الرئيسية / كتاب الانتفاضة / راتب شعبو / العلمانية من منظور الاقليات الدينية

العلمانية من منظور الاقليات الدينية

راتب شعبو

هل للعلمانية قيمة إضافية من منظور أبناء الأقليات الدينية والمذهبية؟ وهل يمكن لهذه الأقليات أن تكون غير علمانية، أقصد أن تؤيد نظام حكم إسلامي؟ كيف نفهم الميل العلماني الغالب وسط هذه الأقليات؟ هل في ذلك نزعة طائفية تضمر نوعاً من العداء لمذهب الأكثرية السنية؟ أم أن في الأمر نزوعاً لا دينياً يتصف به أبناء الأقليات في حين تبدي غالبية أهل السنة التزاماً أقوى بالدين، من أحد تعبيراته معاداة العلمانية والتطلع إلى حكم الشريعة؟

 لا بد من التأكيد علة أنه ليست العلمانية موقفاً من الدين بل من الدنيا، ولا علاقة لإيمان الفرد أو تقاه في موقفه من العلمانية. فليس أنصار العلمانية ملحدين لا يقيمون للدين وزناً، كما أن خصوم العلمانية ليسوا زاهدين بالدنيا تُقاة لا يبتغون سوى مرضاة الله. لا مفاضلة شخصية بين هؤلاء وأولئك من زاوية الإيمان والكفر والحق والباطل. كلا أنصار العلمانية وخصومها يصدرون في مناصرتهم ومخاصمتهم العلمانية من مصالح دنيوية يعتقدون أن العلمانية تحققها فيناصرونها أو تحرمهم منها فيخاصمونها. وما ربطُ العلمانية بالكفر، ونسب معاداة العلمانية إلى صميم الدين، سوى ممارسة سياسية تريد أن تستثمر ما للدين من قيمة لدى الناس لتوظف هذه القيمة في السياسة. وتكمن في جذور هذه الممارسة مصالح دنيوية حقيقية أو موهومة. المصالح الحقيقية هي لفئة ضيقة من السياسيين الدينيين الذين يبغون السيطرة والسيادة الدنيوية باسم الدين، فيحاربون العلمانية لأنها تشكل سداً يحول دون سيطرتهم، أما الجمهور العريض الذي يقف وراء هؤلاء فهو جمهور واهم يتحرك وفق وعي سياسي شائه، وهذا الجمهور لا يناله من حكم الإسلاميين سوى المزيد من القيود على الحريات العامة والخاصة أيضاً، ولكن مع عزاء مرافق لهذا الوهم هو ظنهم أنهم في بؤسهم هذا إنما يُرضون الله.

تظهر لنا اليوم ردود فعل الشارع المصري والتونسي على حكم الإسلاميين أن الجمهور الرافض لحكم الإسلاميين جمهور غير قليل وذو رؤية واضحة وقد تحرر من وهم صيغة (خلافة الله في الأرض) بكل أشكالها. يجد جمهور المسلمين السنة إذن من الأسباب ما يكفي للتمرد على أحزاب (حكم الشريعة) والتضحية بالكثير، بما في ذلك الأرواح، للخلاص من حكمها. وإذا كان جمهور واسع من المسلمين السنة يميلون إلى صيغ حكم علمانية للخلاص من حكم الإسلاميين، فإن لدى الأقليات الدينية والمذهبية دافعاً إضافياً لرفض الإسلام السياسي والانحياز إلى العلمانية، وهو رفض التهميش الذي يبشرهم به الإسلاميون ليل نهار على اعتبار أنهم خارجون كجماعات عن “الصراط المستقيم”، وأنهم فرق ضالة وبعيدة عن الإسلام ..الخ. لا يوجد ما هو أغرب ممن ينتظر من الأقليات المذهبية والدينية أن تتخلى عن العلمانية لصالح شكل إسلامي من الحكم. أن تتخلى عن المساواة وتقبل أن تكون في مرتبة ثانية في دستور بلادها نفسه.

تتميز الأقليات الدينية بأنها لا تحمل في وعيها فكرة أو سعي إلى أي حكم سياسي ديني مشتق من مرجعياتها الدينية. ونفورها من صيغ الحكم الإسلامية هو نفورها من الدخول في ملعب لا يطلب منها الدخول إليه إلا لكي تكون مهزومة سلفاً. فحيث يوجد أقليات دينية ومذهبية يشكل الإسلام السياسي عامل تقسيم فعلي وعمودي في المجتمع، فضلاً عن كونه عامل سلب للحريات العامة والخاصة فيما يتعلق بكل ابناء البلد من كل المذاهب والأديان. لا تعترض الأقليات المذهبية أو الطائفية على اعتبار الإسلام السني هو الدين الرسمي الظاهر على غيره من الأديان، ولا تنافس هذه الأقليات الإسلام السني على الشرعية الدينية، غير أن مبدأ الإسلام السياسي في رفع المرجعية الدينية للإسلام السني إلى كونها معياراً سياسياً، يغذي العصبية المذهبية والطائفية ضمن الأقليات التي لا تملك “شريعة دينية” مضادة تواجه بها الإسلام السياسي، ولا سبيل أمامها إلا اللجوء إلى الفكرة العلمانية للدفاع عن حقها في المساواة في الوطن. ومن هنا تأتي “حداثية” الأقليات واصطفافها الدائم مع الجانب المدني من المجتمع. التطلع إلى حكم مدني قاسم مشترك بين كل أنصار الفكرة العلمانية، غير أن لأبناء الأقليات دافع إضافي للتمسك بالعلمانية وهو هروبهم من التهميش الصريح في ظل الحكم الإسلامي. وبدلاً من الاستفادة من هذا الخزان العلماني الذي تشكله الأقليات، يجتهد الكثير من العلمانيين في تحليل علمانية الأٌقليات وكشف دوافع لا علمانية وراءها ورميها بالطائفية.

الخطير في الموضوع هو أن مناصرة الأقليات الدينية للعلمانية (وهي مناصرة صادقة وليست مجرد واجهة كما يذهب البعض، وذلك ببساطة لأنها تحقق مصلحة لهم كما سلف) يمكن أن تتبخر بتأثير النار السياسية، ويمكن أن تترك مكانها لنزوع انعزالي صريح وذلك حين تجنح الأكثرية الدينية إلى قبول حكم إسلامي تجد الأقليات أنه يحمل إليها تمييزاً سياسياً سلبياً بحكم المولد والمعتقد. على هذا تبدو العلمانية الفعلية هي الضامن ليس فقط لحقوق المواطن بل وأيضاً لوحدة الوطن وتماسكه.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 70 = 77

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...