راشد عيسىصفحات الثقافة

الفعاليات الثقافية: اي موقف؟

راشد عيسى

 بينما كانت “التيتانك” تميل إلى الغرق، الأشياء تتحطم، والركاب يتقافزون إلى المياه، وإلى القوارب المطاطية، كان الثابت الوحيد في قلب هذا الزلزال مجموعة موسيقيين تابعوا العزف حتى النهاية، متجاهلين كل ما يحدث حولهم، كما لو أن الموسيقى هي مهنتهم الخالدة، كما لو أن الموسيقى قارب النجاة الخاص بهم. لطالما استعمل السوريون مشهد “التيتانيك” ذاك إزاء كل فعالية ثقافية شهدتْها دمشق خلال السنتين الأخيرتين. لم تكن هذه الصورة لتبرح المخيلة، ولكن دائماً مع نقاش وتشكيك في ما إذا كان موسيقيو “التيتانيك السورية” حقاً مضحّين، أم أنهم يعملون ضمن خطة النظام، أو مجرد باحثين عن لقمة العيش، وخلافه.

“عدم المشاركة في هذه الفعاليات هو شكل من أشكال الكفاح السلمي والعصيان الثقافي”، يقول الصحافي الشاب، مهيار، وهذا كان لسان حال معظم المتظاهرين ضد النظام، والمتضامنين معهم، خصوصاً أن بروباغندا النظام ارتكزت على تصوير مجريات الحياة في البلاد وكأنما لا يعكر صفوها شيء. على ذلك، كان كل حدث أو تظاهرة ثقافية، يدعم هذه الصورة، فهكذا فعاليات لم تكن ممكنة من دون أن تمر عبر قنوات يسيطر عليها النظام. هنا يتذكر البعض دائماً كيف أن الفعاليات الثقافة أثناء الحرب الأهلية اللبنانية كانت فعل تحد وحياة، وكيف تصبح في سوريا دعماً وتأييداً للنظام.

 هنا يشير ناشط ثقافي فضل عدم ذكر اسمه إلى أن “المبدع سيخضع لرقابة شديدة، وربما مساومة على بعض تفاصيل العمل الفني، بشكل مباشر أو غير مباشر”. ويلفت إلى أنه كان شاهداً على “اجتماع أقيم في مديرية الثقافة بدوما، حضره وزير الثقافة آنذاك، شددت المسؤولة الحزبية على مراقبة كل النشاطات قبل عرضها للناس، وحثت رؤساء المراكز على التأهب إلى أعلى درجة في هذا الإطار، ومنع أي نشاط تفاعلي مع الجمهور، أي التي تتيح للناس طرح أسئلة مباشرة في ندوة أو محاضرة، ولم يكن أمام وزير الثقافة إلا الانصياع لرغباتها وتعليماتها”. إذاً هناك نوع واحد من الفعل الثقافي مسموح به، هو الخطاب الموجه، والمرسل باتجاه واحد.

 ويوضح الناشط الثقافي لـ”المدن”: “ليس من السهل الفصل في هذا الموضوع. نحن في داخل سوريا، ورغم كل ما يحدث نشعر أننا في حاجة ماسة إلى حضور أمسية موسيقية أو عرض مسرحي أو فيلم سينمائي، فما بالك بالفنانين الذين يشكل الفن والثقافة بالنسبة إليهم هاجساً”. ويضيف: “لكن عندما تسمع أصوات القصف وتتخيل ما يلاقيه الناس في المناطق المشتعلة يصبح الفن ترفاً، وتصبح أقرب إلى استهجانه. عندما تعرف أن العديد من المراكز الثقافية على امتداد سوريا أصبحت إما مقرات لحزب البعث، أو اللجان الشعبية والشبيحة، تنتابك مشاعر كراهية للمكان ذاته، وترفض أي حالة فنية أو أدبية من مثيله حتى لو لم يستخدم بشكل مباشر كمقر حربي”.

ويصل الناشط إلى القول: “أخيراً، حضرت عدة فعاليات مسرح وسينما وموسيقى، هناك محاولة واضحة لدعم النظام من الباب الخلفي”. ويوضح: “حتى الهامش المتاح لنقد الفساد والسلطة والحزب (في تلك الأعمال) هو مدروس وموظف”.

دفاعاً عن الحياة

بعض الفنانين السوريين أجاب على هذا الإشكال، تعليقاً على سؤال وضعته على صفحتي الشخصية في “فايسبوك”. الفنانة كندة علوش قالت: “بما أن المشوار للأسف طال، ونحن ندافع عن الحياة والحرية لا عن الموت، فأنا شخصياً مع استمرار الفعاليات والنشاطات الثقافية شرط ألا تحمل طابعاً احتفالياً احتراماً لدماء الشهداء، وألا تخدم رؤى وأفكار الطرف الآخر وتدافع عنها”.

علوش، وهي قد وُضع اسمها أخيراً، بحسب مصادر إعلامية، ضمن قوائم الممنوعين من الظهور على الشاشات الرسمية السورية، أضافت: “ما دامت الفعالية أو النشاط المقام خارج نطاق مؤسسات الدولة ودعمها نشاطاً مستقلاً أنا لست مع ازدرائه، ما دمنا لا نخدم أفكار الطرف الآخر ولا نعمل تحت رعايته ومظلته.. لن يعود أي شيء إلى مجراه، لا شيء اليوم حتى في تفاصيل حياتنا اليومية يشبه البارحة ولن يعود. لكن الثقافة هي الوعي، لا أحبذ مقاطعتها مع أني شخصياً أمارس شكلاً من أشكال المقاطعة، لكني لست مع فرض هذا الخيار على الآخرين”.

 أما الممثلة أمل حويجة قالت: “لا بد من تأكيد العمل الثقافي، والمؤسسات الحكومية ليست ملكاً للنظام. أنا لست مع مقاطعة أي نشاط ثقافي، أنا مع مناقشته والحوار معه، فالنظام سيسرق أي مشروع ثقافي ذي أهمية، وهذا ليس غريباً، هو جرّب سرقة الثورة وشعاراتها وخطابها أحياناً”.

 وإذا كان هناك من يرى في مقاطعة الفعاليات الثقافية نوعاً من الكفاح السلمي، فإن الكاتب فارس الذهبي يرى أن في استمرارها تمرداً سلمياً: “أكثر ما يخافه أي نظام شمولي في العالم هو الثقافة. توقفّها في المجتمع يشابه توقّف الإنسان عن التنفس، فالمجتمع يتنفس ويعبر عن نفسه بالثقافة والفنون”. ويضيف: “الثقافة فعل ينافي الموت وينافي الطائفية والعنف. هي شكل من أشكال التمرد السلمي جداً، هي ما يجب أن يستمر على أن يتوقف السلاح. المجتمع الأهلي هو كل ما تبقى لنا”.

الممثلة ناندا محمد قالت، تعليقاً على عروض مسرحية قدمها فنانون في دار الأوبرا السورية: “أفهم تماماً وجهة نظرهم بأن هذا المكان هو ملك لهم أولاً، ولهم الحق بأن يقدموا عملهم فيه، لكن بالنسبة إلي، أرى أن استمرار الفعاليات الفنية، خصوصاً غير المستقلة منها، يريح النظام بشكل ما، ويعطي المصداقية لصروحه”. وتشير محمد إلى اعتذارها عن عرض عمل مسرحي: “عندما كنت في دمشق طلبت منا “دار الاسد” أن نقدم العرض المسرحي “امرأة وحيدة”، الذي قدمناه في الدار العام ٢٠١٠ وجاء ردنا بالاعتذار. النظام يستميل الجميع وهذا معروف. أنا ضد المشاركة، لكني أحترم من يشارك ما دام لا يقف إلى جانب النظام، مع التنويه الى ان قلة ممن يقدمون أعمالاً في المؤسسات الحكومية هم من الشرفاء”.

 أحد الموسيقيين البارزين قال من دمشق: “إن في متابعة العمل الثقافي نوعاً من الحفاظ على مؤسسات الدولة، التي يجب أن تبقى كنواة لاستمرار الحياة بعد سقوط النظام”. وأضاف “هناك أشياء لا يجوز أن تتوقف، وعلى سبيل المثال، تصور لو توقف التمرين في الفرقة السمفونية الوطنية، هذا يعني تراجع الفرقة سنوات إلى الوراء، وبالمناسبة العروض المستمرة للفرقة مع الجمهور هي نوع من التمرين أيضاً”.

أما السينمائي ورسام الكاريكاتير موفق قات فختم بالقول: “إيقاظ المشاعر النبيلة مهمة الفن في كل الظروف والأوقات، والفعاليات الثقافية هي إحدى أهم وسائل المعرفة”.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى