب الوطني العام إلى فلسفة لا عنفية بالضرورة. ولا هو يستبعد اللجوء إلى العنف في كل حال. هو وسيلة مقاومة مناسبة للأضعف لأنه أضعف. للشعب الفلسطيني مثلا في مواجهة المحتلين الإسرائيلي, للشعب السوري في مواجهة نظام الطغيان. وكان المصريون في ثورة 1919 من أوائل من مارسوا هذا الضرب من المقاومة، وكذلك الهنود أيام غاندي، وإن على أرضية من فلسفة اللاعنف هنا. وللشعب الفلسطيني خبرة طيبة في هذا المجال، وهناك فلسطينيون لاعنفيون، ولديهم أدبيات هي الأغنى عربيا في هذا المجال.

وفي سياق الثورة السورية اليوم للعصيان المدني ميزات أكيدة، منها:

1- يوسع قاعدة المشاركة في الثورة لأنه أقل خطرا، ويمكن أن يشارك فيه الجميع، الصغار والكبار، النساء والرجال، وبالتالي هو وسيلة مقاومة ديمقراطية؛

2- يضع قضية التغيير في سورية بين أيدي السوريين وحدهم؛

3- يخاطب قطاعات صامتة أو مترددة من الشعب السوري، ويجتذبها إلى المشاركة في الثورة أو يقلل من ترددها في المشاركة؛

4- متفوق أخلاقيا، وأكثر توافقا مع الهدف الديمقراطي الذي نتطلع إليه، وأقل إثارة للضغائن والأحقاد، وأدنى تسببا في تمزق النسيج الوطني.

5- قد يكفي وحده لإسقاط النظام إذا عم البلد، لكن حتى إذا لم يكف فهو فرصة طيبة للتضامن الوطني وللتدرب الديمقراطي. لكن الصعوبة الأساسية التي يواجهها هذا النهج تتمثل في إمكانية ضمان مشاركة عامة فيه، وإلا فإن ثمراته العملية ستكون محدودة. وبينما قد يتعذر أن يعم العصيان السكان جميعا في أي مجتمع، فإنه كلما اتسع نطاقه كانت فاعليته أكبر.

هل العصيان المدني الشامل ممكن في سورية؟ الواقع أن سياسية النظام الأسدي قامت على الدوام على النهج الاستعماري المجرّب: فرق تسد، أي اللعب على التمايزات الموروثة وصنع أزمة ثقة وطنية شاملة بحيث يخاف السوريون من بعضهم أكثر مما يخافون من النظام، بل بحيث يغدو النظام هو الحل. وطوال عقود كانت هذه السياسة ناجحة في منع تشكل أكثرية جديدة يمكن أن تواجه النظام، وتشكل أساسا لإجماع وطني جديد. الثورة اليوم، ومنذ تسعة أشهر، هي التجربة الكبرى للتخلص لا من الطغيان وحده، ولكن أيضا لتشكل إجماع وطني سورية جديد قائم على المواطنة والمساواة بين السوريين. ولذلك ينبغي لنا المراهنة على وسائل المقاومة المدنية الأفضل إسهاما في بناء هذه الإجماع أو تبطل نهج النظام التفريقي. ومن هذه الوسائل العصيان المدني أو الإضراب الوطني العام.

 قد لا ننجح تماما، لكن لا ينبغي أن نراهن على مشاركة 100% من السكان حتى نقول إن الإضراب ناجح. المهم مشاركة متوسعة، والمهم أن نبادر ونجرب ونتحرك، ونستخلص النتائج ونتعلم، ونكوّن تراثا من المقاومات المتنوعة. بمعنى أن فائدة الإضراب الوطني العام ليست مقصورة على نتائجه السياسية المباشرة، بل خصوصا على انعكاسه على المشاركين فيه، وعلى كونه تجربة وطنية مهمة من أجل التحرر والتضامن.

ولعل من عوامل النجاح النسبي انطلاق مبادرات محلية باتجاه الإضراب وقيام أنشطة احتفالية موازية إذا أمكن، وبناء شبكات تكافل محلية تضمن الحد من الأضرار المحتملة للإضراب العام، والشرح السياسي الواضح لفوائد الإضراب، بما في ذلك المساهمة في تجنيب البلد عواقب مسالك أخرى أكثر كلفة إنسانيا ووطنيا. فالعصيان المدني، رغم أنه مقاومة سلبية للسلطات القاهرة، إلا أنه يقتضي ويعني أقصى قدر من الإيجابية من قبل عموم الناس حيال بعضهم. فالوجه الآخر للعصيان المدني هو المزيد من التشابك الاجتماعي ومن التعاون والتواصل بين الناس. والمهم دوما هو أكثر ما يمكن من المبادرات القاعدية، والتعود على معالجة وحل المشكلات التي تعرض في أوساطنا المباشرة، دون انتظار أوامر أو توجيهات عليا من أي كان.

العصيان المدني أو الإضراب الوطني العام ليس بديلا عن السياسة، هو نفسه سياسة وأداة سياسية مفيدة. وفي شروطنا السورية العيانية من غير المتوقع أن يكون هو الخطة الكبرى الوحيدة للثورة السورية. لكن من المهم المثابرة على العمل في هذا الاتجاه، بحيث يكون العصيان سلاحا بين أسلحتنا، وربما السلاح الأهم بقدر ما نضمن مشاركة أوسع فيه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...