العملاق

 

    عبد الوهاب عزاوي

(دير الزور تحت الحصار)

عملاق ضخم بطريقة مضحكة، مقطوع الساقين يزحف على بطنه ضمن خطوط عشوائية تتقاطع في ساحة فارغة مغبَّرة. لم يكن ينزف، لكني لا أتذكر شكل فخذيه أو ما بقي منهما. بعد زمن غير محدّد يُرى مقطوع اليدين والساقين، يجثم على ظهره، يئنّ، رقبته تتلوى كأنه يقيس بنظره أبعاد المكان. قفرٌ لا يوجد فيه سوى جثته الضخمة كقارب يَبلى على التراب، قارب يحلم بالغرق، لكنه الآن متروك أمام سماء ليست مميزة في شيء، لا غضب أو حزن أو شماتة فيها، سماء لا مبالية، العملاق في الأسفل يفكر بمرارة في عجزه عن تذكر أي شيء. عجزه عن التفكير في أي حركة يمكن أن تساعده. لم يعرف ما أصابه، أو من قطع يديه أو ساقيه، لم يكن متأكداً من عدد أطرافه، أو كيف فقدها وبأي ترتيب. هل تألم؟ أم فقدها ببساطة، كذبابة ناشفة تسقط عن حافة النافذة. النافذة يا إلهي؟ إنها فكرة دافئة. هل توجد هنا نافذة؟ علامَ تطلّ؟ هل هي نافذة تطل على الخارج؟ أم أنه ببساطة في الخارج والنافذة تطلّ على الداخل؟ من يوجد في الداخل؟ ألا يسمعه إن صرخ؟ بِمَ يفيد الصراخ الآن؟ لقد صرخ زمناً طويلاً ولم يأتِ أحد، لم يسمعه أحد، أو لعله سمعه ولم يقدر أن يأتي، لعله فكر في ما يفعله بهذه الجثة الضخمة إلى حدٍّ مخيف، أو لعله لا يزال يفكر حتى الآن، كيف يحركه! هل يأتيه بطعام أو شراب؟ لعله سيجاذبه أطراف الحديث فقط، والأهم أنه قد يفسّر له كيف وصل إلى هنا، أو ما هو هذا الهنا، الشاسع والمقفر والمخيف. قد يأتيه بما يشبه الأطراف الاصطناعية، قوالب مجوّفة يغرز فيها ما بقي من أطرافه. استغرق في تخيّل حركته مع أطراف يابسة لا تُثنى، سيبذل جهداً كبيراً ليتوازن وهو يسير، لن يعرف إلى أين ولكنه قد يكتشف ذلك. سيغدو منظره غريباً ومرعباً، لكنه لن يكون مثيراً للشفقة كمنظره الآن. لا، ذلك غير معقول، وبالتأكيد لن يجلب له أي شيء، لأنه لم يكلّف نفسه عناء السؤال عنه. ثم لمعت الفكرة فجأة، لعله هو الآخر مقيّد أو مقطّع الأطراف؟ أوليس من الممكن أن يكون قد مات، على افتراض أنه مصاب منذ زمن طويل؟ شعر بشفقةٍ غريبة تجتاحه. لم يدر إن كانت شفقته على نفسه أم على الآخر المجهول، أم شفقة الآخر المجهول عليه؟ الشفقة غير مرئية، أو ملموسة. إنها شعور بالسقوط والدوار، وهو لا يسقط فعلياً. إنه يرفرف بأشباح أطرافه فحسب، يصرخ بوهنٍ كأنه يسمع صراخ شخص آخر بعيد، قد يكون على الطرف الآخر من النافذة غير المرئية، لم يبق له غير الصوت والنظر، وأفكار تتطاير كالخرز. لماذا الخرز وليس أي شيء آخر؟ لا يعرف بصدق. إنه متأكد من وجود حياة ما خلفه، حياة كان فيها ضخماً و… جميلاً. ليس متأكداً من ذلك، لكن ضخامته توحي بقوة ما وليس بالحمق فقط. من الصعب أن يحدد إن كان أحمق فعلياً، فالحمق حقل للمقارنة والقياس عادة، وهو لا يملك ما يقيس به. بشكل عام، الآخرون يقيّمون الأحمق عادة. لكنْ، أين الآخرون؟ من هم؟ أين أهله؟ زوجته؟ هل هو متزوج؟ هل يغيّر في الأمر شيئاً إن نادى على زوجته أو أبنائه؟ هل له أبناء؟ أخذته فكرة شكلهم. هل هم بضخامته العاجزة؟ أدرك فجأة أن الحمق في حاله ناجم عن التناقض الشنيع بين ضخامته المخيفة وعجزه الفادح، وذاكرته المعوقة باعتبارها جزءاً من ذلك العجز. لكنه ليس مذنباً في ذلك، بل إن أي حركة منه تفاقم هذا التناقض وتزيد حمقه. لعل هذا ما ينفّر الشخص الجالس وراء النافذة. صمت فترةً لتخفّ وطأة حمقه المفترض. بعد وقتٍ قصير تخلى عن تلك الفكرة، وعاد ليئن. كان يفكر في أي شيء قد يعطيه فكرةً عن ماهية المكان الذي يوجد فيه. حاول تذكّر أي فعلٍ كان يؤديه بيديه قبل أن تُقطعا. ستكون بداية جيدة، شرب الماء مثلاً، تفريش الأسنان، لم يكن متأكداً من وضع أسنانه، هل هي كاملة أم ناقصة؟ لم يحس بأيّ ألم في فمه، حاول أن ينطق بعض الحروف ليتأكد من سلامتها، السين تحديداً لأن لفظه يحتاج سلامة الأسنان الأمامية وهي أكثر ما يتعرض للإصابة في الرضوض على فرض أنه تعرض لاعتداء ما، صرخ بأعلى صوته: سسسسسْ، تبدو سليمة، على ما يعتقد، هناك بعض الصدى أو ما يشبهه يشوّش السسسسْ، لم يكن متأكداً إن كان يسمعها من الخارج أم من الداخل كما يسمع المرء نفسه عندما يفكر بصمت. غزاه الشك مرة أخرى. آهٍ لو يأتي أي شيءٍ لينهي هذه الهواجس. بمَ كان يفكر قبل ذلك؟ بأبنائه؟ أجلْ. لا. كان يفكر في أي فعلٍ كان يقوم به بيديه أو ساقيه، الجري بالتأكيد. حاول أن يتذكر كيف كان يركض، لم يتذكر غير تصوره عن الركض بشكلٍ عام، وليس ركضه هو، تعرقه، خفقان قلبه، الضجيج في رأسه، نشفان ريقه، لهاثه، نظره الزائغ. لم يستطع تحديد هذه المعالم، بل بقي يفكر في الركض كفعل تلافٍ للسقوط، سقوط مؤجل بقفزة تتشنج فيها كل عضلات الساق، قفزة محملة جرعة أمل، أمل بالطيران، بالارتفاع المستمر كشهيق لا يتوقف، يليها سقوط حتمي. يا إلهي السقوط مجدداً. إنه يشبه ما يمكن أن نسميه بالشفقة، لكنها هذه المرة شفقة عامة، ليست على شيء محدد. أخذ يفكر في المشاعر الأخرى: في الغضب، الألم، الحقد. أجل، الحقد مغرٍ، الكره إلى درجة ربط النفس بالمكروه، إنه أشد من الحب، إنه ارتباط أعمق وعفوي لا يحتاج إلى جهد عقلي لتمتينه، إنه ببساطة يحفر بنفسه في الداخل، الحقد أشد مقاومة من الحب تجاه الملل أو الروتين. كان متأكداً من أنه يحقد على شيءٍ ما لكنه لم يتأكد من ماهيته.

ينقضي زمنٌ غير محدد، إنه ملقىً في الوضعية نفسها، لا شيء تغيّر غير أنه لم يعد يقدر على الأنين، يفتح فمه على اتساعه، دفعات الهواء تخرج صامتة، لا شيء غير حفيف جثته التي تبدو أكثر ضخامة، من دون أن يتأكد من ذلك، لأن الضخامة تحتاج أيضاً للمقارنة. إنه يحلم بفكرة المقارنة الحسية الملموسة، وليس مقارنة الأشياء في ذهنه، لأن أحجامها وصفاتها تتغير في الذهن. لكنْ، صوته، أين صوته؟ حتى صوته الداخلي بات مغمغماً. هل العيب في أذنيه؟ هل بات أصمّ؟ لا، إنه يسمع حفيف جسده على الأرض، بل يكاد يسمع تنفس هذا السواد. صوته غائب، حباله الصوتية مقطوعة! لم يسعه التأكد من ذلك لكنه أكثر الاحتمالات توافقاً مع وضعه. هل تكون حباله الصوتية مصابة من كثرة الصراخ؟ ليس متأكداً. بكل الأحوال سيمنحها وقتاً لترتاح فيه علّها تعود إلى العمل. سيعود إلى النوم قليلاً، لكنه بصدقٍ لا يقدر أن يميز بين النوم واليقظة، بين الأحلام الغائمة والعمومية التي تأتيه وبين أفكاره المتطايرة كحبات الخرز. عدنا، لا. لن يشتت فكره في التفاصيل، المهم الآن أين صوته؟ من قطع حباله الصوتية؟ ومتى؟ من المستحيل أن تنقطع وحدها. هل هو مريض بمرض يجعل أطرافه وحباله الصوتية تنقطع فجأة؟ إن كان ذلك صحيحاً فكيف مُحيت ذاكرته؟ يعود فجأة إلى الصراخ بعنف لكنْ من دون صوت. الصمت يصبح أعمق ببساطة، إنه كضبعٍ في قفص يعجز عن الهرير أو العويل. ما كان اسم صوت الضبع؟ لم يكن مهماً أن يتذكر، فذلك لا يشكل فرقاً للضبع الخائف والحاقد. عويل يستطيع أن يتخيله على شكل ضحكٍ خائف، لكنه مرعب. إنه يصرخ بصمتٍ مخيف وقطرات العرق تلمع على جبينه، يحس بها وهي تنزل. كان يشبه مشهداً سينمائياً من فيلم صامت مع كل المبالغات التي تحاول أن تعوض عن فقدان اللغة. هل يبدو أشد حمقاً الآن؟ ليس مهماً لأن الحمق يقاس بين الأحياء وليس عندما يكون المرء وحيداً، خصوصاً عندما يكون ناقصاً. أطرافه تشكل نصف جسمه على الأقل، وليس من حق أحد أن يحكم عليه. أين هو هذا الأحد الغائب؟ أين هو نفسه؟ ما هذا السواد اللامنتهي؟ هل هو في قبر فسيح؟ أين بقية الموتى؟ أين الملائكة أو الشياطين؟ أين حشود الموتى؟ أين الدود الذي يأكلهم؟ أيكون في الجنة؟ لا، هذه ليست الجنة بالتأكيد. لعلها مرحلة انتقالية في صعوده إلى الجنة؟ لكنْ، لِمَ يصعد من دون أطراف؟ هل يحاسبون أطرافه؟ لكنْ، من يودّ أن يُقسِّم الإنسان بهذه الطريقة! من الصعب أن يكون في عالم ما بعد الموت، لأن ما هو فيه عذابٌ لم يُخبره أحد بوجوده. الأنبياء لم يعلموا به، أو لعلّهم علموا وأخبروا الناس لكنه ببساطة نسي ذلك كما نسي كل حياته الماضية. لا، الأمور في الدين أكثر بساطة وإن كانت غير منطقية أحياناً. خامرته شكوكٌ حول كائنات فضائية أو سحرة أو جن قمعها بسرعة خشية أن يصدّقها. هل هو في قعر أحد الأقبية في فرع مخابرات ما؟ هل يطبّقون عليه نوعاً جديداً من التعذيب، أو دراسة طبيّة غير مشروعة! هل هو في قعر محيط، يعجز عن الغرق؟ أيكون على طاولة عمليات تحت التخدير العام؟ هل هناك من يشقّ جسمه في هذه اللحظات؟ حاول التركيز، إنه لا يحس بشيء، لعله مجرد شخص تحت ركام بناية انهارت بسبب زلزال أو قصف عنيف لا يذكر سببه.  لا بد أن يأتي أحد لانتشاله من تحت هذا الفراغ. أو لعله مجرد شاعر أخرق يتسكع في الفراش والقذائف تعوي قربه من دون أن يفلح في النوم؟ بصدقٍ، لم يكن يعلم.

من كتاب سيصدر بعنوان “موزاييك الحصار”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

92 − 90 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...