الرئيسية / صفحات سورية /  “القاعدة” في جزيرة العرب ومقتل الوحيشي/ طارق عزيزة

 “القاعدة” في جزيرة العرب ومقتل الوحيشي/ طارق عزيزة

 

 

ضربة موجعة تلقّاها تنظيم «القاعدة» في شبه الجزيرة العربية، بمقتل زعيمه ناصر الوحيشي، إثر استهدافه أخيراً بغارة أميركية جنوب اليمن. وجرياً على عادة «القاعدة» وفروعه المختلفة، في القدرة على ملء الفراغ في القيادات بمرونة بعد كلّ عملية مماثلة، سرعان ما تمّ الإعلان عن تعيين «الشيخ أبو هريرة» قاسم الريمي، القائد العسكري للتنظيم، خلفاً للوحيشي.

تأتي أهمّية الحدث من كون فرع «القاعدة» في الجزيرة، يعدّ الأقوى بين فروع التنظيم التي بقيت على ولائها لأيمن الظواهري، زعيم «القاعدة»، فلم يبايع البغدادي و «دولة الخلافة» التي أعلنها في العراق والشام. إلى جانب أنّ اسم الوحيشي كثيراً ما تردّد في الأوساط الجهادية، بوصفه المرشح الأبرز لخلافة الظواهري. فهو كان من مساعدي أسامة بن لادن المقربين، حيث عمل سكرتيراً خاصّاً له في أفغانستان، إضافةً إلى علاقته الوطيدة مع أيمن الظواهري، وتسميته نائباً له في وقت سابق. فالأرجح أنّ تأثير غيابه لن يقتصر على «القاعدة» في اليمن والجزيرة، وإنما سيكون له صدىً في أروقة التنظيم الأم أيضاً، خصوصاً أنّ التجاذبات بينه وبين تنظيم «الدولة الإسلامية»، وتنازعهما على زعامة «الجهاد العالمي» لم تنته بعد. وعلى رغم التزامهم رسمياً جانب الظواهري في خلافه مع البغدادي، لم يقف الوحيشي ورجاله موقفاً سلبيّاً من الأخير حتى بعد إعلانه «الخلافة». فقد أعلن الوحيشي تضامنه مع «المسلمين في العراق ضد الصليبيين»، قائلاً «إنّ دماءهم وجراحهم هي دماؤنا وجراحنا وبكل تأكيد سنؤيدهم»، وذلك من خلال بيان أصدره في آب (أغسطس) 2014. بل إنّ الشيخ مأمون حاتم، أحد زملائه في قيادة التنظيم، ذهب أبعد من هذا، حين عبّر عن رغبته في الوحدة بين «القاعدة» في جزيرة العرب وبين تنظيم البغدادي، وأنّه يتطلّع إلى إعلان «الدولة الإسلامية في العراق والشام والجزيرة العربية».

إلى ذلك، ثمّة معلومات متداولة عن وجود تعاون وتبادل للخبرات الميدانية على الأرض بين الجانبين. فقد تحدّث بعضهم عن قيام «خبراء من الدولة الإسلامية» بتدريب مقاتلي «القاعدة» في اليمن، كما أنّ العديد من الجهاديين اليمنيين توجّهوا إلى سورية والعراق، وهم اليوم يقاتلون تحت راية البغدادي، وقد أفاد تنظيم الدولة من خبراتهم في كيفية التعامل مع هجمات الطائرات الأميركية من دون طيار.

غير أنّه، وخلافاً لما ذهب إليه بعض المحللين، فمقتل الوحيشي لن يزيد من فرص «الدولة الإسلامية» لاستمالة «القاعدة» في شبه الجزيرة إلى صفّها، بدعوى أنّ غيابه سيفقد التنظيم شيئاً من تماسكه، باعتبار أنّ الوحيشي يتولّى قيادته منذ تأسيس التنظيم عام 2009، غداة اندماج فرعي «القاعدة» في اليمن والمملكة العربية السعودية، ويمسك بخيوط التمويل والتجنيد والتواصل مع القيادة العامة، أي الظواهري.

على العكس، يبدو أنّ استراتيجيات «القاعدة» الأم، وتالياً سلطة الظواهري، هي التي ستطبع سلوك «القاعدة» في جزيرة العرب في المرحلة المقبلة. ذلك أنّ ما جاء في بيان نعي الوحيشي وإعلان تولي الريمي القيادة، حمل رسائل تؤكّد منحى الالتزام باستراتيجيات «القاعدة» وأدبياتها.

ففي البيان المذكور، والذي تلاه الشيخ خالد عمر باطرفي المعروف بـ «أبي المقداد الكندي»، وصف باطرفي الولايات المتحدة بـ «راعية الكفر»، وخاطب الأميركيين قائلاً: «لقد أبقى الله لكم من يسوء وجوهكم وينكد عليكم عيشكم ويذيقكم مرار الهزيمة حتى تكفوا عن دعم اليهود المحتلين لفلسطين وتخرجوا من بلاد المسلمين وترفعوا أيديكم عن دعم الحكام المستبدين وإلا فهي الحرب التي لا تطيقونها تأتي على اقتصادكم فتحوله يباباً وتأتي على مصالحكم فتقوضها». وهذا فيه استعادة للخطاب التقليدي لتنظيم «القاعدة»، كما أنّه ليس غير ذي دلالة أن يشير البيان في معرض رثاء الوحيشي، إلى مشاركته «مع الرعيل الأول في النكاية بأميركا منذ التسعينات». وثمّة من يرى أنّ غياب الوحيشي يعني أفول نجم قادة «القاعدة» الأوائل ورجال أسامة بن لادن، وأن هذا سيؤدّي إلى تراجع «القاعدة» عالمياً لمصلحة لاعبين جهاديين جدد، وانتقال الثقل الجهادي إلى جيل جديد، يجد نموذجه في البغدادي و «الدولة الإسلامية».

قولٌ كهذا يفتقر إلى الدقّة، فالمسألة الجيلية ليست ضدّ «القاعدة» والقيادة الهرمة للظواهري. الوحيشي نفسه، تولّى قيادة التنظيم في اليمن والجزيرة ولم يتجاوز عمره 32 عاماً، مفتتحاً مرحلة صعود شبّان «القاعدة» إلى المستويات القيادية الأولى. ولعل المثال الأهم من الأجيال الجهادية الجديدة الملتزمة براية «القاعدة» اليوم، فرعها السوري، «جبهة النصرة لأهل الشام» بزعامة أبو محمد الجولاني. كما لا بدّ من التذكير بقدرة الظواهري على كسب ولاء حركات جهادية شابة بعد تولّيه قيادة التنظيم خلفاً لابن لادن، كما في حالة «حركة الشباب» في الصومال، التي انضمّت إلى «القاعدة» وبايعت الظواهري منذ 2012، وقد استمرّ هؤلاء على ولائهم له عند خلافه مع البغدادي.

ومع الهزائم المتلاحقة التي مُني بها تنظيم «الدولة الإسلامية»، وخسارته مساحات شاسعة من مناطق سيطرته في سورية، على وقع ضربات الوحدات الكرديّة وكتائب «الجيش الحر» المتحالفة معها، قد يشهد مجتمع «الجهاد العالمي» نهوضاً جديداً لتنظيم «القاعدة»، فرحلة المجاهدين لن تنتهي بسقوط «الخليفة ابراهيم» ودولته المزعومة. وإنّ حضن «القاعدة» الأم ينتظر عودتهم.

* كاتب سوري

الاتحاد

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...