الرئيسية / صفحات سورية / العلاقة الكردية الأميركية المقلقة في سوريّة/ شورش درويش

العلاقة الكردية الأميركية المقلقة في سوريّة/ شورش درويش

 

 

لم تبادر الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة التي تسيطر عليها شرق الفرات إلى فتح مدرسة واحدة، كما لم توفر الأدوية للمرضى، ولا الأجهزة للمستشفيات، فضلاً عن أنها لم تبن لنفسها مكتباً واحداً تحت أي مسمّى، يحمل صبغة سياسيّة في المدن الكردية أو العربية المحرّرة من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). إلى ذلك، لم تستقبل أميركا وفداً سياسيّاً من ممثّلي مناطق شرق الفرات بصفتهم الاعتبارية، زد على ذلك أنها لا تدعم حضور الأكراد السياسي، اللّهم ببعض العبارات العرضية أو المجامِلة التي ترد أثناء الحديث عن الشأن السوري.

جلُّ ما أقدمت عليه الولايات المتّحدة حتى اللحظة هو مراكمة الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، والتي تحمل أرقاماً ووصولات بالتسليم وأذونات بالاستعمال، كما أنه لا يغيب عن المتابعة أنها شيّدت مطارات حربيّة أشبه بالمطارات الزراعية البائسة والقابلة للتفكيك في أيام معدودة، حيث لا قواعد عسكريّة معتبرة بحجم باغرام في أفغانستان، أو أنجرليك التركيّة، أو القواعد الأميركيّة في العراق. يصدق الأمر على مرابض المدفعية الأميركية وغرف الاتصال والإعداد الحربيّ، هذه الأمور إذا ما جمعناها في حزمة واحدة نخلص إلى أنه لا استثمار غربيّا مديدا في المنطقة، ولا إمكانية لتخمين جديّة الولايات المتحدة في البقاء، وترتيب ما خلّفته الحرب والإرهاب من ندوب ومشكلات سياسيّة واجتماعيّة.

تثير سياسات الولايات المتحدة أخيرا قلق طائفة كبيرة من الأكراد، وكذلك المتابعين والمهتّمين بالشأن الكردي السوري؛ فرحيل أميركا قد يصحّ القول فيه إنه تحصيل حاصل، إذ يمكن

استشراف هذا الأفق الحتمي (الانسحاب) من خلال ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب غير مرّة، أمّا مكوثها في المرحلة التي تلي الإجهاز على “داعش”، فهو على الرغم من تكرار حديث الخارجيّة الأميركية عنه، وعلى الرغم مما يحمله من رسائل مطمئنة للأكراد المرتابين من المصير القادم، فإن الحديث عن البقاء من دون وجود إستراتيجية واضحة الملامح يشبه الحديث عن الانسحاب من حيث إنه يحمل أكلافاً باهظة على الأكراد وحلفائهم المحليين، فبقاء قوات التحالف أمداً أطول من المتوقع يعني، في باب ما، مزيداً من انبعاث المشكلات للأكراد. مشكلات مع النظام والمعارضة، ومع إيران بدلالتها الشيعية، والتي تبغي التوسّع وإزالة الحدود بين العراق وسورية، وفق رؤية توسعيّة، ومع تركيا التي تضخ خطاباً إسلامياً راديكالياً وتمدّ المعارضة السوريّة المسلحة بكل ما يلزم، للإبقاء على الخلافات الكردية- العربية قائمة، وجعل العلاقة الوطنية موضع تشكك دائم. والأهم من هذا وذاك إمكانية تحوّل الأكراد إلى أعداء محتملين للرّوس وإستراتيجيتهم الطموحة لطيّ كل سورية تحت جناحيها، ولعلّ ما فعله الروس في عفرين عبر تسليم رقبة المنطقة إلى السيف التركي يعني إمكانية تكرار ما حصل حال توفّر الظروف المرتبطة بالمقايضات.

توسيع مروحة الخيارات الكردية وتخفيض كلف الخلافات الحالية والمحتملة مع السوريين، بمختلف ولاءاتهم السياسية (معارضةً ونظاماً)، أو مع الدول الإقليمية أو مع روسيا، مرتبطان بعدم الانسياق لتحقيق المصالح الأميركية التي لا تتقاطع مع مصالح الأكراد بالضرورة. أمّا مسألة الاحتماء بالأميركان من شرور تركيا وتبرير العلاقة بأنها توفّر حدوداً معيّنة من الحماية والأمان، فقد تكون كلاماً قابلاً للنقض، لا سيّما أننا في إزاء علاقة تركية أميركية راسخة تحت ظلال حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإن تعرّضت هذه العلاقات لاهتزازاتٍ في فترات معيّنة، إلا أن هذا لا يعني في أي حال عدم رسوخ العلاقة أو إمكانية تفريط الولايات المتحدة بها، وبدولة إقليميّة مهمّة بحجم تركيا، لأجل حلفائها الأكراد السوريين الذين لا وزن لهم في المكيال الأميركي.

جاء تنامي قلق الأكراد بعد المصائر الصعبة التي واجهها الأكراد في عفرين، حيث لم تحرّك

أميركا ساكناً في لحظاتٍ كان من المفترض أن تتصرف فيه الولايات المتحدة بشيء من الالتزام الأخلاقي والسياسي الذي يدرأ الأخطار عن الأكراد في إزاء الاجتياح التركي، بل حصل العكس، حين أومأت أميركا بإشارات البدء بمعركة عفرين، جاءت عندما تحدّث وزير خارجيتها السابق، ريكس تيلرسن، أن على تركيا أن تنتقي أهدافها بعناية، وأن من حقّها “حماية حدودها”. وعليه، لم يكن التدخل التركي حصيلة اتفاقات تركيّة وروسيّة فحسب، بل إنه حاز على ما يشبه الضوء الأخضر الأميركي، وفي ذلك ثمّة خيبة أمل كردية غير معلنٍ عنها، وفي هذا أيضاً ما يحرّك مُشعر القلق الكردي من إمكانية التخلّي شرق الفرات في لحظة ما.

ربما آن للأكراد الخوض في مراجعاتٍ جديّةٍ بشأن شكل التحالفات التي يبنونها، وبشأن تصوّرهم لحقوقهم داخل سورية، بمعزل عن الهوى الكردستاني الفضفاض، وبعيداً من السياسات والمشاريع التجريبيّة، ذلك أن الهزيمة العسكريّة الجزئية أو الكليّة تفرض على المهزوم مراجعة نقديّة صارمة. وفي حالة الأكراد، لا بد من مراجعة تبدأ بالعلاقة الكردية – الأميركية الغامضة والمثيرة للقلق، بعد أن كانت علاقة مكشوفة، قوامها محاربة الإرهاب، وتأمين المناطق الكردية من الأخطار الخارجيّة.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...