الرئيسية / صفحات الرأي / الفتنة ومزاج الأمة

الفتنة ومزاج الأمة

 


زياد حافظ

ترددت كثيرا في التكلّم في المزاج السنّي لما يبعدني هذا المنطق أولا عن المعتقد الديني أي الإسلام، كما أفهمه وأمارسه، وثانيا عن النهج والأخلاق الذي يتحكم بسلوكي الخاص والعام، وثالثا عن الفكر القومي العربي الذي أنتمي إليه. وإذا كنت اعتبر الإسلام المكوّن الأساسي لهويتي العربية وأن التكامل في الفضاءين الإسلامي والعربي أمر طبيعي وضروري، غير أنني التزمت دائماً بالخطاب القومي الذي يجمع بين كل أطياف هذه الأمة بينما الخطاب الديني بطبيعة الاجتهادات المنبثقة عن قراءات مختلفة للنص وللتراث تظهر تمايزات كانت مدمّرة وقاتلة بين أبناء الأمة سواء من مسلمين أم غير مسلمين. ليست هذه المداخلة سرد لتاريخ هذه الأمة بل وقفة مع الضمير والذات من جهة ووقفة كلمة حق في ما يجري من تباعد في المواقف الوطنية والقومية سواء على الساحة اللبنانية أم في ساحات عربية مختلفة.

المناخ السائد في لبنان وفي عدد من الأقطار العربية متلبّد بغيوم الفتنة التي يعمل لإشعالها أعداء هذه الأمة. فهي السلاح الأخير الفتّاك الذي بقي في ترسانتهم بعد الإخفاق في استعمال القوة العسكرية المفرطة والاحتلالات المختلفة القديمة والجديدة أو قيد التكوين مجدداً. وعلى ما يبدو فقد أجاد أعداء الأمة في قراءة النص والتراث حيث تبيّن لهم أن ما تخشاه هذه الأمة أكثر من أي شيء آخر هو الفتنة. جاء في قوله تعالى: «الفتنة أشدُّ من القتل» (البقرة 191). ومن معاني الفتنة الاختبار بالنار وبلبلة الأفكار كما في قوله تعالى: «فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة» (آل عمران 7). وهي للظالمين (الصافات 63).

والمفارقة المؤلمة أنه من جهة نرى جماهير هذه الأمة تنتفض وتثور على مظالم الاستبداد والتبعية والفساد بينما في لبنان نراها ممزقة وغارقة في بحر التشنّج المذهبي والعصبية الانغلاقية والابتعاد عن المشاركة في الثورة التحررية التي تشهدها الأمة. ففي لبنان كما في الأقطار العربية مشاريع فتنة مدمرّة. وما كانت الفتنة لتنجح لو لم تكن أرضية خصبة أو بيئة حاضنة لها. وهذه البيئة الحاضنة في لبنان هي نتيجة تراكم عبر العقود الماضية لجروح في مشاعر المسلمين بشكل عام والسنة بشكل خاص.

وجدنا العديد من المواقف تحكمها العصبيات المذهبية. وهذا دليل على انحدار في الخطاب السياسي وفي السلوك العام والخاص لقيادات تزعم أنها تمثّل طوائف. في المهرجان الأخير خرج رئيس الوزراء المكلّف بتصريف الأعمال بسلسلة من مواقف سياسية متناقضة أولاً مع إرث والده الذي يزعم تمثيله واستكماله وثانياً مع مواقفه السابقة في قضية سلاح المقاومة والمحكمة الدولية. ليس هدف هذه المداخلة مناقشة المواقف بحد ذاتها بل الإشارة إلى أن الخطاب الجديد فتنوي بامتياز ويبني على ما جاء به في مهرجان 14 شباط في البيال. وإذا أعلن الرئيس الحريري أنه تحرّر من الإلتزامات كافة التي قدمها ليسكن إلى خطاب فتنوي يفرّق بين أبناء الوطن والأمة فإننا من ناحيتنا نشكره على ذلك لأنه من ناحيته حررّنا من الضوابط التي كنا نحرص عليها في خطابنا السياسي احتراماً لاستشهاد والده ولما يمثله في وجدان أبناء الوطن بشكل عام ووعي أبناء السنة.

استطاع الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن يختزل بشخصه هواجس الطائفة التي مثّلها على ما يقارب عقداً ونصفاً. أما نجله فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يمثل فريقاً من اللبنانيين كانوا على مدى التاريخ القديم والقريب، وحتى في الحاضر, وإلى يوم الدين يحمل في وجدانه وفي مواقفه قضايا وهموم الأمة. المغرضون يقولون إنه تمّ اختطاف السنة من قبل الحريرية كنهج وسلوك سياسي. فهذا الكلام ليس غير دقيق فحسب بل مرفوض كلّياً.

فالسنة ليسوا طائفة بل هم الأمة، هم القضية، ولا يمكن اختزالهم لا بشخص ولا بموقع ولا بمرجع سياسي أو روحي. فبمقدار ما يكون الشخص أو الموقع أو المرجع معبّراً عن هواجس وهموم الأمة وقضاياها فإن شرعية الساعي إلى ذلك التمثيل تكون محفوظة. وعندما يبتعد عنها ويسمح لنفسه أن يعبّر عن مواقف لا تمتدّ لا من قريب ولا من بعيد إلى تلك المشاعر فمن الطبيعي أن يفقد شرعيته. لقد لفت انتباهي مشهد لم أكن أتوقعه في مهرجان 13 آذار وهو بينما كان يخطب الرئيس المكلّف بتصريف الأعمال أسدلت صورة عملاقة لخادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز. كنت أتوقع أن تسدل صورة عملاقة للرئيس الشهيد لإلهاب الجماهير المحتشدة غير أن هاجس الرئيس المكلّف بتصريف الأعمال كان ربما في الدنانير المتأمل فيها. فالدنانير أهم من الجماهير على ما يبدو!

ولكن بالمقابل علينا وعلى جميع الذين يعملون في الشأن العام سواء على صعيد الوطن أم المنطقة أم الأمة أن نعي أن مشاعرنا مبتلية بجرح كبير سببه تراكمات امتدت على ما يوازي قرن. فنحن ما زلنا نعاني من هاجس الاستهداف. نشأت في اسرة كان فيها جدّي يحدّثني عن السلطنة وعن الكارثة التي حلّت بالأمة عند إلغاء الخلافة. نشأت في أسرة كان هاجسها اليومي تمزّق الأمة بسبب اتفاقيات سايكس بيكو التي أهدرت في مشاعر الاعتزاز لهذه الأمة. نشأت في أسرة عانت من الانتداب ومن شعور تهميش هذه الأمة وتفضيل الدولة المنتدبة لطائفة على سائر مكوّنات المجتمع بما فيها الأمة. ترعرعت في كنف المدّ القومي بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التي عزّز في أهلي وفي أسرتي وفي نفسي شعور الاعتزاز المسلوب. ولكن كنت أيضا شاهدا على المؤامرات التي كانت تحاك على صعيد الدول في المنطقة من تحالف الصهيونية وقوى الإستعمار والرجعية كما كانت تُسمّى آنذاك ضد مشاريع الوحدة والنهضة والكرامة العربية. كنت أشعر دائماً أن أمتّي مستهدفة.

أتت الحرب الأهلية وما رافقها من مآسٍ في اقتتال بشع بين أبناء الوطن لتعزز أيضا شعور الإستهداف. كما أن استشهاد رموز الأمة كرشيد كرامي ومفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد وشخصيات روحية وازنة كالشيخ صبحي الصالح زاد في شعور الإستهداف. من جهة أخرى شكّلت الحروب على المخيّمات الفلسطينية، رمز القضية التي هي في صميم وجدان أبناء الأمة، واستباحة بيروت من بعض الأطراف السياسية جرحاً كبيراً في نفوس أبناء الأمة. كما أن استهداف العراق الشقيق واحتلاله من قبل قوات الحلف الأطلسي الذي لم ينكفئ يوماً عن التآمر على هذه الأمة واستشهاد الرئيس الشهيد صدام حسين على يد الاحتلال وأعوانه وأدواته زاد في الجرح الذي لم يدمل. ولا ننسى استهداف واحتلال أفغانستان ليزيد في شعور الاستهداف. وأخيراً كان استشهاد الرئيس رفيق الحريري الصاعق الذي فجّر ذلك الشعور والذي نعيش اليوم تداعياته.

هذه القراءة السريعة لأسباب ما أشعر الأمة بالظلم والإستهداف ضرورية لفهم ما يجري على الساحة اللبنانية. من هنا نفهم كيف كان بإمكان استخدام ذلك الشعور بالظلم والاستهداف والخوف لتأجيج عصبيات لم تكن في يوم من الأيام سمة هذه الأمة. فاستعادة الثقة لن تكون عبر العصبية الضيّقة. والثقة بالنفس لن تستقيم مع سياسة الفساد والتبعية. والتأكيد على «فرض الوجود» غير ممكن في المواقف التي تنبذ الإرث المقاوم والإرث الوحدوي لأبناء الأمة.

من جهة أخرى يخطئ من يعتقد أنه بإمكان الاتكال على عصبيات تواجه عصبية الأمة فلا الحجم ولا القدرة موجودة عند العصبيات الأخرى وهي في آخر المطاف مدمرّة للجميع. لذلك الخطاب القومي هو الخطاب الوحيد المناسب لأنه يجمع ولا يفرّق ولأنه يمثل امتداد وجدان هذه الأمة ووعيها وتاريخها وآمالها.

والجرح الموجود عند أبناء الأمة لا يبرّر خيارات خاطئة لقيادات ينقصها الوعي والمعرفة والقدرة على التعامل مع التحديات التي نواجهها جميعاً. فاختزال مصلحة الأمة بمصالحها الخاصة جريمة بحقها. والسلطة ليست إلاّ وسيلة لتحقيق هذه الآمال وليست غاية قائمة بحد ذاتها. كما هي ليست الوسيلة للثراء وللجاه. عندما تضع القيادات التي نصّبت نفسها ممثلة للأمة مصالحها في الميزان مع مصالح الأمة فلا بد من أن تخسر الأمة والمصالح. الشعب يحاسب والثورات الشعبية التي نشاهدها في العديد من الأقطار خير دليل أن الشعب يمهل ولا يهمل.

هذه الأمة في لبنان كانت وما زالت وستستمر في حمل هموم وقضايا الأمة العربية. هي التي كانت تحرّك شعور أبناء الوطن لنصرة أهلنا في فلسطين قبل النكبة وبعدها وحتى الساعة. هي التي جمعت الجماهير في احتفال محطات الكرامة العربية في تأميم القناة وبناء السد العالي وإنجاز حلم الوحدة. هي التي ضحّت بكل ما لديها لحماية الثورة الفلسطينية من المؤامرات التي كانت تُحاك ضدها وما زالت. هي التي هبّت لنصرة أهلنا في العراق في مواجهة الغزو والاحتلال الأميركي. هي التي كانت حاضنة المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني. فهذا الرأس المال المعنوي الهائل لا يمكن أن يمتلكه من ليس له قضية سوى جمع المال والذي يحسب أن المال أخلده أو سيخلده.

التحديات التي نواجهها جميعاً كبيرة ومصيرية. مسؤوليتنا الأولى تفويت الفرصة على الفتنة التي يعمل على إشعالها أعداء الأمة. مسؤولياتنا القومية والوطنية تفرض علينا مخاطبة أهلنا لعقلهم ولفؤادهم. مسؤولياتنا أن نقنع شركاءنا الذين يحملون معنا هموم هذه الأمة أن مسؤولياتهم لا تقلّ عن مسؤولياتنا في منع الفتنة وإن أمكن وأدها. وهذا ممكن وواجب علينا. فالانتصارات التي حققها أبناء هذه الأمة العربية في ضرب المشروع الأميركي في العراق وفي إرباك الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلّة والمغتصبة وفي طرد المحتل من لبنان وإعادة الكرامة لأبناء هذا الوطن الصغير في المساحة والكبير في القلب والعقل، كل هذه الإنجازات تعزز الشعور بالثقة بأن زمن الهزيمة والاستهداف قد ولى. وما علينا إلا ترجمة تلك الثقة في إعادة بناء الوطن لتحقيق مشروعنا العربي النهضوي الذي سيفجّر طاقات أبناء الوطن والأمة في مجتمع الكفاية والعدل وتكافؤ الفرص في بيئة العزة والكرامة للجميع.

([) أمين عام المنتدى القومي العربي، عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، عضو مجلس الأمناء في مركز دراسات الوحدة العربية

السفير

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...