الرئيسية / صفحات سورية / العلويّون والثورة السورية

العلويّون والثورة السورية

 

دمشق ـ عبدالله أمين الحلاق

(إلى إياد العبدالله.. صديقاً)

على أرض الواقع، وبعد ثلاثة وعشرين شهراً من انطلاقتها، تبدو الثورة السورية بعد كل تلك التضحيات والعذابات والاحتقانات، التي تولدت في مسيرتها، أقرب لأن تكون مواجهةً بين نظام ذي غالبية علوية وثورة ذات غالبية سنية. هذا فرز على أسس ما قبل وطنية، ومن المؤسف أن الحال وصلت إلى اعتباره توصيفاً للمآل السوري المُمعن في الانسداد، وهو يسير على غير ما تشتهي نفس يعقوب وغاياتها. لكن في المقابل، تترك “الغالبية” من كلا الطرفين هامشاً تستوطن فيه “أقلية”، تجاور سنّة الثورة من جهة، وعلويي النظام من جهة ثانية، ونعني علويين مع الثورة وسنّة مع النظام. ذلك أن الثورة السورية التي بدأت على غير ما وصلت إليه حالها اليوم، كانت تحمل، بدايةً، خطاباً قادراً على استيعاب السوريين في الدولة المدنية المأمولة، وهي لا تزال كذلك في بعض نقاطها الأقل سخونةً من المناطق الثائرة الأخرى. إلا أن حجم العنف الذي قوبلت به الثورة من قبل النظام كان من شأنه أن يلغّم المجتمع السوري أكثر، ويجعله قابلاً ليس للتشظي في وجه النظام وحسب، وإنما في مواجهة نفسه أيضاً، منسوباً إلى مكونات وانتماءات ما قبل وطنية.

لم تسجّل حتى الآن حالات مواجهة على أسس طائفية من قبل الثوار على الأرض تجاه النظام وأياديه، رغم وجود حالات قليلة ذات علاقة (تصريحات، مناوشات، تحريض على أسس طائفية…) لم تصل إلى مستوى اقتتال طائفي في رقعة جغرافية واسعة… مع ذلك، وبالتزامن مع تقدّم فُرص الاحتراب والاقتتال بين السوريين اليوم، لا يَعجب المرء من طاقة النظام على إبراز مقاطع فيديو موثقة أو إشاعات غير موثقة، تختزن عنفاً تجاه الثوار والناشطين على أساس طائفتهم، المقترنة بـ”العرعور” و”القرضاوي” من وجهة نظر شبيحة النظام ومخابراته، وبابن تيمية والأشاعرة من وجهة نظر “مثقفيه” وباحثيه ومؤرخيه، وبالوالي التركي على اللاجئين من وجهة نظر سياسييه في سوريا وامتداداتهم الطائفية في لبنان.

واستطراداً نسأل: هل النظام السوري نظام علوي؟

يصعب قبول هذه الفكرة أخلاقياً. ففي هذا ظلم عميم لطائفة وُجدت قبل أن تعتلي السلالة الأسدية عرش الجمهورية في سوريا. إلا أن هذه الطائفة ورغم كل ما كان يعتريها من غُبن تاريخي وتهميش واحتكار لفضاءات السياسة والمدينة على حساب تواجدها وحصرها في مناطق سورية معينة، وَجدت بعض شرائحها ذاتها لاحقاً في موقع السلطة، وهي تحوز امتيازات وصلاحيات واسعة. كان ذلك جزءاً من مشهد وصول البعث إلى السلطة بالانقلاب، وكان مَتنَه الفاعل ضباطٌ من الأقليات صاروا هم السلطة في سوريا والعراق. نمَت تلك الصلاحيات والامتيازات بعد وصول حافظ الأسد إلى الرئاسة، وأيضاً بالانقلاب. اعتمد هذا الأخير على الطائفة العلوية التي ينتمي إليها، ووضَع ضباطاً علويين في أهم المواقع الاستخباراتية والعسكرية والأمنية، التي بدأت تتحول إلى مراكز لتقاسم النفوذ الأمني والفساد، وتحوّلت إلى كانتونات متجاورة مع بقائها مرتبطة برأس النظام. تطييف النظام ووضع الطائفة العلوية معه في مواجهة المجتمع السوري، كانت هي السياسة التي اقترفها حافظ الأسد عن سبق الإصرار والتصميم، واستطاع تراكمياً عبرها مماهاة تلك الطائفة بالنظام إلى أبعد الحدود. يفسر هذا بعض الشيء حضورَ فكرةٍ، باتت واضحةً اليوم في يوميات الثورة، ومفادها ارتباط الطائفة ووجودها بالنظام ووجوده.

لسان حال علويين كُثر، منذ اندلاع الثورة السورية يقول ذلك، وهم يربطون مصيرهم بمصير النظام: بقاء النظام يعني بقاءهم وزواله يعني مذبحة كبرى أو أقل قليلاً بحقهم، على ما يرون. وفي الوقت الذي بدا فيه النظام، عن غير حق وغير صواب، حامياً للأقلية العلوية في سوريا، فإنه صدّر نفسه حامياً للأقليات الأخرى التي ثار جزء منها في مواجهته: مسيحية ودرزية واسماعيلية و…

مماهاةُ زوال الأقليات بزوال الاستبداد لا يشابهه إلا مماهاةٌ كاريكاتوريةٌ لسوريا بالأسد.

زوال سوريا ووقوعها فريسة الفوضى والحرب الطائفية أو الأهلية هو “نتيجة فعلية” لزوال الأسد! يا له من خيار يفترض أن يلتزمه السوريون إن أرادوا لبلدهم ألا يزول.

وبالنظر إلى نظام عائلي – مافيوي يقوده فردٌ، مستهتر الى هذه الدرجة بالسوريين وبمطالبهم وبأرواحهم، يبدو القبول بمقولة أن النظام هو “نظام علوي” إجحافاً بحق العلويين، كما يتبدى الإجحاف بحق جميع السوريين لدى القول بأن سوريا هي “سوريا الأسد”. نقول ذلك استناداً إلى أن الأسَد اعتمد على العلويين كبنية تحتية، بمعنى الاحتقار. حوّلهم الى جنود، مخابرات، موظفين في أعمال خدمية. وقام بتجهيلهم وإفسادهم، وحرمهم من مرجعية دينية، ليتماهى المرجع الديني لديهم في شخصه. بينما اعتمد على الطبقة الرأسمالية السنية في تثبيت حكمه من وجهه الآخر، وعندما بدأت تتكون طبقة من الأثرياء العلويين الفاسدين غالباً ومن أبناء الضباط خصوصاً، اختلف الأمر قليلاً لكن ليس كثيراً.

ذلك أن النظام لا يرى العلويين، من مؤيديه وشبيحته، إلا أرقاماً وجزءاً من محرقة ومقتَلة يومية في سوريا، الهدف منها بقاؤه على قيد الحكم، أياً كان عدد الضحايا وأياً كانت الطائفة التي انتموا إليها. ومن الواضح اليوم وسابقاً أن مصير أي سوري تسول له نفسه أن يجهر بمعارضته، سيكون على الأقل كمصير د. عارف دليلة سابقاً ود. عبد العزيز الخير راهناً، وهذا الأخير اختطف من قبل المخابرات الجوية في مطار دمشق الدولي ولم يعرف شيء عن مصيره أو مكان تواجده حتى اليوم. وهما بالمناسبة من أبناء الطائفة العلوية بالمعنى التاريخي والاجتماعي.

علاقة النظام السوري بالطائفة العلوية هي علاقة اقتحام وتعدٍ، والدمج بينهما لا يماثل الإ ذلك الدمج السمِج بين جبهة النصرة والثورة السورية، إذ تبحث الجبهة عن الخلافة الإسلامية على هامش ثورة ذات مطالب شعبية محقة، لم تَقم وتندلع بحثاً عن الخلافة. الخلافة الأسدية والخلافة الإسلامية وجهان لعملة واحدة هي مصادرة حياة السوريين وحقهم في العيش بتجاور من دون عبادات قسرية مقررة سلفاً على أسس طائفية أو دينية. في المقابل، من شأن استمرار الوضع السوري على ما هو عليه اليوم أن يعمق من الانقسام الطائفي بين السوريين، وأن يزيد مشاعر “الكره للعلويين”، ضمن الطبقات والشرائح الأكثر هشاشة، والأكثر تعرضاً للقتل النوعي والإبادة على يد النظام، بخاصة في ظل غياب خطاب مؤثر من الطائفة العلوية يعترض على دورة الموت اليومية في سوريا التي يديرها هذا النظام.

مع حجم التجييش الهائل لمتطوعين في الجيش والمخابرات، كانت لهم دوماً الأولوية في حيازة مواقعهم قياساً بالسوريين من غير الطائفة العلوية، والاعتماد على شبيحة تحت مسمى “اللجان الشعبية” في مناطق وأحياء علوية أساساً، منذ بدء الثورة، للقيام بأبشع المجازر تجاه السوريين… يقع المجتمع السوري الثائر ضحية انجراره للمواجهة مع الطائفة العلوية بالتزامن مع مجابهته الواسعة للنظام، وهو أمر يغبط له النظام ويُسرّ، مذ تحدثت بثينة شعبان عن الفتنة الطائفية بعد أسبوع من اندلاع الثورة، ولم يكن ثمة دماء وقتها في مسار الثورة إلا تلك الدماء التي سفكها النظام في درعا. عُنف النظام وزجّه الطائفة العلوية في مواجهة السوريين يغيّب حالات خلاقة للانخراط في الثورة السورية، وهو ما ثابر عليه ناشطون ومثقفون من أبناء تلك الطائفة منذ بداية الثورة.

الجدير بالذكر هنا كِتاب الكاتبة والروائية سمر يزبك “تقاطع نيران”، كوثيقة في أرشيف الثورة السورية وشهادة لكاتبة خاطرت بنفسها، وتعرضت لما تعرضت له من قبل أبناء طائفتها المتماهين مع النظام في مدينة جبلة، وشُهّر بها في موقع “فيلكا اسرائيل”، وهو موقع يديره حزب الله وعناصر في المخابرات السورية، كما تشير المعلومات المتواترة عنه. لوحقت سمر يزبك وتم توقيفها مرات عدة قبل أن تخرج من سوريا، وتقرر جمع تجربتها وما عاشته في يوميات الثورة في كتاب. لكن ذلك لم يعجب النظام ولم يعجب معارضين اتهموا سمر يزبك بأنها “من فلول النظام السوري”، لمجرد أنها “علوية”!

وفي الفسحة الفاصلة بين هؤلاء المثقفين والناشطين القلّة والمنخرطين في الثورة من أبناء الطائفة العلوية من جهة، والقتَلة من أبنائها أيضاً من جهة ثانية – وثمة قتَلة وشبيحة خدموا النظام وقاتلوا وقتلوا سوريين لأجله، هم من طوائف وشرائح اجتماعية أخرى بما فيها الأكثرية السنية – يستوطن علويون مهمشون من قبل النظام، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، لم ينخرطوا بالثورة السورية وفضلوا الصمت، خوفاً من مصير أسود أو انتقام قد يتهددهم من الآخر السوري إن زال النظام، وهو الخطاب الذي أدمن إعلام الأسد بثه، ووجد في بيئة شعبية بسيطة ومفقَرة حاضناً اجتماعياً وأهلياً له.

في الثورة أخطاء وخطايا تتراكم، وانحرافات عن النهج الوطني، تتناسل من رحم بعضها البعض، وهي مع ذلك، لا تصبغ الثورة بصبغة سلبية شاملة، رغم تزايدها يوماً بعد يوم، مع تعقد الوضع السوري واستعصائه على حل نهائي. لكن، وكما أنه من الظلم الفادح اعتبار الثورة السورية مجرد تمرد مسلحين وسلفيين وإخوان وعراعرة على ما سوّق النظام دوماً، رغم علوّ صوت الإسلام المتطرف فيها اليوم، فإن الحال ينطبق كذلك على اعتبار الطائفة العلوية متماهية مع النظام على ما سوق النظام وأراد.

يبقى الوضع السوري مرشحاً للمزيد من التطرف والتموضع دينياً وطائفياً، طالما أن النظام لم ينكسر أو يتغير بعد. ومن دون أن يبدو أن ثمة استعداداً لانسلاخ واسع لأبناء الطائفة العلوية عنه على ما نرى، فإن من شأن سقوط هذا النظام أن يعجل في تذويب الانقسامات الحادة بين السوريين، وفي إعادة التئام جراحهم والعبور على آلامهم النفسية والجسدية والاجتماعية، وهي جراحٌ وآلام نجح الأسَدَان في إبقائها تحت السطح طوال عقود، لتطفو عند أي هزة كبرى قد يشهدها البلد.

كلما طال أمد بقاء بشار الأسد ونظامه في السلطة ازداد الاحتقان وقلّت احتمالات المصالحة المفترضة والمأمولة ورأْب الصدع بين السوريين، وازدادوا بعداً عن الالتقاء على وطنية سورية جامعة لهم… وهو الهدف الثاني والمعبّدةُ طريقه بالنصال الطائفية وغير الطائفية، بعد إنجاز الهدف الاول للثورة ممثلاً برحيل النظام الأسدي، الذي لا طائفة ولا دين ولا مذهبَ له، وضعياً علمانياً, أو دينياً سماوياً، على تعدد طوائف هذا الأخير.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

29 − 26 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...