الرئيسية / صفحات الثقافة / الـقـــرار المـصـــري

الـقـــرار المـصـــري


عباس بيضون

هذا الشعب يُذهلنا بل يُذهل نفسه، كأننا لم نكن دارين به. كأنا كنا في غفلة عن أنفسنا. كأنا كنا دائماً في غير ساعتنا. في غير وقتنا. في غير ظرفنا وفي غير مناسبتنا. كأن التقينا فجأة بأنفسنا. فجأة صرنا في ساعتنا وفي وقتنا. فجأة وجدنا في ظرفنا ومناسبتنا. كأنا كنا نتحينها طوال الوقت ولا نستطيع، لا نصدق أننا الشعب ذاته، أننا الناس ذاتهم، لا نصدق أن اللعبة انتهت، ان لعبهم علينا أو لعبهم بنا وصل إلى نهايته، لا نصدق ان ليس لهم بعد سطوة علينا. أننا وجدنا فجأة قوتنا. اننا امتلكنا في وقت قصير إرادتنا. اننا عثرنا في الأخير على صوتنا وأنه ينداح وينطلق بعزم وقوة لا نكاد نصدقهما. لا نكاد نتأكد من أن هذا صوتنا، ان هذه هي صورتنا، ان ما يدوّي أمامنا هو كلامنا، أن هذه هي يدنا وتلك هي عزيمتنا وإرادتنا. وأننا ننزل بالملايين والآلاف إلى الشوارع وأننا نخيف من يطلقون علينا. انهم يطلقون علينا من خوفهم وانهم في كل هجوم علينا يتراجعون شبراً إلى الوراء، اننا نربح بعدد هجوماتهم، ونتقدم بعدد هجوماتهم. نصمد في صنعاء وفي المنامة وفي حمص وحماه وطبعاً في القاهرة والاسكندرية. نصمد ونبتلع الرصاص، نبتلع الحديد والفولاذ، ولن يقدروا بعد على إهانتنا، لن يقدروا بعد على تركيعنا. لن يجدوا وسيلة بعد لنيل موافقتنا. لا سبيل بعد لاستعادة طاعتنا. مهما كان فلا طريقة بعد لإهانتنا. مهما كان لن نعود موضوعاً لتهريجهم. لولولتهم، ليافطاتهم، لن تسقط علينا 1948 جديدة ولن نقع في 1967 جديدة. مهما كان لن يعودوا للعب بنا أو اللعب علينا، لن يعودوا للضحك منا او الضحك علينا، لن نبقى بعد مسخرتهم، لن نبقى بعد مساكينهم وبؤسائهم، لن نعود مهما حاولوا أضحوكتهم. مهما ولولوا للحرب أو السلم فلن نصدقهم. مهما باعوا واشتروا من سوق الأصنام الكلامية لن نكون ناصتين ولا سامعين وبالطبع لن نكون قابلين. مهما أطعمونا من كلام أجوف فلن تمر علينا الحكاية. لن نسقط بعد في هذه الأحاييل، لن نكون بعد عرضة لبياعي الكلام وبياعي الشعارات وبياعي الألفاظ. لن نعود ما كناه لهم ولن يعودوا ما كانوه لنا، لا نعرف إذا كنا مواليد اليوم، لن يصدق أحد اننا أولاد اليوم ولم نكن قط في البارحة. لا بد أننا لا نعرف ولا يعرف أحد متى ولدنا، لا بد أن في الأمر شيئاً كالغفلة الشاملة، كالغيبوبة، لا بد أننا خدعنا عن أنفسنا أو خدعنا بأنفسنا. سنوات المهانة هي بالتأكيد كانت من أضغاثنا. أعوام الاتباع والانصياع كانت بلا شك من غفلتنا. ثم لا نعرف ماذا فعلنا في الغيبوبة، كل ضروب الخنوع، كل ضروب التصديق، كل أفانين السذاجة، كل أنواع البلاهة، كل المذلات وكل المهانات، لا شك في أننا تعرضنا لإساءات لا مثيل لها من قبل. لا بد أننا واجهنا يأساً بحجم العالم، لا بد أننا مضغنا قروناً هذا الشعور باللاجدوى، ابتلعنا وتجرّعنا واجتررنا أطناناً من تفاهتنا، من سخفنا وجهالتنا وبؤسنا. كنا في لحظة وحلّ العالم، كنا ترابه وغباره ونفاياته ومخدوعيه وهمله ومهمليه. ما الذي حدث في يوم لنقفز من سراديبنا، ما الذي حدث لننهض من حفرنا وأقبيتنا وعارنا، لنبدو فجأة مولودي العالم الجدد وفتيانه وأبناء فجره وشعلته وضوئه. ما الذي حدث لنخرج من بطن الحوت، من كهوف الظلمات، من الأقبية والأكداس والأكوام والنفايات. هي لحظة في عمر الزمان، لحظة فحسب، ورأينا قدرنا، عانقنا مصيرنا، وتبعنا مستقبلنا. هي لحظة فحسب، لحظة كالمعجزة، فجأة فحسب. فجأة انبثقت من صميم الزمان، من الصميم الصميم. لحظة ونفضنا عنا الركام، وخرجنا إلى الفجر، وسرنا كأن لم يكن أمس ولا كانت البارحة. استحقت معاناتنا فجأة، استحق قهرنا واستحقت مذلاتنا، استحق يأسنا الطويل واستحقت أخاديعنا الكثيرة واستحقت براءتنا المشبوهة. استحققنا نحن الخروج والبدء من جديد والولادة من رحم القهر واليأس والمهانة. الولادة الثانية، استحققنا من جديد الفجر واستحققنا الحياة واستحققنا العالم.

انها مصر. مصر التي كبرنا بها وصغرنا. انتظرنا منها أن تشيلنا وبرمنا بها حين لم تفعل. مصر التي كانت قبلتنا وفقدنا القبلة حين زاحت عنا، حين انهزمنا فيها وانهزمنا عندها وانهزمنا حولها، هي الكبيرة وسيكون يأسنا بها كبيراً. هي العظيمة وسقوطها عظيم مثلها، هي الأم وهزيمتها ستكون خلو العالم وأدقاعه. مصر التي انبثقت فجأة امام أعيننا جميعاً ثارت وأرغمت الطغاة على أن يتجرجوا وأجبرتهم على ان يستردوا إهاناتهم وعلى ان يتمرغوا في عارها. مصر التي ثارت بفضل النخب الشجاعة والشعب الصامد، ثارت وبقيت في الشارع لتحمي الثورة. لقد صارت القوة في الشارع ولن تسلمها بعد لأحد، لقد صار القرار في الشارع ولن يسلمه لأحد، الشارع سهران والسلطة ماضية. الشارع يراقب والسلطة قائمة. الشارع صاحٍ، واعٍ، نقدي، الشارع ساهر على البلاد ولن يتركها لتباع ثانية. الشارع يعرف مقدار قوّته ولن يجازف بها، لقد أعلن نهاية النظام والنظام الراسخ من عام 1906 لا يعرف ان حيله ضاقت وأحاييله ضاقت، ان ليس بعد من لعبة خاصة به. لن يستقل بعد بلعبة، لن يستطيع أن يضع خمراً جديدة في قدور قديمة، لن يستطيع ان يوهم بتجدده. لن يكفي الطلاء لذلك، لن تكفي المداورة. الشارع لا يقول كلمته الأخيرة. انه يملك وعياً يتجاوز تصريحاته. الشارع الآن هو الذي يراقب ويسهر. لم يقل للعسكر فوراً أرحلوا. لقد انتظر وصبر وتركهم يخطئون، تركهم يتعثرون، تركهم يفاقمون أخطاءهم ويتكثرون منها. هو الآن صامد وهم يتعثرون من جديد، هو الآن صاح وهم الذين على أعينهم غشاوة. هو الآن يعرف ما يريد وهم يتخبطون. يعرف ما يريد ويصمد عنده ويعرف انه بقليل من الخسائر سيصل إليه وهو مستعدّ ليخسر، مستعدّ لتضحية جديدة، مستعد لمعركة أخرى بينما هؤلاء الذين يحكمون من أكثر من نصف قرن لا يملكون صبره ولا يملكون درايته ولا يملكون تصميمه. لقد بدا فجأة متمرّساً ومحنكاً ومسيّساً ومتفنناً فيها وواعياً لما هي الدولة وما هو أمر اللحظة وما هي الأهداف البعيدة. نزل الشباب إلى الشارع ولم يقولوا سوى أمر اللحظة: ينسحب العسكر ويسلم السلطة للمدنيين، مرة ثانية يثبت الشارع أين تكون السياسة وأين تكون الديماغوجية، أين يكون البرنامج الحقيقي وأين يكون الهراء السياسي واللفظية البحتة. الشعب في الشارع والشارع قادر على ان يسوس وعلى ان يحاكم وعلى أن يحكم. الشارع الآن لا يتكلم هراء، لا يؤخذ بلفظيات ولا يقترح خطوات متعذرة، لا يلقي معجزات. إنه يقول ببساطة ما هو الممكن، ما هو راهن وما ينبغي أن نبدأ به. يقول ببساطة إنه حان الوقت لنلقي بإرث أكثر من نصف قرن إلى الحضيض، حان الوقت لينتهي نظام سيئ وفاسد وقمعي وكاذب، حان الوقت ليعود العسكر إلى الثكنات. الشعب في الشارع، النخب اليقظة في الشارع وهي التي تأخذ على عاتقها قراراً تاريخياً، إنهاء عصر وإنهاء مرحلة بكلمات بسيطة، بشعار وحيد. انه قرار عن كل العرب ولكل العرب. الربيع العربي اليوم نهاية عصر. اننا على الحافة، ما أمامنا قد يبدو فجاً ووعراً. قد يبدو مليئاً بالمشقات. قد يبدو مأسوياً لكننا نعلم ان في نهايته يوجد مستقبل حقيقي، ان في نهايته يبدأ تاريخ جديد.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...