صفحات الرأي

الفتوحات العربية في روايات المغلوبين: كتاب لحسام عيتاني

 


جمال القرى

يخترق حسام عيتاني في كتابه ” الفتوحات العربية في روايات المغلوبين”، والصادر عن دار الساقي، المألوف، في قراءة الفتوحات العربية كما رواها ودوّنها العرب المنتصرون. فهو قدّم بحثاً معرفياً، تنويرياً ونقدياً لحقبة تاريخية شديدة الأهميّة، من حيث تمكّنها من تغيير وجه مناطق واسعة في قارات ثلاث، او من حيث دورها في تشكيل وعيّ عربيّ ممجّد لنفسه، ووعيّ مقابل تقريظيّ له، وهادفاً لإحداث جمود الصورة النمطيّة المرسومة للعالم العربي، ولبلورة هويّة وطنية عقلانية، تُخرجه من التقوقع العقلي، وتضعه على مسرح التاريخ، ليس كتابعاً لمحيطه الاقوى، بل كفاعلاً إيجابياً في مساره.

إجتزأت رواية العرب للفتوحات التاريخ، بإهمالها تاريخ الشعوب التي أخضعتها بقوة السيف. وبتغليبها المضمون الإيديولوجي القومي والديني، مقابل إلغائها العنصر القبلي ودوره في تشكّل الاسلام ودوله، وبعدم لحوظها دور البنية التاريخية الاجتماعية التي أنتجتها، بكل تناقضاتها وحملها لبذور تغييرها، جاءت قراءة لا تاريخية،  امّا ربطها الفتوحات بالدعوة الاسلاميّة، لتحريم نقدها، فأضفى عليها قيمة اللانقدية.

حاول الكاتب نقل واقع المغلوبين والمُغيّبين قسراً عن مسرح الرواية بعد هزيمتهم التاريخية، وارسائهم صورة نمطية للعرب، والتي ما لبث الغرب ان نقلها لاحقاً الى ادبيّاته، ورواية واقعهم بعقلهم وقلبهم ولسانهم، كما حاول وضع الفتوحات في سياقها التاريخيّ الاجتماعي، السياسي والثقافي، والتي أملتها الطموحات العسكرية والاقتصادية، وسياسة تشفّي الغزاة ممّن اعتبروهم أعظم شأناً منهم حضارة، واسلوب حكم وحياة. فكان ان إلغاء ثقافات دينية، وقومية حضارية ضاربة جذورها في التاريخ، جعلها تنتظر اللحظات المؤاتية، لشنّ هجوم مضاد وإحداث متغيّرات يعجز العقل العربي اللانقدي عن فهمها وتحليل اسبابها.

استند الكاتب في بحثه، الى مصادر اصلية لإخباريي بيزنطة، فارس، مصر، الصين، الاندلس، السريان وغيرهم، فكانت تاريخية مدوّنة، اوغير تاريخية، اي كتب قديسين وسجلّات محلية وعظات، اضافة الى تحليل آراء بعض المستشرقين، وذلك في عشرة فصول وخاتمة.

في الفصل الاول، ” العرب السراسنة الطّائيون الهاجريون”، يستنتج الكاتب ان المصادر لا تُجمع على  تحدّر الغزاة وتسمياتهم وعلاقاتهم بالمحيط، فهم جاؤوا من البوادي العربية ومن شبه جزيرة سيناء، امّا تسمياتهم، فأُسبغ عليها صفاتً عرقية، قبلية وتبخيسيّة، نتيجة تهديدهم الطرق التجارية، وشنّهم غارات سلب مسلحة في مناطق الامبرطوريتين الساسانية والبيزنطية، ونتيجة تحدّرهم من نسل اسماعيل ابن ابراهيم من خادمته هاجر، وعدم شملهم بالتالي بالوعد الالهي. فكانوا سراسنة وهاجريين وطائييّن واسماعيلين ومهاجرين.

أمّا في الفصل الثاني، “عملاقان بأقدام فخّارية”، فيستعرض الكاتب التمزّق الداخلي للامبرطوريتين الساسانية والبيزنطية، نتيجة حروبهما المدمّرة. ومع ان بيزنطة كانت منهكة عسكرياً، فقد كانت قادرة على القضاء على محاولات التمرّد والاستقلال. فهي اضطهدت اليهود، الوثنيين والمسيحييّن المنشقّين عن كنيستها، كالنساطرة واليعاقبة، واتهمتهم بالهرطقة، والذي ما لبث ردّهم، كأصحاب حضارة قديمة يصعب عليهم تقبّل واقعهم كشعوب محتلّة من البيزنطيين، ان جاء مرحّباً بالفتوحات، ليُذكّر هذا الترحيب، باعتناق الشرق للمسيحية، رداً على الاحتلال الروماني. اما في الامبرطورية الساسانية، فقد اكتسبت الزرادشتيّة موقعاً في النظام الامبرطوري، تزامناً مع تطور البنى التنظيمية للكنيسة البيزنطية، وليبدأ عهد تمأسس الدين في كلتا السلطتين.

وفي الفصل الثالث، “سيوف من شهب”، توقّعت الشعوب المغلوبة استناداً الى كتّاب الحوليّات والكهنة، الفتوحات التي ستظهر على شكل سيوف من شهب في سماء سوريا، وزلزلة في فلسطين. ففيما اعتبر سوفرونيس، بطريرك القدس الملتزم بالكنيسة الخلقيدونية، بأن السراسنة، المخلوقات الشريرة التي يقودها الشيطان للقضاء على المسيحية، ظهروا كعقاب الهي بسبب خطايا المسيحيين وانقسام كنيستهم، قارب المؤرخ الارمني سيبيوس الفتوحات التي عايشها، عاطفياً، وقال ان رجلاً من نسب اسماعيل، جاء ليستعيد الارض الموعودة. امّا بطريرك انطاكية اليعقوبي، فقد أشار الى ان الله اختار أحطّ بني البشر، وأكره الناس وأقلّهم احتراماً ليحكموا. ويبدو انهم كما الزرادشتيين، وجّهوا اللوم دوماً الى الذات الخاطئة. لاحقاً، أتت تفسيرات المستشرقين متفاوتة بين الاسباب الاقتصادية، نتيجة القحط ونمو عدد السكان، وبين طبيعة العرب الميّالة الى الغزو، وبروز قيادات عسكرية منظّمة بينهم، اما العامل الديني فكان دوره ثانوياً.

وصولاً الى الفصل الرابع، “وداعاً سوريا”، حيث يعتبر الكاتب ان سقوط سوريا هو بداية لتراجع الدور المسيحي في الشرق،  وجاء زمن ضعف بيزنطة، نتيجة حروبها مع الفرس، وبروز ازمة الخلافة فيها، وانشقاقاتها الكنسية والدينية، وسوء علاقتها بالحكام والقادة العرب المحليين نظراً لسياسة الظلم المُمارس بحقّهم وحقّ كهنتهم، وتواطؤ قسم من العرب والجنود المشاركين في معاركها مع القوات الغازية، نتيجة استعلائها عليهم، عدا عن ان تقييمها للعرب ولقدراتهم كان معاكساً للواقع. امّا بعض المستشرقين، فقد ذهب الى الدوافع السياسية والاستراتيجية للفتح، في منطقة المجال الحيوي لتمدّد بيزنطة والعرب التوّاقين الى توحيد القبائل في كيان سياسي مركزي، وخصوصاً ان ترابط الفتوحات مع حروب الردّة، أتاح للقبائل التمدّد شمالاً، لقاء خضوعها للفتح الداخلي. عدا عن ان شخصيات كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، أدّت الادوار الأخطر في الفتوحات، حيث ان صلتها بالإيمان كانت صلة آداتية، تنفيذية لصالح الارستقراطية الدينية والعسكرية، على ما جاء في اوراق البردى المصرية.

وفي الفصل الخامس،”الشيطان يستعبد مصر”، يشير الكاتب الى ان الانقسام الديني عشية الفتوحات، بين الملكيين والاقباط، لم يترافق مع انقسام بين اليونانيين والمصريين، وينقل روايات متناقضة لسقوط مصر، فرواية ميخائيل السرياني كانت اقرب الى الرواية العربية، حيث اعتبر ان البطريرك القبطي بنيامين، ساهم في تسليم مصر الى العرب. وفي حين سجّل ساويروس ابن المقفع، واضع التاريخ الرسمي للكنيسة القبطية، استقلالية الحدث عن ارادة المصريين، فقد أرّخ يوحنّا، وهو اسقف قبطي من نيقوسيا، في حولياته، الاحداث السياسية، وندّد بما جلبه العرب من مصائب لمصر ومجازر للأقباط، وحمّل اتباع الكريه عمرو بن العاص، مسؤولية حرق المدن وسلب الممتلكات، وصوّر المزاج القبطي غداة الفتح، أي قبل بدء التعاون مع الفاتحين.

نصل في الفصل السادس الى “ايران، عصرالغصن الحديد”، ومع قلة المصادر الفارسية لهذه الحقبة التي امتدت الى نحو قرنين من الزمن، وسُميّت “قرنان من السكوت”، فقد لجأ الايرانيون الى النبؤات القديمة لتفسر الفتوحات، وأتاحت “شاهنامة” الفردوسي لاحقاً، توضيح وجهة نظر غالبية الايرانيين حيال العرب والاتراك. وفيما تقاطعت رواية السرياني ومصادر الزرادشتية حول إمعان الغزاة بالقتل والسلب والحرق للمناطق المجتاحة، فقد أشارت الرواية الصينية الى ان انهيار الامبرطورية الساسانية، جاء في إطار مسار حروبها الخارجية، وتفكّكها الداخلي. أمّا بعد الفتح والأسلمة، فقد بدا قبول الإيرانيين للإسلام أكثر من قبول المصريين والسوريين، مع فارق ان تاريخ ايران الثقافي والحضاري وهوّيتها الوطنية والدينية، جعل منها حاجة الى التمايز عن الدين الجديد، ومن ضمنه، وبناء هوّية دينية سياسية تُظهر موقعهم المتقدّم على العرب من ضمن الدولة، إن في الإيمان، من خلال تبنّي ظواهر مختلفة كالتركيز مثلاً على دور وشخصية سلمان الفارسي، وإن في بروز ظاهرة الشعوبية. لاحقاً، وبعد ان تراكمت خيباتهم من واقع الدولة الجديدة، ومن تحقيق طموحاتهم السياسية فيها، أخذ اعتراضهم ينحو نحو أشكال متعدّدة منه.

امّا في الفصل السابع، “من الصين وإليها”، فتشير سجلّات سلالة “تانغ”، الى علاقات دبلوماسية وحسن جوار بين الصين والإمارات الإيرانية المجاورة والعرب، امتدّت منذ ما قبل الفتوحات الى ما بعدها. وتتحدّث عن صعوبات الفتح في اواسط آسيا، نظراً الى كونها أكثر المناطق تمدّناً من تلك التي أخضعها العرب، وأن أسلمتها أخذت وقتاً طويلاً، كون المسألة الدينية لم تشكّل اولوية لسكانها، ولم تعدو كونها تعبيراً عن العلاقات السياسية. امّا الحدث الأبرز، فكان كسر الإيرانيين التفوّق العربي، بتأسيس أول سلالة فارسية حاكمة في الاسلام، هي السلالة السامانية.

نصل في الفصل الثامن الى “هل الفتوحات مؤامرة يهودية؟”، حيث يتحدّث الكاتب عن حرمة البحث في التداخل الديني الاسلامي المسيحي، مع ما يختزنه من احتمالات معرفية كبيرة، نتيجة الصراع السياسي المعاصر. ورغم ذلك، فإن كتابات الإخباريين والمؤرخّين المسيحيين تشير الى ان الفتوحات كانت مؤامرة يهودية، زودّت خلالها اليهود العرب، بالسند الإيديولوجي آملين منهم بلعب دور المخلّص لهم من الإضطهاد التاريخي البيزنطي، وتأرجحت لاحقاً العلاقة معهم بين المساندة الميدانية، والعداء المستحكم نتيجة شكوكهم بهم، وخيبة املهم من تحريرهم بالكامل.

في الفصل الاخير، “بعد السيف الكتاب”، تتّضح العلاقة بين الغالبين والمغلوين، ففي حين اعتبر الاسلام نفسه ديناً بديلاً عن المسيحية واليهودية والزرادشتية، كان المسيحيون الشرقيون بدءً من يوحنا الدمشقي الذي كان عقله وقلبه في بيزنطة يعتبرونه بدعة وهرطقة، وكنّ له آخرون العداء بسبب تردّي اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، على نحو اوسع ممّا كانت عليه تحت الحكم البيزنطي، وأغدقوا على المسلم صفة المتعنّت واللاعقلاني والشهواني، امّا من كان من المسلمين ذا عقل مستوعب ومتفكّر، فقد اعتبروه غير مؤمن بالاسلام.

في الخاتمة، اعتبر الكاتب ان اللجوء الى أعمال المستشرقين لدراسة التراث العربي الاسلامي هو امر ملّح، مع ضرورة الفصل بين ارتباط بعضهم بمشاريع دولهم الكولونيولية، وبين موضوعية بعضهم الآخر، نظراً الى تدهور احوال العلم والمعرفة في العالم العربي. وينفي النظرية التي صاغها ادوارد سعيد وهي ان الغرب هو من ابتدع صورة نمطية للشرق العربي المسلم لتبرير مشروعه الامبريالي، في حين ان الثقافات غير الاسلامية والتي واجهت الفتوحات، لم تبخل على العرب والاسلام بأوصاف يتحاشى الكاتب عن ذكرها. ولكن المفارقة، ان الغرب الامبريالي الذي قاد مشروعه الاستعماري ضد الشرق، استخدم أجواء الفتح العربي التي صاغ صورتها واحكامها النمطية الجامدة، المؤرخّون العرب  والكتّاب المسيحيون الشرقيون، امّا الظروف فلم تُتح للشعوبية مثلاً، كجنين لمشروع سياسي مضاد، بفرص للحياة.

تُشكّل مادة الكتاب، قيمة شديدة الاهمية من حيث تقديمها نموذجاً نقدياً لفهم وتحليل الصراعات في المنطقة، ودورانها منذ التاريخ ولغاية الوقت الحاضر، ويفتح الباب حول تساؤلات وتساؤلات، لن تؤدي الاجابة عنها الى تغيير ايجابي، ما لم تخضع كلها الى نقد موضوعي، بدءً من نقد الذوات الدينية  والثقافية والقومية والاتنية، لتحريرها من مكوّنها القدسي، وتحديد دورها في عملية التخّلف والصراعات، وصولاً الى تحقيق فصل الدين عن الدولة وبناء دولة المواطنة.

                                            طبيبة وناشطة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى