الرئيسية / صفحات الرأي / الفلسفة تنزل إلى الشارع وتقاوم البلاهة

الفلسفة تنزل إلى الشارع وتقاوم البلاهة

 

عبد الرحيم الخصار

هل الفلسفة هي دائماً تلك التعقيدات التي لا يستطيع غير المتخصصين الخوض فيها؟ لا، ليس الأمر كذلك. هذا ما يذهب إليه الباحث المغربي عبد السلام بنعبد العالي في كتابه الجديد «الفلسفة فناً للعيش»، الصادر مؤخراً عن دار توبقال، إنه ينزل بها إلى أرض الواقع، ويجعلها تمشي على قدمين بين الأرصفة والشوارع وحتى في مدرجات كرة القدم. فالرجل بنظرته التأملية والفلسفية يفتح النقاش حول المواضيـع التي تشغل بال الجميع، بدءاً من السياسة والحداثة، مروراً بالعلوم والفنون والثورة، انتهاءً بـ«الفايسبوك» والطعام وكرة القدم.

يرى عبد السلام بنعبد العالي أن الفلسفة لم تكن لدى سقراط وديوجين وبيرون «بناءً لمنظومات نظرية، أو مذاهب تُعلم وتنقل من جيل إلى آخر، وإنما كانت وعياً بأسلوب عيش، ودعماً لسلوك، وتأسيساً لنمط حياة». وعليه فالمطلوب منا اليوم أن نعيش الفلسفة، أن نخرجها من إطاراتها النظرية إلى هواء الحياة. ليس هذا ما يدعو إليه الكاتب فحسب، بل إنه يقوم بتطبيقه في هذا الكتاب، إذ نجده يتعقب مفهوم «السعادة» في حياتنا المعاصرة، ويربطه بمفاهيم أخرى من قبيل «اللذة» و«الاستهلاك»، ثم يحاول أن يوضح كيف تحول مثلا مفهوم «الشائعة» في زمن «التويتر» و«الفايسبوك»، طارحاً الكثير من الأسئلة بخصوص قضايا سياسية وأخرى تشغل بال الرأي العام كقضية الهجرة ووظيفة المثقف ومفهوم الأيديولوجيا والمقاومة والأخلاق وأثر 11 أيلول في الثورات العربية.

لا يبرئ عبد السلام بنعبد العالي مفهوم «الربيع العربي»، فثمة في الأمر «مكر خفي»، إذ إن تسمية الربيع تغطي على الاسم الحقيقي الذي يفترض أن يكون وهو «الثورة»، كأنما أريد للناس أن يدركوا أن ما يحدث وما حدث من قبل ليس ثورة، بل هو مجرد «تناوب فصول». يأخذ النقاش حول التحولات التي عرفها العالم العربي في السنوات الثلاث الأخيرة حيزاً مهماً في هذا الكتاب، لكن تناول القضايا يكون لدى الكاتب غالبا من زاوية مفاهيمية، إنه لا يترك عبارة مثل «شباب الثورة» تمر من دون أن يتوقف عند سؤال من قبيل «أي شباب؟»، فالأمر لم يكن يرتبط بفئة عمرية محددة، بل كان يحركه «شباب البطالة المتعلمة»، شباب بدون زعامات، وأهدافه لم يكن مخططاً لها سلفاً (شباب من غير مشروع، ولا ارتباط. فهو لا يرتبط عقائدياً ولا قومياً بل ربما حتى ولا حزبياً. ما يوحده هو شعور التهميش القوي وما يترتب عنه من «حكرة»، على حد تعبير الشاعر الجزائري).

ينطلق الكاتب في عدد من قضايا النقاش من منطلقات أدبية، فنجده يعود إلى فلوبير وكافكا، ويناقش «الكيتش» عند كونديرا، بل يستلهم عنوان رواية فوكنر «الصخب والعنف» التي استلهمها هو الآخر من جملة لشكسبير، ليجدها بنعبد العالي هي الوصف الأنسب للحالة التي يوجد عليها الفكر العربي المعاصر.

يستعرض عبد السلام بنعبد العالي في «الفلسفة فناً للعيش» الوظائف التي قام بها الفكر عبر التاريخ، بدءاً من توجيه العقل والحيلولة دون الوقوع في الأخطاء ضداً على «اللافكر»، إلى نقد الوعي المغلوط ومطاردة أوهام وأوثان الأيديولوجيا، وصولا إلى وظيفته الراهنة وهي «مقاومة البلاهة»، أي محاربة الأفكار الجاهزة ومقاومة ما يجعل الإنسان كائناً مستنسخاً يحمل الأفكار والتصورات ذاتها تحت لافتة وهمية هي «الحداثة» التي تحولت من نقد للاتجاهات المحافظة إلى نمط صار ينتج وفق قوالب جاهزة إنساناً حديثاً «محافظاً أكثر من كل المحافظين».

عبد الرحيم الخصار

(الرباط)

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

48 − 40 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...