الرئيسية / صفحات مميزة / الغارة الاسرائيلية على مصياف ” تحليلات ومقالات”

الغارة الاسرائيلية على مصياف ” تحليلات ومقالات”

 

لماذا تسكت رادرات موسكو عن عمليات إسرائيل في الأجواء السورية؟/ صبحي حديدي

في أواخر آب /أغسطس الماضي أدلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالتصريح التالي: «إذا كان أيّ طرف في الشرق الأوسط أو سواه يخطط لانتهاك القانون الدولي عن طريق نسف سيادة ووحدة أراضي أية دولة، بما في ذلك الشرق الأوسط وشمال افريقيا، فإنّ هذا مدعاة إدانة». كان لافروف يردّ على أسئلة المراسلين الصحافيين، حول تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنّ إسرائيل لن تتردد في قصف أية أهداف داخل سوريا يُراد منها تمرير أسلحة ستراتيجية إلى «حزب الله».

وفي آذار /مارس الماضي أعلن بشار الجعفري، ممثل النظام السوري في الأمم المتحدة، أنّ روسيا قد أبلغت إسرائيل بأنّ «قواعد اللعبة» في سوريا قد تغيرت، وأنّ حرّية النشاط الإسرائيلي في الأجواء السورية قد انتهت. وروى الجعفري حكاية مثيرة عن قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستدعاء السفير الإسرائيلي، وإبلاغه أنّ «اللعبة انتهت». وكان أيضاً تحت وطأة الحماس الملتهب الذي دبّ في أفئدة، وعلى ألسنة، وفي أقلام، أنصار النظام ومعلّقيه والمتعاطفين معه، بعد إطلاق نيران المضادات الأرضية لإبعاد طيران حربي إسرائيلي كان يحلّق في الأجواء السورية.

لم يكن هذا رأي الرادارات الروسية في مطار حميميم، ولا في قاعدة طرطوس الروسية، ولا على أيّ من البوارج الروسية في عباب المتوسط، حينما نفذت إسرائيل ضربة جوية فجر أمس، استهدفت معسكر الطلائع الذي يستضيف مصنعاً للأسلحة الكيميائية والصاروخية، تابعاً لـ»مركز البحوث»، في ظاهر مصياف، وعلى مبعدة كيلومترات قليلة من هذه المنشآت العسكرية الروسية. لزمت هذه الرادارات صمت القبور، في المجاز الشائع، وصمت المتيقظ البصير العارف، في المعنى الفعلي لقدرات هذه الرادارات على التنصت والرصد والتنبيه، كي لا يتحدث المرء عن الإنذار والتشويش والتعطيل.

هيهات، بالطبع، أن تتدخل روسيا لإيقاف عملية مثل هذه، ولا عزاء لأمثال لافروف (حول «انتهاك سيادة» الدول)، أو الجعفري (بصدد تغيير «قواعد اللعبة»)، فضلاً عن المعلقين البؤساء الذين بُحّت حناجرهم في وصف «رعب» إسرائيل من انطلاق مضادات النظام. يومها، للتذكير المفيد، ذهب بعض المعلقين إلى مستوى رسم اصطفاف جديد لقوى «الممانعة»، يبدأ من الضاحية الجنوبية في لبنان، ويمرّ من نظام الأسد، ويلتقي مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي (وعفّ البعض، في حياء مبتذل مفضوح، عن تسمية «الحشد الشعبي» وعصائب غلاة الشيعة)، ثمّ ينتهي في طهران (وتفادى الحياء الرخيص إياه ذكر الجنرال قاسم سليماني و»الحرس الثوري» الإيراني)، ولا ضرر في أن يعرّج قليلاً على اليمن وعبد الملك الحوثي!

لكنّ الحمقى، وبائعي التصريحات الجوفاء، وشبيحة النظام، وأبواق «الممانعة»، هم وحدهم الذين تجاسروا على التفكير بأنّ الكرملين (متمثلاً في بوتين، حصرياً، وليس البتة في لافروف وأضرابه)، يمكن أن يذهب إلى مواجهة مع إسرائيل، أو حتى ملاسنة لفظية، دفاعاً عن مصنع سلاح تابع للنظام، أو تديره إيران ذاتها. في المقابل، لا يحتاج كلّ ذي بصر وبصيرة إلا إلى استذكار واقعة زيارة نتنياهو إلى موسكو، في أيلول /سبتمبر) 2015، كي يستعيد الحقيقة البسيطة الساطعة: أنّ «قواعد اللعبة»، أو بالأحرى قواعد فضّ الاشتباك، بين موسكو وتل أبيب، في كلّ ما يخصّ تدخّل روسيا لصالح النظام أو تدخّل إسرائيل ضدّ منشآت النظام العسكرية، رُسمت هناك، يومئذ، وهي التي تظلّ سارية المفعول حتى إشعار آخر، طويل… طويل!

وللتذكير المفيد، لم تكن زيارة نتنياهو مبرمجة مسبقاً، على غرار ما يجري عادة بين الدول، خاصة وأنها الأولى العلنية (بعد زيارة سرّية، في خريف 2009، دامت ساعات قليلة)، وكان لائقاً أن تسبقها سلسلة تحضيرات ومراسم واستقبال ومظاهر احتفاء، فضلاً عن توقيع اتفاقيات مشتركة مختلفة. لقد ذهب نتنياهو صحبة غادي أيزنكوت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وهرتزل هاليفي رئيس الاستخبارات العسكرية، وبدا جلياً بالتالي أنّ جدول أعمال الزيارة يتناول تفصيلاً ملموساً واحداً، هو الانتشار الروسي في مطار حميميم، وتعزيز القاعدة الروسية في طرطوس، والتفاهمات الروسية ــ الإسرائيلية العملياتية في حال قيام الطيران الحربي الإسرائيلي بأية عمليات في الأجواء السورية، وضمان عدم وقوع سوء تفاهم من أيّ نوع بين بين قاذفات الـ»سوخوي 27» الروسية، والـ»F-15» الإسرائيلية. ولقد برهنت الأشهر اللاحقة، منذ أيلول/سبتمبر 2015 وحتى أيلول/سبتمبر 2017، أنّ سوء التفاهم لم يقع أبداً، ليس في الأجواء السورية وحدها، بل كذلك على أرض الجولان، وفي الأجواء اللبنانية (باحة إيران الخلفية وساحة «حزب الله).

جانب آخر، في قراءة صمت رادارات موسكو عن عمليات إسرائيل في الأجواء السورية، هو أنّ بوتين ونتنياهو تمكنا ــ سريعاً، ودون عناء كبير في الواقع ــ من التوصّل إلى مسلّمة مشتركة، بسيطة وجوهرية في آن: أنّ اتفاقهما على إبقاء نظام بشار الأسد، في المدى المنظور، لا يعني إطلاق يد إيران في سوريا، خاصة لجهة تمكين «حزب الله» في المنطقة، وليس في لبنان وحده، على صعيد التسلّح الستراتيجي. وما دامت إسرائيل لا تقصف الفرقة الرابعة أو «الحرس الجمهوري» أو ما تبقى من أفواج وألوية النظام (إلا حين تمرّ، من مواقع انتشارها، قوافل السلاح المتوجهة إلى «حزب الله»)، فلا ضرر عند موسكو، ولا ضرار في تل أبيب! العكس هو الصحيح، في الواقع، لأنّ واحدة من روافع ضغط روسيا ضدّ اتساع نفوذ إيران في قلب النظام السوري، هو تحجيم دور «حزب الله» العسكري في سوريا، وإبقاء سقف تسليحه عند مستويات دنيا، أو هي لا ترتقي إلى السوية الستراتيجية.

جانب ثالث، لعلّ أهل «الممانعة» يعضون على النواجذ كلما استذكروه واضطروا إلى إغفاله عن سابق عمد، هو أنّ «هوى» بوتين الشخصي كان إسرائيلياً على الدوام، وليس سورياً أو فلسطينياً أو لبنانياً أو عراقياً أو مصرياً… ولعلّ سيّد الكرملين لا ينسى أنّ أرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، لم يتردد في مباركة خيارات الجيش الروسي العنفية، وممارساته الوحشية، في الشيشان. ومؤشر العلاقات الروسية ــ الإسرائيلية في عهد بوتين لا يُقارَن، على أيّ نحو، بعلاقات موسكو مع حلفائها السابقين، أو اللاحقين، في العالم العربي، ويكفي استذكار واقعة راهنة تقول إنّ موسكو سبقت واشنطن في الحديث عن «القدس الغربية كعاصمة لدولة إسرائيل».

وفي التعليق على الغارة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مركز البحوث، في ظاهر مصياف، فجر أمس، كان عاموس يدلين، الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قد غرّد على «تويتر» بأنّ الضربة «ليست روتينية»، وفي تنفيذها وجهت إسرائيل ثلاث رسائل هامة: أنها لن تسمح بإنتاج أسلحة ستراتيجية، وأنها تعتزم فرض خطوطها الحمراء حتى إذا أهملتها القوى الكبرى، وأنّ حضور الدفاعات الجوية الروسية لن يعيق توجيه الضربات. ولم يفت يدلين أن يجمّل وجه إسرائيل القبيح، حين طالب المجتمع الدولي بتهنئة بلاده على ضربة «حميدة أخلاقياً»، لأنّ مصنع مصياف ينتج، أيضاً، البراميل المتفجرة التي «قتلت آلاف المدنيين السوريين»!

يبقى التذكير بما باح به الجنرال أمير إشيل، القائد السابق لسلاح الجوّ الإسرائيلي، من أنّ عدد الغارات ضدّ مواقع النظام السوري العسكرية، منذ 2012 فقط، يُحتسب بثلاثة أرقام، أي الـ100 فما فوق بالطبع. نصفها، أغلب الظنّ، نُفّذ تحت سمع وبصر الرادارات الروسية، وصمتها المطبق!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي،

 

 

 

 

سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟/ محمد قواص

لا يمكن للعالم كما للعواصم الإقليمية المعنية بالشأن السوري إلا أن تراقب جيدا المناورات العسكرية الإسرائيلية التي تجريها إسرائيل على حدودها الشمالية. ولئن تتمحور دينامية الترتيبات الجارية حول الشأن السوري حول تنسيق وتعاون وثيقين بين الولايات المتحدة وروسيا، فإن الدولتين تأخذان جيدا بعين الاعتبار هواجس أمن إسرائيل، وتستنتجان في الأسابيع الأخيرة توتر إسرائيل وقلقها في هذا الصدد.

لم تسبب سوريا قلقا لإسرائيل منذ تفاهمات ما بعد حرب أكتوبر عام 1973. انتهت هذه الحرب وفق ترتيب أوقف إطلاق النار وفق خطوط لم يتجاوزها نظام دمشق، لا بل حرص بتفانٍ نادر على منع أيّ اختراق عفوي يقوم به مواطن عربي غاضب من الاحتلال، وأتاحت وصايته على لبنان تفريغ هذا الغضب الغريزي أو المنظّم من خلال الحدود اللبنانية الإسرائيلية وحدها.

وفّر هذا الانضباط السوري الدقيق لنظام دمشق نشوء لوبي داخل النخب الأمنية والعسكرية والسياسية في إسرائيل استثمر ما يملكه من نفوذ داخل الدوائر الأميركية من أجل حماية النظام السوري من أيّ خطط أميركية غربية سبق أن أزالت أنظمة العراق وليبيا وأفغانستان ويوغسلافيا خلال أسابيع قليلة. كانت دمشق تعي تماما ما يسببه أمن إسرائيل من أرق لعواصم القرار الكبرى، وحتى في حال سهت تلك العواصم عن ذلك، فقد تبرّع رامي مخلوف، رجل الأعمال السوري وابن خال بشار الأسد، بإبلاغ “نيويورك تايمز” في أبريل 2011، أن “لا استقرار في إسرائيل ما لم يكن هناك استقرار في سوريا”.

واكبت إسرائيل يوميات الأزمة السورية منذ اندلاعها، بإيقاعات غير قلقة. تأملت حركة المتقاتلين وشعاراتهم البعيدة عن تشكيل أي تهديد معنوي أو سياسي أو أمني للدولة العبرية. تنقلت المواقف الإسرائيلية المعلنة برشاقة خبيثة بين الدفاع عن نظام دمشق بصفته عنوانا مضمونا لأمن إسرائيل، وبين “إدانة الممارسات الوحشية” للنظام ضد المدنيين، مقلدة بذلك بلادة التصريحات التي تصدر في هذا الصدد عن هذه العاصمة الغربية أو تلك. وحين أجمعت العواصم الكبرى في حقبة ما، على ضرورة إزاحة النظام عملت إسرائيل على تجاهل الأمر وعدم منحه أي رعاية وتشجيع.

لم تهتم إسرائيل كثيرا للجدل المشتعل منذ سنوات حول شكل النظام المقبل في سوريا. وجدت تل أبيب في الخيارات العلمانية أو الإسلامية أو الفدرالية أو التقسيمية وقائع لا تقلقها ولا تسبب لها توجسا يطال استقرارها، ناهيك عن أن صخب الجبهات وكثرة الطباخين في الطبق السوري لم يمنع يوما وسائطها الأمنية والعسكرية من العمل براحة كاملة وبتغطية دولية شاملة لضرب أي أهداف تعتبرها إسرائيل تهديدا على أمن الدولة ومواطنيها. نفذت المخابرات الإسرائيلية عمليات اغتالت “أعداء” وقصفت طائراتها قوافل وأهداف اعتبرتها تمثل خطرا على أمن إسرائيل وسلامتها، ولا تحيد الغارة الأخيرة التي استهدفت موقعا بالقرب من مصياف في حماة عن هذه القاعدة.

اختلف الأميركيون والروس حول ملفات عديدة في العالم وتناقضت أجنداتهما ولو صوريا، في مقاربة الأزمة السورية. لكن الدولتين العظميين اتفقتا على صوْن أمن إسرائيل. باتت زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى روسيا أكثر عددا وودّا من زياراته إلى الولايات المتحدة. ولم يذهب فلاديمير بوتين في حملته العسكرية في سوريا في سبتمبر 2015 قبل تفاهمات تمّ إبرامها مع “الشريك” الإسرائيلي. وإذا ما كان أمن إسرائيل هو القاعدة التي على أساسها تبرّعت روسيا لنزع الأسلحة الكيمياوية من نظام دمشق عام 2013، وإذا ما كانت كافة العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا جرت بالتنسيق مع/ أو بالرعاية الكاملة لمنظومة الدفاع الجوي الروسي فوق سوريا، فإن لا شيء يوحي بأن قواعد اللعبة تبدّلت في موسم الحضور العسكري الأميركي المباشر فوق الأراضي السورية.

توحي الترتيبات التي تعدّها موسكو مدماكا فوق آخر، أن تلك الورشة تتم وفق جراحات دقيقة تسعى للاتساق مع مصالح كافة الدول الإقليمية، ولا سيما تلك المحاذية لسوريا، ودائما بالتفاهم الكامل مع الولايات المتحدة. وفق تلك القواعد تنمو “مناطق خفض التوتر” الواحدة تلو الأخرى، من داخل وخارج مقاربة أستانة. ترسم موسكو حدود مناطق النفوذ بحنكة متجنبة أي سلوك متعال تفرضه سطوتها العسكرية. تدرك روسيا أنها لم تعد تحتكر الميدان العسكري وأن واشنطن تشغل قواعد عسكرية داخل سوريا، وتبسط قواتها برشاقة ضمن تحالفات محلية سريالية تحت شعار محاربة داعش. وتعي روسيا وفق ذلك أن للأميركيين نفوذا يتصل بذلك لهم في العراق وبذلك المطرد في أفغانستان، وأن ثمار ما تريده لسوريا لا يمكن له تجاهل ذلك.

يصطدم النفوذ الإيراني في سوريا بأجندات كافة البلدان المعنية بمآلات هذا البلد. إدارة دونالد ترامب ما انفكت تعلن ذلك، الأردن يطالب بدفع الوجود الإيراني بعيدا عن حدوده، تركيا تسعى إلى إيجاد مساحة توافق على قاعدة العداء لقيام كيان كردي في أي مكان، وإسرائيل ترى في بقاء الحضور العسكري الإيراني المتصل بذلك الذي يمثله حزب الله في لبنان خطرا يستدعي مواجهة تخترق أي ترتيبات قيد الإعداد في سوريا.

لا يبدو أن واشنطن وموسكو قد توصلتا إلى اتفاق كامل في شأن الدور الإيراني المقبل في سوريا والمنطقة برمتها. لا شيء يدفع روسيا للاقتراب من الولايات المتحدة في هذا الشأن فيما تتراكم ملفات الخلاف بين البلدين وتشدد واشنطن عقوباتها ضد موسكو. يعلم بوتين أن مستقبل طموحاته الطويلة الأجل في سوريا ستحتك حتما مع أجندة إيران في سوريا. تعرف طهران ذلك أيضا. لكن البلدين يحتاجان إلى تحالفهما الحالي على نحو يجعل موسكو عصية على ما تروّجه إدارة ترامب من أن روسيا “مكلفة” بالتعامل مع “الحالة الإيرانية في سوريا”. هكذا قال الأميركيون للوفد الأمني الإسرائيلي الذي زار واشنطن منتصف الشهر الماضي، وعلى هذا الأساس حمل نتنياهو هذا الملف وتوجه به إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

توحي التقارير التي نشرتها الصحف الإسرائيلية حول فشل السعي الإسرائيلي في واشنطن وموسكو أن تدخلا عسكريا من خارج تفاهمات واشنطن وموسكو بات مطلوبا، أو على الأقل أضحى التلويح به عاملا جديدا سيطرأ على أي تفاهمات. ومصدر الحاجة قد لا يكون فقط إسرائيليا تمليه تقارير أجهزة الأمن الإسرائيلية ومؤسساتها العسكرية، بل إنه قد يكون حاجة أميركية روسية لإعادة ترتيب الأوراق وفق معطى عسكري معين يضم إسرائيل رسميا إلى طاولة التفاهمات حول مستقبل سوريا.

في ذلك مخاطرة قد لا تدعمها معطيات الراهن، بيد أن القلق الإسرائيلي بات متورما ولا يحتمل انتظار تبدل في مزاج العاملين على إخراج الترياق السوري. وفي ذلك أن المناورات التي تجريها إسرائيل هذه الأيام على الحدود الشمالية لإسرائيل قد يراد منها إسماع أولي الأمر قعقعة السلاح لعل في ذلك الضجيج ما يؤمن لسوريا ستاتيكو كان معمولا به قبل عام 2011. لكن سياق اليوميات الذي تسير عليه سكة “الحل السوري” يملي حقيقة أن العامل الإسرائيلي أساسي في أي عدّة تستخدمها واشنطن وموسكو لإرساء تفاهمات تطال سوريا أو أي دولة في الشرق الأوسط.

في ذلك أن نظرية رامي مخلوف في أن “لا استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا”، تنقلب لتكون قانونا يحكم عقلية الأمن الإسرائيلي: لا استقرار في سوريا إذا لم يؤمن ذلك أمنا واستقرارا لإسرائيل. موسكو قبل واشنطن تدرك ذلك.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

العرب

 

 

 

قبول إسرائيل وبقاء الأسد/ ماجد الشيخ

المقاربة الاستشراقية في موسم التسويات السياسية والمراهنات الإقليمية والدولية على بقاء المصالح الخاصة بكل طرف الحاكم الفعلي للتحولات والتطورات القائمة والمحتملة، تبدو المقاربة الراهنة في سورية تتجه لبقاء الأسد «سيدا» ولو من دون «سيادة» للسلطة التي يجري إحلالها محل الدولة، بدعم مزدوج من روسيا وإيران والميليشيات الطائفية المختلفة.

هذا هو «طريق التسوية» السورية الذي خططت له دوائر استراتيجيات النفوذ الذي فازت به روسيا ونجحت في رسم مآلاته النهائية، منذ بدء دخولها على خط الأزمة السورية، بالترافق مع العمل على استعادة النفوذ الروسي في منطقة اعتبرت تقليدياً أبرز «مغانم» هيمنتها منذ أيام الحرب الباردة، وصراعاتها على النفوذ الإقليمي والدولي، وها هي تؤكد في سورية، ما لم تستطع أن تؤكده في الصراع العربي مع إسرائيل، حيث بقيت تمسك بالعصا من الوسط، من دون انحيازها المعلن لدعم الطرف الفلسطيني، ما أبقى التسوية على الجبهة الفلسطينية– الإسرائيلية مجردة من عناصر أي قوة تصطف إلى جانب الحق الفلسطيني، لا عربية ولا إقليمية ولا دولية، الأمر الذي قاد الوضع الفلسطيني إلى مزيد من التفتيت والإضعاف، وبالتالي الإجحاف بحق نفسه وبحق قضايا المفاوضات المتروكة على قارعة تسوية لم تتم ولن تتم في هكذا شروط، عمادها التفكيك والتفتيت، وحتى التشكيك في ما بين أطراف الصف الوطني المختلفة.

في المقابل، يبدو أن المقاربة الكولونيالية، لا تختلف في رؤيتها لمصالحها الاستعمارية إزاء إسرائيل ودورها الوظيفي في هذه المنطقة، بخاصة في ظل وجود إدارة أميركية ترى في وجود إسرائيل «ظلها العالي» الذي لا تقبل بأي تأثيرات تعمل لحجبه من أجندات ووقائع السلوك الاستعماري، وهو يتجه نحو شعبوية عنصرية باتت تؤكد عبر مسلكياتها الفاشية، وكأنها تخوض حربها «الهارمجدونية» وفق خرافات التدين الخلاصي الأكثر اسطورية وكولونيالية في عصرنا الحديث.

في ظل هذه الأجواء واضطرابها السياسي والأمني، واتفاق جميع الأطراف المعنية بأزمات المنطقة، لم تعد دول الغرب في صدد التأكيد على رحيل بشار الأسد عن السلطة، وهي تشهد تحولات في مواقفها الرسمية وخضوعها لمنطق ابتزاز النظم الاستبدادية التي عملت وبإجهاد على تصوير ذاتها وكأنها تواجه الإرهاب إلى جانب القوى التي تحاربه فيما هي من صنائعه، وفي هذا السياق لفتت صحيفة التايمز البريطانية في تقرير لها إلى أن الجو السياسي العام السائد في الدول الغربية المعنيّة بالأزمة السورية، يؤشر إلى «التخلي عن موقفها ومطلبها الدائم بتنحي بشار الأسد»، وتحولها إلى موقف «يقبل حتى بترشح الأسد في أي انتخابات رئاسية مستقبلاً». وكما عبر مصدر دبلوماسي غربي، فإن هذه التحولات في الموقف «تعكس رؤية براغماتية واقعية، إذ إن مسألة بقاء الأسد في السلطة، لم تعد مقدمة لأي محادثات».

فهل تعب الغربيون قبل أن يتعب وينهك نظام الأسد، بفعل الدعم الروسي والإيراني؟ ومن يحاسب هذا النظام على جرائمه التي ارتكبت على الأقل منذ عام 2011، أم أن عالم العولمة الراهن والأنظمة الشعبوية العدمية، وهي تقبل «التساهل» مع جرائم الحرب، و «التسامح» مع أنظمة الاستبداد، لم تعد أكثر مسؤولية وجدّة في ما يترتب عليها من مسؤوليات البحث عن العدالة والمساواة، والانتصار لقيم الحقوق الطبيعية والمكتسبة، ومعاقبة إرهاب الاستبداد السياسي الحاكم، إلى جانب تصفية عصابات الارهاب الإجرامية كداعش والنصرة القاعدية وإضرابهما، سواء بسواء؟

وإذا كان هناك من ضرورة لتسوية سياسية، باتت تقتضيها الأزمة السورية، فهذا بالتأكيد ما لا يبرر على الإطلاق، عودة إطلاق يد النظام الأمني، في ظل تغييب السياسة واستبعادها عن كامل أجندات التسوية، وإعادة فرض سلطة نظام، لا تمت بأدنى صلة للدولة ومنطقها، فالهم الروسي للحفاظ على الدولة، لا يبرره ابتلاعها سياسياً وعسكرياً من قبلهم، كما ومن قبل النظام الإيراني وميليشياته، فالسيادة الوطنية لا تقوم على القبول الخارجي من دون القبول الداخلي ودعمه وطنياً، لا طائفياً أو مذهبياً، والاستمرار في لعبة التحولات الديموغرافية وهوياتها القاتلة.

* كاتب فلسطيني

الحياة

 

 

إسرائيل تستهدف مركزاً إيرانياً-سورياً لانتاج الصواريخ

استهدفت غارة جوية، يُعتقد أنها اسرائيلية، فجر الخميس، “مركز الدراسات والبحوث العلمية” ومعسكراً مجاوراً للجيش تخزن فيهما صواريخ أرض-أرض، بالقرب من بلدة مصياف شمالي حماة.

وأوضح مراسل “المدن” في حماة أن “معمل الدفاع” المستهدف يقع في منطقة الشيخ غضبان، شمال شرقي مصياف، بنحو خمسة كيلومترات، بمحاذاة معسكر الطلائع الذي حولته قوات النظام إلى معتقل واسع لمعارضي النظام منذ مطلع الثورة.

وأضاف مراسل “المدن” أن المعمل أنشئ في السبعينيات من القرن الماضي، وأشرف عليه خبراء من كوريا الشمالية، ليتبع منذ العام 2010 لـ”البحوث العلمية” التابعة بدورها لوزارة الدفاع. وهو مختص بتصنيع الصواريخ والقذائف المتنوعة. وأوضح المراسل أن المعمل شهد نشاطاً إيرانياً ملحوظاً منذ عام 2012، وأحيط بحراسة مشددة تتبع لمفرزة “الأمن العسكري” في مصياف.

وقالت “القيادة العامة للجيش السوري” في بيان لها إن طائرات حربية إسرائيلية استهدفت موقعاً عسكرياً قرب مصياف من الأجواء اللبنانية، صباح الخميس، ما أدى إلى مقتل عنصرين، ووقوع خسائر مادية.

وتبعد قاعدة مصياف 70 كيلومتراً عن قاعدة حميميم العسكرية الروسية في الساحل السوري.

الجنرال الإسرائيلي المتقاعد آموس يالدين، قال في “تويتر”، إنه إذا ما صحت الأخبار عن استهداف غارات إسرائيلية لقاعدة عسكرية سورية بالقرب من بلدة مصياف في ريف حماة، ليل الأربعاء/الخميس، فإنها ليست غارات “اعتيادية”، إذ أنها استهدفت مركزاً عسكرياً/علمياً بسبب تطويره وتصنيعه، من بين أشياء أخرى، صواريخ دقيقة، يمكن أن تلعب دوراً هاماً في جولة النزاع القادمة.

يالدين، وهو المدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن الوطني في جامعة تل أبيب، أضاف: “المصنع الذي تم استهدافه في مصياف، يُنتجُ أسلحة كيماوية وبراميل متفجرة كانت قد قتلت آلاف المدنيين السوريين”. وأوضح: “الهجوم نقل 3 رسائل مهمة: إسرائيل لن تسمح بتمكين وانتاج أسلحة استراتيجية. وأن اسرائيل تنوي فرض خطوطها الحمراء بالقوة، على الرغم من أن القوى العظمى تقوم بتجاهلها. وأن حضور أنظمة الدفاع الجوي الروسية لن يمنع الغارات المنسوبة إلى إسرائيل”.

وأضاف يالدين: “من الضروري الآن المحافظة على التصعيد في الاختيار، والتجهّزُ لرد إيراني/سوري/حزب الله، وحتى لمعارضة من روسيا”.

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على العاملين في “مركز الدراسات والبحوث العلمية” الذي تصفه بأنه الهيئة السورية المسؤولة عن تطوير وإنتاج أسلحة غير تقليدية بما في ذلك الأسلحة الكيماوية.

وامتنعت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي عن مناقشة تقارير بشأن توجيه ضربة لسوريا قائلة إن الجيش لا يعلق على العمليات.

وكان محققو جرائم الحرب التابعون للأمم المتحدة، قد قالوا الأربعاء، إن القوات السورية استخدمت الأسلحة الكيماوية أكثر من 20 مرة خلال الحرب الأهلية في سوريا، بما في ذلك الهجوم الفتاك في خان شيخون الذي أدى إلى ضربات جوية أميركية. وأكدت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا، إن طائرة حربية حكومية أسقطت غاز السارين على خان شيخون في محافظة إدلب في نيسان/أبريل ما أسفر عن مقتل أكثر من 90 مدنياً.

بيان “القوات المسلحة” السورية قال: “الهجوم هو محاولة يائسة ارتكبت لرفع المعنويات المنهارة” لتنظيم “الدولة الإسلامية” بعد “الانتصارات الكاسحة التي حققها الجيش العربي السوري”، وأكد البيان على “دعم اسرائيل المباشر” لداعش والمنظمات الارهابية الأخرى.

مواقع معارضة قالت إن القاعدة في مصياف تستخدم لتخزين أسلحة منها رؤوس كيماوية كانت في طريقها للتسليم إلى “حزب الله”. وأشارت المعلومات الأولية إلى أن الأسلحة التي تنتجها قاعدة مصياف هي صواريخ S-60، التي يتم نقلها إلى “حزب الله”، وسط أحاديث عن إمكانية تحول قاعدة مصياف إلى مصنع لإنتاج الصواريخ الدقيقة، بإدارة إيرانية. وتأتي تلك الغارة بالتزامن مع المناورة العسكرية الأبرز التي تقوم بها إسرائيل، في محاكاة لأي حرب محتملة مع “حزب الله”.

صحيفة “the times of Israel” نقلت عن معارض سوري رفيع، لم تسمه، قوله نقلاً عن مسؤولين أمنيين في النظام، إن قوات النظام كانت تُخزّن مواداً كيماوية وقذائف تحمل رؤوساً كيماوية، في ذلك الموقع الذي لم يُسمح للمحققين الدوليين زيارته، في إطار التأكد من تدمير الأسلحة الكيماوية السورية بعد مجزرة الغوطة الشرقية في آب/أغسطس 2012. قوى المعارضة كانت قد ادعت خلال الشهور الماضية أن موقع مصياف، وتجهيزات أخرى لـ”مركز البحوث العلمية”، كانت تعمل في مشاريع مشتركة مع أختصاصيين إيرانيين لتطوير قدرة أسلحة كيماوية لاستخدامها كقذائف.

تقرير لجنة الأمم المتحدة، الذي صدر الأربعاء، هو الأول من نوعه، في اتهام النظام السوري صراحة باستخدام الأسلحة الكيماوية. وقال التقرير: “واصلت القوات الحكومية نمط استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. في الواقعة الأخطر استخدمت القوات الجوية السورية غاز السارين في خان شيخون بإدلب فقتلت العشرات وكان أغلبهم من النساء والأطفال.

وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، كان قد قال في أيار/مايو: إن “جيش الدفاع الإسرائيلي سيقوم بالإغارة على سوريا لثلاثة أسباب: عندما تتعرض إسرائيل لإطلاق نار، ومنع نقل الأسلحة، ولتفادي (قنبلة موقوتة)، أي لقطع الطريق على هجوم إرهابي وشيك على اسرائيل من قبل مجموعات على حدودها”.

المدن

 

 

 

 

 

حزب الله والغارة الإسرائيلية: الرد ما بعد دير الزور؟/ منير الربيع

في موازاة المناورات الضخمة التي تجريها قوات العدو الإسرائيلي، وتعتبر إحدى أضخم المناورات منذ عشرين عاماً، استهدفت طائرة حربية إسرائيلية مركزاً في مدينة مصياف بمحافظة حماه. ووفق المعلومات، فإن الغارة التي أطلقت من الأجواء اللبنانية استهدفت مركزاً عسكرياً هو عبارة عن مخزن أسلحة تابع لحزب الله. وهذه الأسلحة كان سيتم نقلها إلى لبنان أو إلى الحدود اللبنانية السورية، لتصبح قريبة من الحدود مع إسرائيل. وتوقيت الغارة لافت وكذلك ظرفها، أولاً لكونها تستهدف العمق السوري وليس مناطق تعتبرها إسرائيل مصدر خطر عليها أو قريبة منها وبالإمكان استهدافها منها، وثانياً لكونها تبعد كيلومترات قليلة عن قاعدة حميميم الروسية. ولا بد هنا من الإشارة إلى أنه لم يكن بإمكان الإسرائليين تنفيذ هذه الغارة بدون الحصول على ضوء أخضر من الروس.

ولا شك في أن توقيت الغارة يأتي في ظروف سياسية وإقليمية مفصلية في سوريا، خصوصاً بعد إعلان حزب الله والجيش السوري الانتصار في دير الزور وفك الحصار عنها، والاستعداد للسيطرة عليها بشكل كامل، وما يعنيه ذلك من استمرار التقدم الذي تحققه إيران والنظام السوري في سوريا برعاية روسية، يصل إلى تعزيز الوجود الإيراني على الحدود العراقية السورية. الأمر الذي تدّعي واشنطن وغيرها من الدول أنها تعارضه وترفضه، وهي تريد قطع كل خطوط الإمداد التي أمّنتها إيران من طهران إلى بيروت. وبالنسبة إلى حزب الله فإن الأهمية الاستراتيجية لدير الزور باعتبارها منطقة بين العراق وسوريا، لأنها تشكّل خطّ الإمداد الرئيسي للحزب الذي يبدأ من إيران مروراً ببغداد والنجف والقائم وبوكمال ودير الزور وتدمر والقريتين والقصير.. فلبنان.

وفيما لا يبدو أن حزب الله سينهي المعارك في دير الزور، بل هناك وجهة أخرى لهذه المعارك في المرحلة المقبلة، لاستعادة أكبر قدر من المناطق. بالتالي، فإن الوجهة ستكون للسيطرة على ضفتي نهر الفرات، في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في محافظة إدلب، بالإضافة إلى استمرار المساعي والضغوط لإيجاد حلّ ملائم للمناطق القريبة من دمشق، وخصوصاً الغوطة.

ولكن، وسط هذه التطورات، تبقى بعض الأمور غير مفهومة، بالنسبة إلى التحالفات الدولية، أو القوى التي تغطّي العمليات والقوى الآخرى التي تعارضها. وتشير مصادر إلى وجود افتراضات عدة، الأول أن روسيا ستدخل في لعبة التوازن مع واشنطن في المنطقة. وتلاقى ذلك مع الكلام السعودي عن تحجيم نفوذ إيران، الذي ستتولاه روسيا. وهو يندرج في سياق حملة التصعيد الكبرى التي تحصل في سوريا وغير سوريا، والتي تتجلّى بالمناورات الإسرائيلية الكبرى، والغارة التي استهدفت أحد المراكز في حماه إنطلاقاً من الأجواء اللبنانية، بالإضافة إلى التصعيد السعودي ضد الحزب، والقول إنه على اللبنانيين الاختيار بين “حزب الشيطان” والدول العربية.

أما الافتراض الثاني، الذي يبدو حتى الآن أن لديه مفاعيل واقعية، هو أن روسيا تريد الحصول على كل شيء في المنطقة، وخصوصاً في سوريا. بالتالي، هي غير مستعدة للتنازل للأميركيين. ما يقضي بتعميق التواصل والتحالف الروسي- الإيراني، وتعزيز قوة طهران ونفوذها في سوريا وليس تحجيمه. ويستند أصحاب وجهة النظر هذه إلى تراجع الروس عما اتفقوا عليه مع الأميركيين في أكثر من مرّة، بما يخص مناطق خفض التصعيد وغيرها، بالإضافة إلى سماحهم للجيش السوري والإيرانيين بربط الحدود السورية العراقية ببعضها البعض، بخلاف ما كانوا قد وعدوا به الأميركيين.

وفي الحالين، لا شك في أن الأوضاع تتجه نحو مزيد من التعقيد والتصعيد، إذا ما كانت الوقائع ستفرض تعزيز نفوذ إيران وتثبيته في المنطقة، وهذا سيستدعي ردّاً سعودياً مع مزيد من التصعيد والضغط، أو إذا ما اتجهت الأمور نحو استمرار الكباش الدولي مع إيران. بالتالي، فإن ذلك سينعكس على الوضع اللبناني. إلا أن حزب الله يؤكد أن لبنان لن يتأثر بأي من هذه الارتدادات، لأن الجميع حريص على الاستقرار، وعلى بقاء الحكومة، وعدم استثمار أي نتائج خارجية في الداخل. ويكرر أنه سيبقى حزباً لبنانياً رغم تعاظم دوره الإقليمي، ولكنه سيعود إلى لبنان عند انتهاء الأزمة السورية، ولن يستثمر في هذه العودة. أما بشأن التصعيد، فتعتبر المصادر أن حزب الله ليس معنياً به، بل الأطراف الأخرى. وتتوقع أن لا يؤدي إلى تغيير في مسار الأمور.

المدن

 

 

 

غارة مصياف: تحذير اسرائيلي إلى بوتين وترامب

اعتبر المحلّل الإسرائيلي عاموس هرئيل، في مقال نشرته صحيفة “هآرتس”، الخميس، أن الغارة التي استهدفت فجراً “مركز الدراسات والبحوث العلمية” ومخزناً مجاوراً لصواريخ أرض-أرض قرب بلدة مصياف السورية في حماة، هي في الدرجة الأولى رسالة اسرائيلية إلى روسيا والولايات المتحدة، تفيد بأن تل أبيب لن تتردد في زعزعة الهدنة السورية، بحال واصلت واشنطن وموسكو تجاهل المصالح الإسرائيلية.

ويرى هرئيل أن الغارة، التي نُسبت إلى سلاح الجو الإسرائيلي، هي “استثنائية”، من ناحية الهدف والتوقيت. مذكراً بتصريح سابق ألقاه قائد القوات الجوية الاسرائيلية عمير اشيل، يقول فيه إن اسرائيل هاجمت مواقع متفرقة في سوريا، خلال السنوات الخمس الماضية، لما يقارب الـ100 مرة. ويتابع هرئيل أن معظم هذه الغارات شُنّت لمنع تعزيز قوة حزب الله، وميليشيات أخرى، في سوريا.

لكن في الضربة الأخيرة في حماة، وبحسب التقارير الواردة من سوريا، فإن الهدف هو حكومي سوري: مصنع للأسلحة الكيماوية، أو وفقاً لتقارير متعددة، مصنع للصواريخ يديره نظام بشار الأسد، عوضاً عن مستودعات أو قافلات أسلحة تابعة لحزب الله.

أما لجهة التوقيت، فأتت الغارة الاسرائيلية، في وقت حساس. ففي نهاية تموز/يوليو الماضي، توصل نظام الأسد وفصائل المعارضة- برعاية روسية- إلى هدنة جزئية في مناطق عديدة. وبالرغم من تواصل القتال على جبهات عديدة، فإن حدة المواجهات تراجعت بشكل أعطى النظام السوري استقراراً متواصلاً، علماً بأنه كان على حافة الانهيار قبل عامين.

ويتابع هرئيل أن الولايات المتحدة، التي تراجع اهتمامها بسوريا، انضمّت إلى المبادرة الروسية، لكنّ موسكو وواشنطن لم تراعيا الاحتجاجات الاسرائيلية بأن اتفاق التهدئة في الجنوب السوري، لم يطالب ايران بسحب قواتها والميليشيات الموالية لها، من مرتفعات الجولان.

وبالتالي، فإن الغارة الاسرائيلية المزعومة على حماة، وهي الأولى من نوعها منذ التوصل إلى اتفاق التهدئة، قد تُفسّر بأنها رسالة اسرائيلية إلى القوى الكبرى في سوريا، أي روسيا والولايات المتحدة تقول: “ما زلتما بحاجة إلى أخذ مصالحنا الأمنية في الاعتبار. ونحن قادرون على تعطيل عملية التسوية المستقبلية في سوريا إذا كنتما تصران على تركنا خارج الصورة”.

ويلحظ المحلل الاسرائيلي أنه منذ الغارات الاسرائيلية الأولى في سوريا، عام 2012، أظهرت دمشق “ضبط نفس” ولم تردّ، باستثناء حادثة واحدة في آذار/مارس الماضي، عندما أطلق النظام السوري صواريخ على طائرات إسرائيلية، بعد غارات شنّتها بالقرب من مدينة تدمر.

إذاً، في البداية تجاهل النظام السوري بشكل كامل الضربات الإسرائيلية، وفي مرحلة لاحقة بدأ باتهام اسرائيل بشنّ الغارات بل هدد بالردّ، لكنه لم ينفذ تهديداته، والسبب واضح: آخر ما أراده الأسد هو جرّ إسرائيل إلى المعركة وقلب موازين القوى لمصلحة مقاتلي المعارضة.

لكن الآن، وبحسب هرئيل، تغيّرت الظروف. الأسد أكثر ثقة ببقائه في السلطة، ويحظى بدعم كبير من روسيا وإيران. ويتعيّن على اسرائيل، في هذه المرحلة، ترقّب كيف ستستقبل كل من واشنطن وموسكو وطهران، التطورات الأخيرة في سوريا، التي تأتي بعيد إجراء الجيش الإسرائيلي مناورة حول سيناريو حرب مع حزب الله.

وبالرغم من إعلان اسرائيل أن هذه المناورة كانت مقرّرة قبل عام من اليوم، فإن هذا التمرين على الحرب يقلق قيادات حزب الله، بصرف النظر عن إعلان قناة “المنار”، الأربعاء، أن حزب الله لا يخشى اندلاع الحرب. فإلى حدّ كبير، حزب الله كما اسرائيل، متخوفان من حرب جديدة ويفضلان تجنّبها، لكن في الشرق الأوسط، أحياناً تجري أحداث لم تكن مقصودة.

ويذكّر عاموس هرئيل أن غارة حماة حصلت بعد 10 أعوام من استهداف اسرائيل منشأة نووية لكوريا الشمالية في شرق سوريا، ويتابع: “في تلك المرة (شُنّت الغارة أيضاً خلال مناورة عسكرية كبيرة للقوات الجوية الإسرائيلية) تم تجنّب الحرب. نأمل أن يحدث ذلك في هذه المرة أيضاً”.

 

 

إسرائيل ونظام الأسد: رسائل البلطجي العائلية!

رأي القدس

بعد يوم واحد من إصدار الأمم المتحدة تقريرها الذي يؤكّد قيام النظام السوري باستخدام السلاح الكيميائي 27 مرّة ضد شعبه، وتأكيد مسؤوليته عن مجزرة بلدة خان شيخون التي قصفها بغاز السارين، قامت إسرائيل بقصف موقع لبحوث وتخزين السلاح الكيميائي قرب مدينة مصياف، في مقاربة خبيثة لهذه المسألة تريد، بحجر واحد، ضرب العديد من الرؤوس وإيصال الكثير من الرسائل، ليس للنظام السوري فحسب، بل كذلك لرعاته في روسيا وإيران، وللتفاهمات العالمية التي تجري فوق جثث مئات آلاف السوريين الذين قتلوا منذ عام 2011 وحتى الآن.

أفظع هذه الرسائل وأكثرها إيلاماً هو تنطّع إسرائيل، عدوّة العرب الأولى، لتقليم أظافر نظام بشار الأسد الكيميائي، وهو ما يعطي تل أبيب، في ساحة العلاقات العامة، أفضليّة على الأمم المتحدة العاجزة عن جلب المتّهم بقتل شعبه إلى المحاكمة، فتنسى مسؤوليتها التاريخية عن احتلال فلسطين، وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني، كما تغيب علاقتها بظهور أنظمة الطغيان العسكرية والأمنية، كنظام الأسد نفسه، وتضيع صلة القربى الوثيقة بين نظام الاحتلال العنصريّ الإسرائيلي وأنظمة الاستبداد العربية الهمجية.

رسائل القصف الجديد عديدة طبعاً، فالرابط «الكيميائي» للحدث يتناظر مع مناورات شاملة وواسعة يجريها الجيش الإسرائيلي على الحدود الشمالية استعدادا لحرب جديدة مع «حزب الله» (أو بالأحرى مع إيران). والحقيقة أن إسرائيل تنظر للجغرافيتين بترابط، لأن تل أبيب ترى بوضوح أن الإيرانيين صاروا أكثر قوة، وإعلان استعادة الأسد السيطرة على سوريا، إذا حصل، قد يكون إعلاناً لمجابهة مع إيران، وقد تزداد فرص المواجهة هذه إذا انسحبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع طهران.

الرسالة موجّهة أيضاً إلى روسيا، لأنها تقول من جديد إن تل أبيب قادرة على اجتياز خط الدفاع الروسي في سوريا، ومنظومة الكرملين الصاروخية هناك، كما أنها تقول إن على موسكو أن تراعي مصالح إسرائيل ومخاوفها الأمنية.

الطرف المهم الآخر هو الولايات المتحدة الأمريكية، التي من الواضح أنها اتفقت مع روسيا على مواقع نفوذ داخل سوريا، وكل الدلائل تشير إلى أن واشنطن تشارك موسكو فكرة تعويم نظام الأسد وإعادة تأهيله قبل وبعد القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية».

حسب المعلومات التي نشرها الإعلام الإسرائيلي، ونسبها إلى معلومات استخباراتية غربية، فهناك ثلاثة مواقع سرية في سوريا لا تزال تعمل على إنتاج الأسلحة الكيميائية، كان موقع مصياف الذي تعرّض للقصف واحداً منها. الموقعان الباقيان هما مركز البحوث في برزة ومعسكر جمرايا قرب دمر، وكلاهما في ضواحي مدينة دمشق، كما أن الإعلام الغربي نشر قبل فترة أن شحنتي سلاح كيميائي من كوريا الشمالية إلى النظام السوري تم إيقافهما في عرض البحار، وكل ذلك يعني أن النظام مصرّ على إنتاج واستيراد واستخدام الأسلحة الكيميائية رغم صدور قرار أممي يجعل أي خرق في هذا الإطار جريمة أممية تقتضي محاكمة مسؤولي النظام، وأن إسرائيل، من بين كل دول الأرض، هي المعنيّة الوحيدة بقصف الأسلحة الكيميائية، ليس احتراماً لأرواح الأبرياء، بل لمخافتها من استخدامها ضدها.

أما السوريون والفلسطينيون (والعرب عموما) فليس لهم في هذا الصراع «العائلي» بين كبار البلطجية والمجرمين سوى أن يتمنوا أن يضرب الله الظالمين ببعضهم البعض.

 

 

 

 

إسرائيل وهامش المناورة في سوريا/ سلام السعدي

من جديد، قصفت إسرائيل موقعا عسكريا للنظام السوري في مدينة حماة يعتقد أنه يستخدم لإنتاج الأسلحة الكيمياوية. تصادف هذه الضربة العسكرية مرور عشر سنوات على قصف إسرائيل لمفاعل الكبر النووي في مدينة دير الزور في أيلول 2007 والذي قيل حينها إنه كان في مرحلة متقدمة، فاستهدف قبل أن يدخل مرحلة التشغيل ما يجعل تدميره عسيرا. وما بين الضربتين، نفذت إسرائيل خلال العقد الماضي عددا كبيرا من الضربات الجوية ضد منشآت عسكرية سورية، أو لمنع محاولات نقل أسلحة إلى حزب الله اللبناني كما كانت تتذرع دوما.

وساعدت الحرب في سوريا إسرائيل على تكثيف الضربات العسكرية التي استهدفت النظام السوري. إذ وفر تدخل حزب الله المباشر ونشاطه العسكري داخل سوريا بصورة علنية، عكس نشاطه السري السابق، ذريعة للممارسات الإسرائيلية. صورت إسرائيل تواجد الحزب في سوريا كخطر محدق على أمنها القومي رغم أن معظم ضرباتها استهدفت المنشآت العسكرية للنظام السوري. الأخير بدوره لم يكن قادرا على الرد العسكري بسبب عدم إمكانية إنكار وجود حزب الله من جهة، وبسبب انشغاله بالحرب التي يشنها على السوريين من جهة أخرى.

أصبح شائعا تبرير عدم الرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية باعتبار أن الرد يشكل استدراجا لحرب مع إسرائيل يمكن أن تشغل الدولة السورية عن معركتها الكبرى في “التصدي للإرهاب”. وعليه فإن الحكمة تقتضي تأجيل الصدام مع العدو الإسرائيلي. ربما يعتبر ذلك خطابا جديدا بالنسبة إلى حزب الله، ولكنه يشكل تقليدا قديما لدى النظام السوري الذي آثر، في كل ضربات إسرائيل، “الاحتفاظ بحق الرد” حيث كانت معركته الحقيقية دوما ولا تزال، داخلية مع الشعب السوري.

ويبدو أن الحرب السورية وفرت فرصة نادرة لإسرائيل لتمتين تفوقها العسكري عبر إضعاف الإمكانيات العسكرية للدول المجاورة وزيادة الانقسامات الاجتماعية والطائفية بما يدخلها في حروب أهلية لا يمكن معرفة نهايتها. ضمن تسريبات ويكيليكس لأرشيف الرسائل الإلكترونية لهيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما من العام 2009 وحتى العام 2013، يظهر مسؤولون إسرائيليون رغبتهم في استمرار الحرب بسوريا وذلك لمواصلة إضعاف البلاد وإشغال إيران واستنزافها على المدى البعيد.

منذ بداية الربيع العربي، تحسست إسرائيل الخطر الذي يشكله أي تحول ديمقراطي في بلدان الجوار على مستقبلها كدولة استيطانية تتمتع بهيمنة عسكرية في الشرق الأوسط. هكذا كان هدفها الرئيسي، كبح جماح التجارب الديمقراطية لمنع أي اختراق على صعيد التطور السياسي والاقتصادي وإبقاء حالة الخمول التي تشكل أحد أهم عوامل تمتعها بهيمنة إقليمية. ثم انتقلت إلى مرحلة الهجوم مستغلة حالة الفوضى والحرب التي شنها النظام السوري لإنهاء أي قدرات عسكرية يمكن أن ترثها الدولة السورية الجديدة في يوم ما.

ولكن تلك السياسة الإسرائيلية التي انتهجتها على مدى السنوات الماضية تعرضت لتحد متزايد منذ التدخل الروسي في سوريا. في البداية تفهمت روسيا استمرار الضربات الجوية وامتنعت عن الدفاع عن النظام السوري رغم نشر منظومة متطورة للدفاع الجوي وتحالفها العسكري معه وعدم رغبتها في إضعافه. ولكن، مع مرور الوقت وتكريس روسيا لوجودها العسكري والسياسي، بل وتحولها إلى اللاعب الأبرز في التقدم العسكري الذي حققه النظام السوري وإيران، عملت على الحد من هامش المناورة الإسرائيلي في سوريا مقابل أن تكون الضامن الرئيسي لسلوك الأسد.

وقد وردت تقارير عن أن الاجتماع الأخير في منتجع سوتشي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان متوتراً للغاية بسبب “عدم تفهم” الرئيس الروسي لمخاوف إسرائيل من تزايد النفوذ الإيراني وضرورة الضربات العسكرية لحماية أمنها.

كان على إسرائيل أن توجه ضربة عسكرية لتؤكد جدية سياستها الأمنية والعسكرية واستقلالها عن اللاعب الأبرز في سوريا، وكي لا تذعن لقواعد جديدة تحاول روسيا أن ترسمها في سوريا. وسنحت الفرصة مع صدور تقرير عن الأمم المتحدة أكد أن قوات الرئيس بشار الأسد استخدمت الأسلحة الكيمياوية أكثر من 20 مرة خلال السنوات الماضية، لتنفذ إسرائيل الضربة الجوية بعد أقل من 24 ساعة على صدور التقرير.

وبالتوازي مع تحول روسيا إلى لاعب حاسم في المسألة السورية، ارتفع حجم النفوذ العسكري والسياسي الأميركي خلال العام الماضي، بعد أن أنشأت عدة قواعد عسكرية وعقدت تحالفا استراتيجيا مع قوات سوريا الديمقراطية التي توسعت مناطق سيطرتها بصورة كبيرة. وهذا يبقي لإسرائيل هامشا للمناورة ستواصل استغلاله بتنفيذ ضربات جوية، فيما سيواصل النظام السوري الاحتفاظ بحق الرد.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

 

بعد الغارة الأخيرة على مصياف السورية في ريف حماة: إسرائيل استفزّت روسيا وأحدثت إرباكًا للحل في سوريا/ ريما زهار

بعد الغارة الإسرائيلية الأخيرة على مصياف السورية في ريف حماة كيف يتبلوّر الموقف الروسي من هذه الغارة؟ وكيف ستتأثر الساحة السورية بمدى دخول اسرائيل اليها؟

بيروت: بعد الغارة الاسرائيلية على مصياف السورية في ريف حماة تطرح أسئلة محورية كثيرة وهي الى أيّ مدى ستذهب اسرائيل في تصعيدها العسكري الذي بدأته بمصياف، بحيث يتحدث الكثيرون عن أن إسرائيل بلورت خيارًا مستحدثًا في سوريا، له طابعه السياسي والعسكري والاستراتيجي؟ وهل يؤدي الأمر الى مواجهة إقليمية؟

وهل ستحدث إسرائيل المزيد من الإربكات بالنسبة لأي مشروع حل يمكن أن يكون مكتوبًا لسوريا؟ وكيف يتبلوّر الموقف الروسي من الغارة الأخيرة؟ وكيف ستتأثر الساحة السورية بمدى دخول اسرائيل اليها؟

في هذا الصدد يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عادل مالك في حديثه ل”إيلاف” أن اسرائيل تصطاد الفرص، وتحاول استغلال بعض نقاط الضعف، في الجانب العربي، بمعنى الحدود الإسرائيلية السورية، وهذا النوع من التدخل الإسرائيلي العسكري يبقى مريبًا بشكله وتوقيته، من حيث أنه يقدم إيماءة من التواطؤ بين الأفراق المقاتلين في سوريا والجانب الإسرائيلي.

دي ماستورا

ويبقى بالنسبة لمالك مبدأ الغارة بحد ذاته، وهي تأتي في وقت تظهر فيه للمرة الاولى استنادًا لمبعوث الأمم المتحدة الخاص بالأزمة السورية ستافان دي ماستورا أن الحرب السورية توشك على نهايتها أو أنها في فصل بداية نهاية الحرب في سوريا، وجاء توقيت الغارة في نهاية الحرب في سوريا، يضاف الى ذلك كان دي ماستورا واضحًا في قوله للمعارضة عليكم ان تقتنعوا أنه ليس بإمكانكم الفوز في هذه المعركة، والمعارضة لن تقدم بديلاً قادرًا ان يتولى القيادة في سوريا، بعد نظام الأسد.

اصطياد الفرص

ويلفت مالك أن هذا الأمر يؤكد أن إسرائيل تصطاد الفرص وتحاول النفاذ من هذه الجبهة او تلك إلى الجانب العربي، والذي يجب ألا يفسح في المجال أمام المزيد من التدخلات الإسرائيلية، ليس عن طريق خوض مواجهات عسكرية، لأن الأجواء غير ملائمة لذلك، لكن عبر عدم إعطاء أي فرصة لإسرائيل أن تقتحم سواء الأجواء اللبنانية، التي استعملتها لغارتها الأخيرة، أو أي أجواء عربية أخرى.

ويضيف مالك ان الغارة الإسرائيلية الأخيرة أشاعت نوعًا من البلبلة في الوقت الحاضر ولا تنطوي على تحرك جذري بالمقابل ولن تحدث تغيرًا نوعيًا في طبيعة الأزمة السورية.

ويؤكد مالك أنه علينا أن نتابع الاشهر المقبلة والمسيرة في الداخل السوري، وإذا ما كانت إسرائيل ستحدث المزيد من الإربكات بالنسبة لأي مشروع حل يمكن أن يكون مكتوبًا لسوريا.

حزب الله

هل نشهد ردة فعل من حزب الله أو سوريا كون استهداف الغارة لأسلحة كانت ستتوجه الى حزب الله؟ يرى مالك أن حزب الله بحكم ارتباطه بالجبهة في الداخل السوري يتعرض الآن لاستهداف من أكثر من جهة، ويبقى هناك معطيات إقليمية ودولية تشير الى المعطى التالي وهو أن هناك اتجاه لتأمين انسحاب لحزب الله المشارك في القتال في سوريا، وذلك لن يحدث إلا إذا سُجل انحسار واضح في العمليات العسكرية في الداخل السوري.

ويبقى ضرورة تحصين الساحة اللبنانية من أي تأثيرات إقليمية ودولية قد تنشأ عن التحول في مسار الحرب في سوريا، قد تنتهي الحرب العسكرية لتبدأ الحرب الأخيرة أي حرب الحل والسلام.

روسيا

عن مدى تفاعل روسيا مع الغارة الأخيرة خصوصًا أنها كانت على مسافة قريبة من القاعدة الروسية؟

يرى مالك أن العامل الروسي يبقى مهمًا جدًا، ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو كان في روسيا أخيرًا واجتمع مطولاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحمل الإجتماع بعض التفاهم والكثير من الإختلاف، ربما يدور في خلد نتانياهو من وجه نظره التعاطي بشكل مستفز مع روسيا ووجودها العسكري في سوريا، وإسرائيل لم تحارب سوريا فقط من خلال الغارة الأخيرة بل تتوجه أيضًا إلى روسيا، ووجودها في سوريا، ما يؤكد أن الحرب في سوريا تبقى “كونية” نظرًا لتعدد الجهات المتقاتلة فيها.

 

 

الضربة الإسرائيلية ونهاية «داعش»/ حسن شامي

هل هناك وجه علاقة بين الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قبل ثلاثة أيام مركزاً سورياً قريباً من مصياف في ريف حماة وأوقعت قتيلين وبضعة جرحى وبين تسارع عملية العد العكسي لصعود تنظيم «داعش» وتمدده وانتشاره منذ إعلانه عن إنشاء دولة الخلافة قبل ثلاث سنوات؟

نرجح أن مثل هذا السؤال تبادر إلى أذهان العديد من متابعي ومراقبي تطورات النزاعات في المنطقة وفي مقدمها توافق جميع اللاعبين تقريباً على الإعلان عن انهيار «داعش» ونهايته المحتومة. مع ذلك يبدو أن نهاية «داعش» ليست من النوع المألوف في النزاعات والحروب. لنقل أن وفاة التنظيم الأشهر في العالم ستظل غامضة مثلها مثل ولادته وتعاظم مكانته. ويعني هذا أن الإجماع أو التوافق المعلن حول ضرورة التخلص من شرور «داعش» لا يضع حداً للعبة التنافس والتدافع بين القوى الإقليمية والدولية. في الأمر مفارقة تستدعي التأمل والتبصّر. إذ لدينا حالة توافق حول عدو مشترك من دون أن يكون هناك تعريف أو تصور مشترك للشر الذي يمثله التنظيم.

جرت الأمور ولا تزال كما لو أن الصراع حول ما بعد «داعش» بدأ منذ ولادته. لا نعدم الصواب إذا قلنا إن ما نشهد احتضاره ونهايته ليس سوى الوظيفة الاستعمالية لـ «داعش» وأشكال الاستفادة من نزعته وولوغه في العدمية المغلفة بسلفية جهادية تُرفع كراية للحصول على قدر من الشرعية في مناخ عام مسكون إلى حد الوسوسة بالتعطش إلى الفتوة والفروسية والتشفي وإثبات الهوية الإسلامية من طريق الكي كوسيلة أخيرة للعلاج والشفاء من جروح مزمنة.

هناك صورة راسخة عن «داعش» تكاد تكون محل إجماع كبير. إنه الوحش الذي صنعه الخصوم. ليس مهماً أن نعرف متى وكيف جرت صناعة الوحش. إنه فرانكنشتاين الخارج من مختبرات واختبارات سرية. حتى تفلته من البرمجة المحسوبة لدوره وانقلابه عليها هما الآخران من صنع الصانعين. كان مطلوباً أن يرتسم وجه وجسم للتوحش والعنف الفالت من أي عقال. ففي هذا الارتسام يعثر اللاعبون المتنافسون على ما يضفي النسبية على مواقعهم ونفوذهم وحماية مصالحهم المادية وغير المادية.

بالعودة إلى سؤالنا الأول، تقول الوقائع إن الضربة الإسرائيلية لموقع سوري رسمي جاءت بعد يومين فقط من الإعلان الانتصاري عن فك الحصار الداعشي لمدينة دير الزور. ويأتي تحرير المدينة في سياق انتصارات على «داعش» في الموصل على يد القوات العراقية ومساندة أميركية، وفي جرود عرسال على يد مقاتلي حزب الله اللبناني وتحرير جرود لبنانية أخرى على يد الجيش اللبناني. قد يكون صحيحاً أن الضربة الإسرائيلية هي أقل من حدث وأكثر من حادثة. فهذه ليست المرة الأولى التي يقصف فيها سلاح الجو الإسرائيلي مواقع أو مراكز خاضعة لسيطرة قوات النظام السوري أو لحلفائه. وكما حصل في المرات السابقة جرى التركيز على أن هدف الضربة توجيه رسالة بالأحرى رسائل. فما عساها تكون هذه الرسائل؟. بيان الجيش السوري يرى أنها تهدف إلى رفع معنويات «داعش» بعد هزيمته في دير الزور. قد يكون هذا الكلام من طراز الإنشاء الخطابي المعهود في أدبيات النظام السوري وإعلامه الدعوي. لكن التمعّن قليلاً في المعطيات المتوافرة عن الضربة يحض على التقاط إشارات أخرى. فالأنباء المتداولة غداة الضربة تتحدث عن قيام ثماني طائرات إسرائيلية على دفعتين باختراق الأجواء اللبنانية وقصفها من هذه الأجواء بالذات موقعاً سورياً هو عبارة عن مركز بحوث يتعلق بالأسلحة غير التقليدية، وهو مركز يقع في عداد مراكز وهيئات مدرجة على لائحة العقوبات الأميركية، بحسب ما أوضح المرصد السوري لحقوق الإنسان.

لم يبخل رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق عاموس يلدين في عرض رسائل كبرى للضربة. الرسالة الأولى تسعى إلى تثبيت خطوط إسرائيلية حمراء ينبغي على جميع اللاعبين احترامها. الرسالة الثانية تتعلق بلفت النظر إلى مواصلة النظام السوري، بمساعدة حلفائه الإيرانيين خصوصاً، تطوير قدراته التسليحية غير التقليدية. الرسالة الثالثة تتعلق على الأرجح بروسيا ووضعية قواتها الموجودة في سورية. فالضربة تفصح، من جهة، عن أن الدعم الروسي للقوات السورية والاتفاقات الدفاعية مع النظام لا يحولان دون شنّ القوات الإسرائيلية ضربات على مواقع وأهداف في سورية كلما اقتضى الأمر. لكن الضربة الأخيرة تفصح، من جهة أخرى، عن أن الدولة العبرية حرصت على عدم إحراج روسيا، وذلك من خلال توجيه الضربة من الأجواء اللبنانية، أي من دون انتهاك الأجواء السورية. ليس صعباً إذاً أن نعتبر الرسالة المتعلقة بالدور الروسي في سورية حمّالة أوجه. فهي تشي بعدم التعارض بين تواجد قوات روسية في سورية وبين احتفاظ إسرائيل بحرية الحركة وتوجيه ضربات عندما ترى ذلك ضرورياً. لكنها تشي في الوقت ذاته بأن لهذه الحرية حدوداً يستحسن عدم تجاوزها. أما انتهاك الأجواء اللبنانية فبات أمراً روتينياً على رغم ازدهار الرطانة الخطابية عن السيادة والكرامة والاستقلال.

ليس واضحاً بعد ما يمكن أن تؤول إليه ضربة الموقع السوري القريب من مصياف وإن كنا نرجح التعامل معها كما في السابق، أي أنها تبقى منصة رسائل محسوبة فلا تشكل حدثاً يحتمل التسبب بانعطافة صارخة في توازنات القوى. من شبه المؤكد، في المقابل، أن هذا الاعتداء الإسرائيلي يكشف عن احتمال حصول تعديل في خريطة الانقسامات المتورّمة في المنطقة، بعد اندحار «داعش»، وهو تعديل لا ترضى به الدولة العبرية الطامحة إلى تثبيت وتعزيز موقعها في أي معادلة إقليمية قد ترتسم بعد الانتهاء من «داعش».

في هذا المعنى تتضمن الضربة تحذيرات للقوى الدولية الحليفة، وعلى رأسها إدارة ترامب وعدد من الدول الأوروبية، من أي معادلة لا تحفظ أرجحية القوة والمكانة الإسرائيليتين. ويقتضي هذا ثباتاً في الانقسامات وفي سياسات العقوبات والتشدد حيال إيران وحزب الله لتحجيم دورهما بل حتى لعزلهما.

يتجه «داعش» نحو نهاية يختلف صانعوها حول تعريف المنتصرين أكثر بكثير مما يحتفلون بهذه النهاية. ستبقى الانقسامات والمحاور المتصارعة على حالها. نهاية «داعش» لا تؤسس لبداية شيء. إنه كابوس انتهت صلاحيته. حافظوا على الكوابيس الأطول عمراً. هذا هو فحوى الضربة الإسرائيلية.

الحياة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...