العلويون السوريون ووهم السلطة


عمر قدور

في السجالات السياسية المواكبة للثورة، تسلل إلى التداول أخيراً وصف «الطائفة العلوية الكريمة»؛ كرمٌ يوصف به العلويون استثناء من أبناء الطوائف الأخرى، بما يحمله الاستثناء من تمييز لا يكنّ احتراماً إلا بمقدار ما يضمر تنميطاً لأبناء الطائفة المعنية. والحال أن هذا التوصيف يكرّس العلويين كطائفة بخلاف غيرهم الذين لم يصبحوا طوائف كريمة بعد! ولا شك في أن تنميط العلويين، أقلّه في المجال السياسي، يضعهم في المقابل من عموم السوريين، ويدلل على صورة راسخة لهم في مخيال الآخر، سواء كانت الصورة حقيقية أم لم تكن.

ليس مهماً هنا القول بوجود كثير من الشواهد التي تخدش النمط، كما هو الأمر مثلاً عندما يُشار إلى كثيرين من الناشطين المشاركين في الثورة والذين ترجع أصولهم إلى المنبت العلوي. فالإلحاح المتكرر على وجودهم، وإيلاؤهم اهتماماً خاصاً لم يأتيا بنتيجة تُذكر، إن لم يكونا قد ساهما في اعتبارهم استثناء من القاعدة. الناشطون أنفسهم يحيلون إلى فكرة الاستثناء، عندما يصرّح كثيرون منهم بقسوة الضغوط التي يلاقونها في أوساطهم الاجتماعية التقليدية جرّاء مواجهتهم النظام، كأن موقفهم بمثابة انشقاق اجتماعي، بينما يلقى الشبيحة الدعم من الأوساط ذاتها أو لا يلقون منها مقاومة أو استهجاناً معلناً.

ثمة قول محق مفاده أن غالبية أبناء الطائفة لم تستفد فعلاً من مكاسب السلطة، وهو قول يكاد أن يحيل الاصطفاف السياسي الحالي إلى محض مخاوف من البديل. وعلى رغم وجاهة هذا الافتراض، إلا أنه يقصّر في تقصي الآثار المركبة للسلطة ويختزلها إلى حد المنفعة المباشرة.

من جهة أخرى، يتناقض هذا القول مع مخيال الطائفة عن ذاتها، ذاك الذي كان دارجاً قبل الثورة، والذي يتفق كثيراً مع مخيال الآخرين عنها وسُحِبَ من التداول بآلية دفاع ذاتية. فالمعلوم أن المتحدّرين من أصل علوي شاركوا، بل كانت لهم الأسبقية والأرجحية المطلقة، في ترويج صورة عن «الشخصية العلوية» تحتل فيها السلطة مكانة مركزية، وإلى جوارها غالباً تأتي البساطة والسذاجة المنسوبتان إلى الريفية.

بالفكاهة والسخرية، وحيثما لم تسمح الرقابة السائدة بغير التداول الشفاهي، تغلغلت الصورة المنمطة ثقافياً إلى حدّ أن لهجة جزء من الساحل السوري بات يُنظر إليها على أنها «لهجة علوية»، من دون اعتبار كون اللهجات السورية عموماً ذات طابع مناطقي لا طائفي. اللافت للانتباه أن عهد الرئيس الابن شهد نقلاً لبعض الرمزيات من حقل الشفاهة إلى حقل الدراما التلفزيونية، من دون السماح بمناقشتها جدياً في حقلي الفكر والسياسة، فتسامحت الرقابة مع تصوير رجل الأمن الفظ والعديم الذكاء، والذي يتحدث باللهجة إياها. غير بعيد من ذلك، راحت تلك اللهجة تصبح «لغة» معممة في قطعات الجيش والأمن؛ يستخدمها الجنود والعناصر الصغار تقرباً من قادتهم، وتمثلاً لما يُعتقد بأنها تنطوي عليه من رمزية السلطة.

ذلك كله كان لا بد من أن ينغرس في وعي كثيرين من خارج الطائفة، بحيث تتماهى في أذهانهم الطائفة مع السلطة ومع مخيالها الذي أصبح نمطاً ثقافياً سائداً. وإذا كان سهلاً لوم الآخرين الذين استسلموا لسطحية النمط، فإن البعد الأخطر يتجلى في تمثّل قسم كبير من أبناء الطائفة لفكرة التماهي مع السلطة، سواء حَدَث هذا عن وعي أو عن اللاوعي. بل إن قابلية التماهي مع السلطة تبدو دائماً أكبر لدى الفئات المهمّشة والمحرومة، وهنا لا ينفع القول بوجود غالبية علوية غير مستفيدة من مكاسب السلطة. ولا يقل أهمية عن البعد السيكولوجي السابق ما توفّره أواصر القربى من شعور بالاطمئنان، في ظل حكم غُيّبت في أثنائه حقوق المواطنة. والحق أن الأواصر التي تتناسل وتمتد أفقياً من رأس السلطة تمنح شعوراً بالحماية والأمان، حتى لبعض الذين يرون أنفسهم خارج السلطة تماماً، آخذين بالحسبان فساد النظام واعتماده المحسوبيات كبديل لمعايير الكفاءة والقانون.

لن تخسر غالبية أبناء الطائـــفة مكاسب مباشرة بسقوط النظام، لكن خسارة الأوهام شأن لا يقل أهمية وتأثيراً، ومهما كان الشعور بالحماية واهماً، إلا أنه يبقى أفضل من الخوف من انــعدامها. الأمر لا يتــعلق بانحياز أو انغلاق طائفي، إذ على العكس تماماً من المعلوم أن العلويين من أكثر السوريين انفتاحاً على الصعيد الاجتماعي، وهناك «أقليات» يصحّ عليها وصف الطائفة أكثر بكثير مما يصحّ عليهم. هو وهم السلطة، وقد انبعثت إلى جواره مخاوف تهمـــيش تاريخي يرجع إلى ما قبل قيام الدولة الـسورية، وبمصادرة عقلية بسيــطة تم محو الفترة الوجيزة الفاصلة بين الاستقلال وحكم النظام الحالي ليــتجاور التهميش مع السلــطة مباشــرة ويظهران كحدين لا تسوية بينهما؛ لا ينفع هنا القول إن المكاسب الملموسة التي تحقــقت لمعظم أبناء الطائفة أدنى مما هو متوقع فيـــما لو حُكمت سورية ديمــوقراطياً. لا تســـتطيع الثورة تقديم تطمينات على نحو ما تُطالَب به، إذ لا تطمينات تكافئ وهم السلطة الحالي، فضلاً عن أن التطمينات تحيل إلى ذمية سياسية تقع مباشرة في صلب فكرة السلطة، وعلى النقيض من فكرة الدولة.

من جهة أخرى، يحمل بعض القوى الثائرة الآن أيديولوجيا تَعِد بسلطة بديلة، ولا تبعث الاطمئنان أبداً إلى مستقبل الدولة؛ هنا تتقاطع أوهام خسارة السلطة مع أوهام الحالمين الجدد بها، ولا يسقط النظام الحالي بانتصار أيٍّ من الطرفين.

ما يثبته النظام الحالي أن أيّ احتكار للسلطة هو فساد لأهلها، أو الواهمين أنهم كذلك، وأسوأ أنواع الاحتكار ذلك الذي يُبنى على العرقية أو المذهبية أو يتجلى بهما، لأنه يجعل من السلطة المعاصرة امتداداً لثارات تاريخية. لهذا تحتاج سورية الجديدة إلى لحظة تأسيسية ميثاقية، وبصرف النظر عن الأوهام الحالية لبعضهم ومخاوفه، فالتأسيس الجديد ينبغي أن يقطع نهائياً مع إمكانية احتكار السلطة مستقبلاً، وينبغي أن يكون ميثاقياً كي تعلو مبادئ الدولة، وتعوق استغلال أية أكثرية موقتة من أجل الانقلاب على الدولة. إن وهم السلطة لدى بعضهم الآن، وانعكاسه الخطير، يجدر بهما أن يكونا دليلاً لعموم السوريين؛ دليل إدانة لفكرة التسلط في حد ذاتها.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“جميل حتمل” الذي لوّن حياتي ومضى غير عابئ/ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...