الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم قطريب / الفاكهةُ على العربات: أكرم قطريب

الفاكهةُ على العربات: أكرم قطريب

 

أكرم قطريب

جمهورية الخوف بُنيت بأكملها بفزَّاعة الشعارات الطنانة، على مزيجٍ من ظلم هائل، محصور في متناول قلّة، يمتلكون كل مفاتيح العمارة المتقنة التأسيس، ولها صلاحيات مفتوحة لتطوير هكذا نوع من اقتصاد الإكراه، والذي غايته صناعة جيش من الكائنات، الجاهزة لتقديم الولاء بشكل مشرّف، كلما سنحت الفرصة. لا وقت للراحة والكسل فاللافتات التي كانت تغطي المدن بإمكانها أن تستر نصف عري الكرة الأرضية، والألوان التي كان يتقاسمها الرسامون كي يصبغوا جدران الأروقة اللانهائية لمستعمرة النوم والطبول والميكروفونات.

الوجوه المعفرة بالوحل وروائح التعفّن في السجون التي بنيت في العراء.

المنازل المفتوحة الأبواب على الهشيم والخسارات.

المكانة الرفيعة للحزن على وجوه أمهاتٍ ينتظرن أبناءهنّ، على العتبة، لدهرٍ لا اسم له، ويجمعن الصبر في حصالة نحاسية.

إمبراطورية الانتظار تجترح المعجزات.

تَحمّل السوريون ما لم يتحمله جمل بسنامين. كان العطب أحد أهم السمات التي تلذّذ أصحاب الأمر بجعلها نوعاً من العمارة الفاشيّة، واستعراضٌ للقوّة يدمج ويختصر كل مناحي الحياة السورية، على شكل عيد وطني مؤبد، يُمجّد شخصاً خاض حروباً غامضة في أرضٍ بعيدة لم يسمع بها أحد.

كل هذا اللحم السوري المعلّق على الحيطان هو خبز طريّ متروك لجائعٍ في الليل.

الأقدام الحافية ترتجف لأجلكِ في البلد الكبير أيتها الحرية.

هل لي مكان ألمسُ فيه طرفَ ثوبكِ الممتد حتى سجن المزّة السيء الصيت، بين طلعة الجبل قرب سوق الخضرة ومفرق الشيخ سعد، حيثُ طفلٌ بلمح البصر يعدُّ نجوم دمشق، ثم يتوارى في مدخل العمارة. الفاكهة على العربات، والخبز مرسومٌ على الأرض بطباشير بيضاء.

هل من نبوءة بشأن دمشق يا مَقرَّ الموتى

هذه الشعوب التي تتطاير، بينما يكتئب الرجال على السطوح قبل أن تذهب الشمس إلى الألف الرابع قبل الميلاد سهواً.

بقي صراخُ بشرٍ منحوتٍ على ألواح بازلتية، والناجي الوحيد يختبىء في الفرن بين أكياس الطحين. بعد يومين سيعثرون عليه رغيفاً محروقاً. يصرخ أحدهم في الشارع: لا تأكل من هذا الخبز.

حين يصير الكهنة مصدر الحكم، والجهلة يطغون على المثقفين، ويحكم البلاد طغاة من العهود القديمة، وهناك من يبيع الأمل مع القهوة والأرز وجبنة “لافاش كيري”، قل: سنذهب إلى الجحيم حتماً، ولن يزور النوم عين حبيبتي التي يعشقها صديقي.

كنتُ لا أجد جواباً لأن يقوم سائقو باصات النقل الداخلي في العاصمة بغسيل أرضية الباصات بالمازوت، حتى حينما كنت أغادر المدينة الجامعية، عائداً إلى مدينتي الصغيرة وسط سوريا، سأغرق في الرائحة نفسها تعبق بها أرضيات وسائط نقل “الهوب هوب”، قبل إختراع شركة الكرنك التي أفلستها الشركات الخاصة، بينما سأظل أتذكر جماليات استراحة الكرنك في “البرامكة” . السائق الرومانسي أبو علي عواد يوزع الرحلة بين فيروز ووديع الصافي وياس خضر وأم كلثوم، والكرسيين المخصصين لعضوي مجلس الشعب اللذين يقعان خلفه تماماً.

وجود عضوين للمجلس في الرحلة، ويجلسان خلفه، لن يجنّبه الوقوع في الخطأ والارتباك والكراهية. ووجود فتاة جميلة وراءه ستحوّله إلى هواء خفيف يهب من صوب البحر. كلامه البطيء وإصغاؤه الرقيق للركاب حينها كان غير مفهومٍ.

على الطريق قبل دمشق بقليل لافتة كتب عليها:

“ابتسم أنت في دير عطية”.

إلى أبو خالد الرفاعي

تُعلق سترتكَ وراء الباب قبل أن تغذ الخطى إلى الغرفة، التي تعبق بالدخان. كان البيت لأحد أصدقائي الفلسطينيين، ويقع في شارع لوبيا بمخيم اليرموك. فتيات وشبان أتينا من القرى والجرود والمدن البعيدة كي ندخل في نقاشات تقارع الفجر، عرق وبيرة و”شنكليش” ورولان بارت وغرامشي وكارل ماركس والحتميَّة التاريخية والنعاس الذي سيضرب مفاصلنا أول الصباح، ونحن نخرج من ممالك بنيناها حجراً حجراً وليس في جيبنا ليرة سورية واحدة. نعود بخفيّ حُنين إلى غرف أصدقائنا الجامعية كي نأكل المرتديلا الوطنية، ثم ننام في أسرتهم، التي يتركونها لنا حين ذهابهم إلى الجامعة.

بمناسبة الإصلاح: سأشرح لكَ بهدوء تام وبلغة عربية واضحة، تستطيع رسم السمك يسبح في أنهار بعيدة، وأن يفهمها رعاة أهل الصحراء:- لسنا في العصر الحديدي كي تأخذ إزميلاً وتدق هذه الأرواح المقدسة بالمسامير، ثم نعود خمسة آلاف سنة إلى الوراء بعربة وحصان وضحكة بلهاء. لن نعثر على آلاتنا الموسيقية وجرار المؤونة والكلاب التي تنبح في الأزقة، وحتى النقود التي رميناها في المياه العذبة.

عرق الريان الذي يذهب هدراً في مجارير الصرف الصحي، من دون أن ينتبه جمهور كرة القدم لذلك. ولا الضحايا الذين يعرفون تماماً درجة قوة مرضكَ.

لا أحلمُ، ولستُ من محبي الدراما التلفزيونية، أن أرى الجسد السوري يخرج من تحت التعذيب. العبقرية تافهة حين تصل التراجيديا أعلى مراحل التوحش، والجلوس الطويل على الكرسي الألماني لا شفاء منه. أو أن تُذبح على طريقة الأضاحي كخروف العيد. لستُ فيلسوفاً كي أكشف كل غامض. الضحية والجلاد وشبهة الشعب يخرج من الدولاب الذي حُشر فيه، متحرراً من الأسر وهو يلفظ كلمة “الحرية” بدهشة من اكتشف قانون الجاذبية لأول مرة.

ثم سينام من شدة التعب على أرضيَّةٍ من الفخَّار ويتحوَّل بعد ذلك إلى حجر من المرمر الأبيض.

منذ فجر التاريخ العنف لم يكن طارئاً، الحبّ أيضاً.

ألم تقل الكتب القديمة أن إرضاء الزوجة النكدة أصعب من حصار المدن؟

عرياناً يخرج السوري من رحم أمه، وعرياناً يفارق الدنيا كما جاء، بعد أن ختم قراءة المنطلقات النظرية لحزب البعث.

من أين أتت كل هذه الكراهية، أم أنها جزء من نظام الطبيعة: الشر لا يذهب أدراج الرياح، يستقّر في صدور الجهّال.

هل ستبتسم لمن يهم بقتلكَ، وتدعوه إلى العشاء مع الأهل والأصحاب وتعطيه معطفكَ كي يتغطى تحت النجوم، وأساور زوجتكِ كي يفرح، وأكياس الطحين كي يصير بينكما خبزٌ وملح، وعلبة سجائركَ كي يُطفئها في ظهورِ أبنائك وهم يدخلون في المرايا واحداً واحداً.

من أين آتي لكِ بمتنبي آخر أيتها الحداثة الزائفة.

السياسة في العالم العربي مايكروفون لا أكثر.

ـ نيويورك

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...