صفحات الثقافةعارف حمزة

الحريّة صارت مثل مرض عضال في دمشق وضواحيها

    عارف حمزة*

    كنتُ لا أدري ، تماما ً ، ما الذي دفعني في مجموعتي الشعرية الأولى ” حياة مكشوفة للقنص ” ، الصادرة عام 2000 ، إلى الكتابة عن الفزع و الموت و الحرب بين الأخوة و الجلاد …. الخ . كنت أظن أن ذلك حدث بسبب ولادتي في عيد الشهداء ، حيث كانت الطائرات الحربية ، سنة بعد أخرى ، تذكـّرني بذلك ، و بات الأهل و الجيران يضجرون ، عاما ً بعد آخر ، من تلك الضجة التي يحدثها عيد ميلادي . كانوا ينظرون إليّ نظرة عقاب و تهديد كأنني مَن تسبّب بتلك الفوضى ، و لكي أتوقف عن تسميم حياتهم .

    ثم تتالت المجموعات لتصل لخمس مجموعات شعرية ، بينها ثلاث عن الحروب و السجون و حياتهما اليومية ، ” قدم مبتورة ” و ” الكناري الميت منذ يومين ” ، بالإضافة للمجموعة الأولى . و عرفت بأنني نقلت تلك الضوضاء من السماء إلى الورق .

    عندما حدثت الثورة في سوريا ، و تتالت أيام الوحشية ، اتصل بي الكثير من الأصدقاء ليهنئوني على استشرافي للأمور ، رغم أنّ ذلك ما عاد يبعث الآن على السرور .

    ظننتً أنني كتبتُ عن الأرقام القياسيّة للبشاعة و الوحشيّة و التنكيل و الفزع و الدم و الموت …. حتى أتت هذه الأيام لتثبت بأنه يوجد الأبشع من ذلك .

    *******

    عندما ألّفت النظرية الأمنيّة مجتمعا ً جديدا ً في بلدي ، صنعتْ في كل بيت فاسدا ً و مخبرا ً و خائفا ً . و تزايد أعداد الفاسدين ، و تزايد أعداد الخائفين الذين بقوا على قيد الحياة . حتى أن ّ تلك النظرية تدخّلت في الأرحام ، لتصنع جينات تناسب الركوع و السجود و العبادة و الحيط الحيط و التفكير بلقمة العيش و الخوف من الأولاد في الكلام في السياسة …. و لكن كلّما تقدّم بلدي في السن كانت التشوهات الخلقية و النقسيّة تخفت أكبر ، لينصدم النظام بظهور جيل جديد يحبّ لو يستعيد حياة بلده ، و اعتبار بلده ، قبل حياته .

    *******

    قبل الثورة ، بسنوات طويلة ، كان مَن يضع علم البلد يثير الشبهة ؛ بأنه ابن السلطة و عدو الحريّات ، أو هو مخبر على الأقل . كانت الناس تخجل من وضع العلم في البيت ، و في المكتب و الدكـّان و العيادة … الخ ، كي لا يخاف الزائر و يدعس على كلماته جيدا ً قبل البوح بها …. أو يعلـّقه كي يُبعد عنه الرعب من المجهول ذي الخبطات القويّة على الباب في الثالثة فجرا ً . و كان خرقة ، و يا للأسف ، مثل أيّ خرقة قد لا ننتبه إليها .

    يا ألله … مَن يخاف أو يخجل من علم بلده ؟.. كيف استطاعت الأنظمة أن تصنع جدارا ً عاليا ً بين الشعوب و بلدانها ؟.. بين الشعوب و حياتها ؟ …و لماذا ؟ ..

    الشباب الجدد ، و الروح الغريبة و الجديدة ، و خرمشة الحريّة للقلب ، أعادت الاعتبار لذلك العلم الوطني . فبات الأحرار يُخرجون تلك الأعلام الصغيرة لحيوات صغيرة و لصرخات و رغبات كبيرة ، بينما الأخوة باتوا يصنوعون أعلاما ً أكبر على أنها أكبر من بلاد الآخرين .

    *******

    ” هذه الثورة غريبة

    لا المعارضة قادرة على اللحاق بها .

    ولا السلطة قادرة على القضاء عليها .

    كأنها مكتوبة بحبر سرّي … بحبر سوريّ “.

    كتبتُ هذه الجملة على صفحتي في الفيسبوك بعد مرور أسابيع قليلة من بدايتها في منتصف آذار الفائت .

    ما زالت المعارضة بعيدة عن الشارع . سواء الشخصيات التي دخلت المعتقل طويلا ً ، كإنهاء لأعمالهم وأعمارهم السياسية ، أو الشخصيات التي اعتقلت قليلا ً ، كتهديد للركون إلى الصمت .

    الشخصيات التي خرجت من معتقلات النظام ، ومنهم مَن قضى أكثر من عشر سنوات في المعتقل ، لا تنظر إلى الشارع ، للأسف ، على أنه متقدّم في فكرة الحريّة ، أو استيعابها الشخصيّ في طريقة التخلّص من الحياة الفاسدة التي خرّبت كل شيء في البلد ، في التعليم والعمل والإعلام والجيش والأمن والسياسة والسكن والأسرة …. كانت تظن بأنّ الشارع بحاجة لسنوات طويلة كي يفهم رغبته الحقيقية في الحياة بكرامة . لذلك بدو بعيدين عن الشارع بدرجة تفوق بعدهم السياسي عن السلطة ، وكيفيّة تغييرها .

    الذين لم يدخلوا المعتقل دخلوا في التشوهات التي خلقتها السلطة في الحياة السياسية الميّتة . وباتوا يفقدون رويدا ً رويدا ً إيمانهم بقدرتهم على العمل السياسيّ الصحيح ، في مقابل انجرارهم ، بوعي أو بدونه ، إلى كتاب السلطة الذي انغلق عليهم بين دفتيه ، الكتاب الذي كتبت أسطره بفساد وعنف عال ٍ .

    هي ثورة غريبة . المحتجّون بلا آباء . بلا أفكار ماتت في الكتب والخطابات . بلا خوف ، وبلا أمل في مساعدة الأقدار لهم . لقد وضعوا الخطابات والكتب والثقافة والأمل والتجربة والنضال القديم … خلف ظهورهم ، ووضعوا حياتهم الخفيفة في الأدراج وقلوب الحبيبات والأمهات ، ثم اتجهوا لاستعادة أعزّاء فقدوهم طويلا ً وهم : الحق والقانون ودولة المؤسسات .

    *******

    كل دول العالم وضعت قوانينها ودساتيرها كي تنظم حياة الدولة والأفراد ، وتذهب لمعاقبة الأفراد الذين يخالفون أو لا يحترمون هذه القوانين والدساتير .

    أليس غريبا ً أن يخرج الشعب مطالبا ً الدولة بتطبيق القانون والدستور ، ضد الفساد والتسلط والعنف والجوع والتمييز … ، فتقوم السلطة بقتلهم ؟؟؟.

    هل كان يرغب النظام بأن يخرج الشعب مطالبا ً بإعادة حالة الطوارئ ؟ طالما أن رعبها زاد من القتل والفساد والجوع والتمييز … ؟

    *******

    ” تعالوا نغادر هذه الأرض ” . أقول للناس

    في الحيّ الذي

    سأحرقه يوما ً ما .

    سنبيع كلّ شيء

    لنموت على الحدود

    أو في البحر

    وإذا حالفنا الحظ

    سنموتُ

    في الغابات(1) .

    *******

    لقد جاء اليوم الذي نشاهد فيه مصائرنا و هي تـُقطّع بالبلطات و الأحذية و الرصاص …

    لقد جاء اليوم الذي نجلس فيه أمام الشاشات كي نحزر حياتنا .

    كما أننا نتجاهل كم خربت حياتنا في كل مكان ، حتى لو كانت بين الممرّ و المطبخ و نحن نستلقي مكان القطة التي ماتت . و نحن نحاول أن نملك الشجاعة لنخرج إلى الشارع و نسأل الأخ عن الثأر الغامض الذي جاء من أجله …..

    و إذا سألنا الصغار عن ذلك الصوت الذي يجعلنا نحضن بعضنا طوال الليل في غياب الرأفة و النوم ، و إذا أرادوا أن نفتح الشباك ، أو نُضيء لهم النور على الأقل ، نأخذهم بعيدا ً و ندمّر صفاءهم الطفوليّ بعنف خوفنا .

    و إذا سألنا الصغار عن الجيران الذين غابوا ، و عن الجيران ، الجدد ، الذين لا نفتح لهم الباب إذا طرقوه ، و عن الجدران التي تهدّمت ، و عن العصافير التي ما عادت تزقزق ، و عن رائحة الياسمين التي لا تصل ، و عن الرائحة الغريبة التي سكنت في المكان ، و عن سعالنا المكتوم الطويل في الليل … ماذا سنقول لهم ؟؟؟ .

    *******

    يتغنّى إعلامنا الحكوميّ طويلا ً بأننا نعيش في أقدم بقعة على هذه الأرض . وبأنّ الحياة ، التي حفلت بالمعارك والاجتياحات والاغتيالات والمكائد والزلازل والحرائق ، ظلّت تقاوم الموت . وبأن الذين سكنوا هذه البقعة ، البائسة من العالم ، كانوا يُقتلون ثم ينهضون ليُقتلوا من جديد ….

    وينسى ، هذا الإعلام الغبيّ ، بأنهم كانوا ينهضون لأنّ فكرة الحياة ظلـّت تشغلهم وهم يتحلّلون تحت الأرض . بأن فكرة الحياة أعادت اللحم للعظام التي أكلتها الديدان ، ثم خرجوا من قبورهم لأن العتمة الطويلة والغامقة أهانت كرامتهم الفولاذيّة .

    *******

    لقد تغلـّبتَ علينا أيّها اليأس

    لقد تغلبت علينا أيها الحقد

    وتغلبت أيها الحب

    أيها الديكتاتور

    وطويلا ً

    سيؤلمُ

    هذا الألم الطويل (2) .

    *******

    في الوقت الذي ذهب فيه المجايلون ، ونحن في منتصف العشرينات من أعمارنا ، إلى الكتابة عن الحب والهجران والشوق والانتظار وسوء التفاهم مع العالم المحيط ، كنت أذهب معهم . ولكنني كنت أذهب إلى طرقات غامضة أخرى لم أعشها ، ولا أتمنى لغيري أن يعيشها . ذهبت إلى الكتابة عن الحرب ، رغم أنني لم أخض أيّ حرب ، وكتبت عن أهوال التعذيب في السجون ، رغم أنني لم أسجن سوى يوما ً واحدا ً ، يمكن اعتباره كنزهة ، وكتبت عن خوفي من النجاة ، وخوفي من الأمل الغامض … وكان مَن يكتب عن كتابتي يظنّ بأنني سُجنت وقاتلت ومتُّ .

    هناك شخصيات كثيرة تعوي في داخلي . لا أعرفها . وفاتني ، الآن ، أن أسألها من أين جاءت . شخصيات أشعر بأنه بيننا قرابة دم وعذاب وهوان .

    في القطارات كانت الدموع تنزل من عينيّ .

    في القطارات كنت أبكي

    لذلك كنت أظل واضعا ً وجهي في النافذة الوسخة .

    كان الركاب يحسدونني على عدم مللي من مراقبة الطريق ،

    بينما كنتُ أشعر، طوال الوقت ، بأنّ هذا القطار يمرّ في مقبرة طويلة وطويلة ، ولا تنتهي .

    كانت الأيدي تخرج من تحت الأرض وكأنها ما زالت تطلب النجدة .

    وكان الحصى الأسود ينزل من تحت عجلات القطار

    ليتحول إلى عيون دامعة على جانبي السكة .

    كان القتلى القدامى يخرجون أمامي على الدوام . فرحين لرؤية شخص سيلقى مصيرهم . كانت عيونهم تتحدّث عن نفاذ صيرهم في الانتظار .

    الشباب الجدد ركبوا في نفس القطار، أقول لنفسي الآن ، ومدّوا يدهم ، أطول من يدي ، لالتقاط أجسادهم المهروسة تحت عجلات قطار لا يرحم ، ولا يفهم .

    *******

    ما عاد من الممكن تحمّل ذلك

    هذا مؤلم

    ومن الممكن أن تفشل الكلية

    والقلب والرئتان والأحلام

    والتقلـّب في النوم والأفكار والمشي …

    في هذا المكان الباهت من العالم (3) .

    *******

    الرقـّة ، و كذلك الحساسيّة ، هي مَن تقود الشاعر من يديه ليحتلّ منطقة الخسران . لذلك فهو يملك كفّة واحدة من الميزان ، هي كفة العذاب .

    الشاعر سيقف إلى جانب المقهور و المقتول و الطفولة و الأمل ، رغم كرهي للأمل ، مثلما وقف إلى جانب المهزوم و المهجور و المنفيّ و الغريب … ليس بجانب الموت . بل بجانب الموت ضد الحياة الميّتة أصلا ً .

    سيقف إلى جانب الحياة التي عاشها في السرّ ، في أن يعيشها الكلّ في العلن .

    الشعر عاد إلى الحرب و لكن إلى جانب المهزومين ، كما يليق به دوما ً . و الذي وقف إلى جانب الطغاة لم يكن شعرا ً ، و إذا سمّوه شعرا ً فهو شعر ألـّفه طغاة عن الطغاة …

    هذا هو الشعر اليومي عن الألم اليومي ، عن حياة قليلة و متألـّمة . عن أناس تريد أن تخرج من الفم و القلب و الكبد و الدموع و الأنفاس … كي تأخذ مكانها الصحيح في الخراب اليومي . في أن يكون شعرا ً من تحت الأنقاض عن أناس ما عادوا يريدون أن يكملوا حياتهم هناك .

    أصبح الشعر ، بطريقة أو بأخرى ، حالة حياتية معاشة . لم يعد على الورق ، أو في ثياب الحبيبات . بل بات في النظرة و الحركة و الوحشة و الوحشيّة . أصبح يكبر معنا في الممرّ و المطبخ و أمام الشاشات ، بيننا و بين الزوجات اللاتي كبرن في غفلة عن الأزواج ، أصبح الشعر أنفاسا ً ، و ربما .. القليل من الأنفاس .

    قد أقول هذا الكلام بيني و بينكم … و لكن لا نفكّر باليأس . أرقام القتلى أصبحت مثل حجارة ثقيلة على الصدر . و الدم تسلـّق الجدران و الأشجار و أعمدة الكهرباء . و الأصدقاء ينقصون ، و باتت حياتنا أضيق ، و لكن الحياة ، التي عثرنا عليها فجأة ، لن نتخلـّى عنها بسهولة أبدا ً . لأن الحريّة صارت مثل مرض عضال لا يمكن أن نـُشفى منه ، و نحبّ لو نموت بسببه .

    * شاعر سوريّ

    ———————————-

    هامش : (1) و (2) و (3) مقاطع من قصيدة طويلة بعنوان ” معاهدة السلام ” نشرت في مجموعة ” قدم مبتورة ” – دمشق 2006.

    ————————————-

    شهادة نشرت في العدد الثالث من مجلة ” بيت ” الفصلية ، التي يصدرها بيت الشعر العراقي .

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كنا زملاء في الجامعه و كان عارف كلبا من كلاب الأمن. بعثي قديم و كتيب تقارير. لا تسمحو للراغبين على ظهور الشهداء بالظهور بمظهر الثوار و عارف حمزه هو أكبر مثال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى