صفحات الرأي

الدور المطلوب لمسيحيي المشرق العربي: عقلنة الاجتماع

 

    زياد حداد

لم يعد الأمر يحتمل التأجيل. على المسيحيين في الشرق أن يعيدوا صياغة موقفهم وطبيعة وجودهم فيه في هذه اللحظة الخطيرة التي يمر بها مسار الربيع العربي، ما بين العسكرة المتزايدة في سوريا ومخاوف الأقليات التي يغذيها عنف النظام وما يستجلبه من عنف مضاد، وبين الوضع التونسي الذي تتصاعد فيه هواجس العلمانيين من عنف اسلاموي، وبين الحالة المصرية حيث يخشى الكثيرون من استبداد هوية فصيل يريد السيطرة على الدولة بأكملها باسم الهوية وحيث بات بعض الأقباط ممنوعاً من التصويت على الاستفتاء أو بات موقفهم سبباً للعداوات والنكايات ولاسيما في محافظات الجنوب. أما في لبنان، فإن الطبقة السياسية المارونية تختبئ وراء اقتراح القانون الارثوذكسي للانتخابات كي تداري عجزها عن التفكير في بناء وطن موحد لكل أبنائه على ما ينص الدستور اللبناني، فضلاً عن عجزها عن تقديم اقتراحات لتطوير الحياة السياسية في البلد في اتجاه تجاوز الانقسام السني – الشيعي. في الوقت الذي يزداد فيه هاجس الهوية الإسلامية المتطرفة لدى المسلمين، يزداد فيه خوف المسيحيين في الشرق ويميلون نحو انكفاء على هوية مغلقة، تخفي قلقها وراء مظهر التعالي على مجرى الأحداث ووراء تصريحات من نوع ان المسيحيين هم الأصل في المنطقة وسيبقون فيها على هذا الأساس في حين أن الآخرين “ضيوف”.

لكن مثل هذا الانكفاء ليس إلا انسحاباً من الحياة السياسية في هذه البلدان وتركاً لها نهباً لتأكيد هويات لا يبقي ولا يذر. بل هذا الانكفاء هو أصلاً تهرب من المسؤولية عن هذه الأوطان، بحيث أن المهم بالنسبة إلى جماعات مسيحية واسعة يصبح المحافظة على وحدة الجماعة، كما لو أنها جماعة سرية، وليس المحافظة على الوطن نفسه، كما انه تهرّب من المسؤولية التاريخية للنخب المسيحية عن تشكّل الأوطان الحديثة في المشرق العربي بما تضمنه هذا التشكل، الذي لعبت هذه النخب فيه دوراً أساسياً في لبنان وسوريا ومصر، من عيوب وتشوهات، فاقمت الأنظمة القمعية أو الفاشلة منها حتى باتت انهيارات فادحة في جسم هذه الأوطان.

إن انكفاء المسيحيين، كجماعات مشرقية، على هوية مستقلة يجعل المجال منقسماً من دون مجال لتجاوزه على هويات دينية مستقلة ومتعادية، وينسف كل جسور للتواصل ما بينها، بما أن الانقسام الإسلامي المبني على كتب وتراث عريض يعلوه غبار قرون تامة، ولا يمكن أن يجلوه أو يسمح بتجاوزه سوى تطور عقلانية حداثية عريضة في أوساط الغالبية. لمرة جديدة اذاً، تتيح الظروف للمسيحيين أن يلعبوا دوراً مشابهاً لما قاموا به في عصر النهضة العباسية وربما تجاوزه. يحسب الكثيرون أن المسيحيين لعبوا دور المترجم والناقل للارث الاغريقي إلى العربية، غير أن الدور المسيحي كان في الواقع أعمق من ذلك بكثير. ذلك أن التحدي الذي مثلته الديانة المسيحية، باعتبارها متكئة على تراث فلسفي وكتابي طويل، يفوق بكثير ما كان يمكن الجاهلية القرشية أن تواجه به الإسلام، فضلاً عن أن لمسيحيي المنطقة فنوناً وتراثاً ومعارف واسعة. هذا التحدي وحده كان ما ألزم المسلمين آنذاك تطوير علوم كلام وفلسفة وتوسيع مدارك معارفهم كي يستطيعوا الاستجابة له ومحاورة مسيحيي المنطقة، سواء على المستوى الديني أو على المستوى الدنيوي.

اليوم، هنالك حاجة مجدداً، ليس فقط لنقل بذور الحداثة الغربية مرة اخرى بعد فشل التجربة الأولى البادي، بل أيضاً لإبراز تحدٍّ حضاري للهوية المتطرفة في إسلاميتها التي تريد مد سلطانها إلى الحيز السياسي والاجتماعي للتحول إلى هيمنة مطلقة. أي أن على الجماعات المسيحية اليوم أن تبرز إلى حيز السياسة والاجتماع في أوطان المنطقة قدرتها على استيعاب الحداثة وضروراتها، وأن تطرح على الجماعات الإسلامية عدداً من التحديات: أولها رفض الخوف والتخويف والانعزالية بما يفرض على الإسلاميين الطامحين إلى السلطة التعامل مع قوى فاعلة اجتماعياً وسياسياً تطرح نفسها شريكاً لا تابعاً ولا ذمياً، وثانيها فرض نمط خطاب مختلف يبنى، لا على الهوياتية ولا على التاريخ، بل على ضرورات الحاضر وضرورة عقلنة نمط إدارة مجتمعاتنا لذاتها، وثالثها تكوين خميرة تسمح للعلمانيين من كل الطوائف بالاستناد إلى مزاج قابل للتوسع ويميل إلى فرض فصل سلطة الدولة عن هيمنة رجال الدين من كل الطوائف ايضاً، وأخيراً طرح الجماعات المسيحية نفسها مثالاً لقدرة الجماعات على الاستمرار في المنطقة وعلى لعب أدوار فاعلة من دون إنشاء تنظيمات على أساس طائفي أو الاستيلاء على مفاتيح القوة في المنطقة.

بكلام آخر، لا يمكن الانكفاء المسيحي أن يحمي المسيحيين من مد التطرف الإسلامي، بل بالعكس، على المسيحيين ان يشكلوا، مجدداً، طليعة تسمح بتكاتف وتوسع مدّ معاكس يشدد على الحداثة والعقلنة وعلمنة الدولة، كما ينبغي للمسيحيين أن يرفضوا اغراء “الحماية” أياً يكن من يعرضها وكذلك اغراء “المناصب” التي تقدَّم إليهم كي يقبلوا بدور تابع لهيمنة دينية أخرى. بل، إن على المسيحيين أن يشكلوا النموذج الأول لقدرة الجماعات الدينية في المشرق العربي على الفصل بين الحيّزين السياسي والاجتماعي، بحيث لا تنتقل شبكات التضامن الاجتماعي آلياً وميكانيكياً إلى مكوّنات سياسية منكفئة على نفسها وعلى هواجسها. كما إن واجب المسيحيين اليوم أن يساهموا في استفزاز مسلمي المنطقة إلى حوارات لا يمكن لغة الخطابة والتراث الإسلامي أن تبتلعها، بحيث تفرض تطوير لغة حديثة ومعقلنة.

تدل طبيعة الصراع السياسي الحاصل حالياً في مصر وتونس حول قضايا الدستور والقانون، على وجود فرصة تاريخية لتشكيل قوى قادرة على موازنة المد الإٍسلامي، على رغم تفوق هذا الاخير تنظيماً وموارد مالية. على رغم أن دموية النظام السوري قد دفعت بالبلد إلى حرب قاسية، إلا أن الوضع في سوريا لم يخضع لمدّ أعنف مما هو حاصل في مصر وتونس، بل قد يكون تعدد القوى والجماعات السورية وانقساماتها سبباً في اضعاف المد الإسلامي المتطرف فيها في اتجاه ضرورة مراعاة موازين قوى أكثر تعقيداً. على مسيحيي المشرق أن يلقوا بثقلهم المعرفي والحضاري وراء هذه الفرصة التاريخية لتطوير القوى الإسلامية السياسية من داخلها والمساهمة في عقلنة الاجتماع العربي عموماً، وتحديثه. أما مسيحيو لبنان فأمرهم قد يكون أعقد، ما دامت القيادات السياسية الحالية وما بقيت قادرة على دغدغة أوهام فيديرالية مقنعة أو تبعية مربحة أياً تكن التسمية التي تطلق عليها.

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى