الرئيسية / صفحات الناس / “القبيسيات”: من الدين إلى السياسة/ رائد الصالحاني

“القبيسيات”: من الدين إلى السياسة/ رائد الصالحاني

 

 

أثارت الصور المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي، مؤخراً، لنساء تابعات لـ”القبيسيات” وهنّ يشاركن بكثافة في انتخابات “مجلس الشعب”، جدلاً واسعاً بين السوريين عموماً، وخاصة بين الدمشقيين المعارضين للنظام.

ويعود تأسيس “القبيسيات” كحركة إسلامية دعوية، إلى ثلاثة عقود خلت، على يد “الأنسة” منيرة القبيسي، التي لاقت تأييداً نسائياً كبيراً في سوريا ولبنان ومصر وغيرها من الدول التي انتشرت فيها الطريقة “القبيسية”.

ولم تقتصر مشاركة “القبيسيات” على التصويت في الانتخابات، بل وصلت إلى ترشّح البعض منهن إلى المجلس، كممثلات عن المرأة في دمشق. أبرز المرشحات كانت فرح حمشو، دمشقية الأصل، وقد نجحت في الوصول إلى مجلس الشعب، عبر “قائمة دمشق الشام”، وكان شعار حملتها: “نبذ التطرف وترسيخ مبدأ الأخلاق في التعاملات”. وفرح هي قريبة رجل الأعمال الشهير محمد حمشو، صديق بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف، ويتشارك معهما جملة من الشركات والمشاريع الإقتصادية التي هيمنت على الإقتصاد السوري خلال العقد الماضي.

وتعتبر جماعة “القبيسيات” مقربة من النظام، وتمتاز كبيرات “الآنسات” في الجماعة بثرائهن، وصلاتهن العائلية مع أكبر تجار ومسؤولي العاصمة دمشق. وكان للجماعة أعمال خيرية سرية تستهدف الفقراء في المناطق التي يعملون فيها. ومن اللافت للنظر، قدرتهن على تأمين أي مبلغ مالي مهما كان، في غضون ساعات، بهدف حل مشكلة مالية لدى إحدى الطالبات أو “الآنسات” من ذوات الحالة المادية السيئة. وقامت الجماعة بإنشاء مدارس إسلامية كثيرة في دمشق وغيرها من المحافظات، لإيصال الفكر “القبيسي” إلى الطالبات منذ أعمار صغيرة.

ومعظم طالبات الجماعة “القبيسية” هنّ من المتعلمات الجامعيات والمعاصرات للتكنولوجيا والمواكبات لـ”الحداثة”.

تعد قدسية “الآنسة” من الأمور التي لا يجب تجاوزها لدى “القبيسيات”، وتكاد تصل درجة التقديس إلى “النبوة” في بعض الأحيان. فلا تجوز مخالفة أمر “الآنسة” بشيء، ولا يحق للطالبة اختيار أمورها الحياتية والشخصية إلا بإذن “آنستها”. وذلك يشمل قضايا الزواج واختيار اختصاص جامعي وغيرها من الأمور الدنيوية.

وتمتاز الجماعة وروادها بلباس معين، فالحجاب الأبيض للطالبات والأزرق لـ”الآنسات”، مع “المانطو” كحلي اللون، في تمييز لـ”القبيسيات” عن غيرهن من الجماعات الدينية.

وبدأت “القبيسيات” كتنظيم نسوي سري في دمشق وريفها، عبر إقامة حلقات دعوية لها طقوس خاصة في المنازل، وبشكل سري. ولا يسمح لفتاة بالإنضمام إلى إحدى الجماعات، إلا بمعرفة شخصية من إحدى “الآنسات” المعتمدات من قيادة التنظيم.

وكان للجماعة مئات الحلقات وآلاف الطالبات في الريف الدمشقي قبل بدء الثورة السورية، وتأتي “الآنسات” من دمشق للإشراف على تلك الحلقات. ويعتمد التنظيم مبدأ السرية مع الطالبات، ويمنع على الطالبة التكلم عما يجري في تلك الحلقات حتى في منزلها وأمام زوجها.

وفي العام 2008 أعطت وزارة الأوقاف ترخيصاً لجماعة “القبيسيات” ليقمن الحلقات في المساجد، بشكل علني، وإلغاء جميع الحلقات السرية في المنازل. واستطاعت الجماعة ضم آلاف البنات والسيدات إلى التنظيم، الذي أصبح مع الأيام هو التنظيم الرئيس في دمشق للنساء المتدينات. وباتت الجماعة تسيطر على أكثر من 40 مسجداً في دمشق وريفها القريب.

وكان من السهل جداً قبل الثورة السورية الابتعاد عن السياسة والالتزام بالأمور الدينية، لكن ومع انطلاق الثورة في الريف الدمشقي، لم تخفِ بعض “الآنسات” معارضتهن للنظام. وسرعان ما تحول ذلك التنظيم من مؤسسة دينية إلى حركة سياسية تساند النظام و”تحارب التطرف” وتدعو إلى “الجهاد” مع قوات النظام، وتروّج لـ”حرمة الخروج على الحاكم”.

أم خالد، “قبيسية” سابقة، قالت لـ”المدن”، إنها كانت إحدى “الآنسات” المعتمدات في الغوطة الشرقية، ومع انطلاق الثورة السورية لم تستطع السكوت عن المجازر التي قام بها النظام السوري بحق أبناء بلدتها. فدعت ابنها إلى الانشقاق عن قوات النظام، والذي كان حينها مجنداً يخدم في إحدى القطع العسكرية في الريف الدمشقي.

وراحت أم خالد تدعو نساء منطقتها إلى الوقوف إلى جانب الثورة السورية وعدم زج ابنائهم في معركة قوات النظام التي تقتل المدنيين المتظاهرين. وحاولت أم خالد جاهدة اقناع بعض “الآنسات” الكبيرات من اتخاذ موقف واضح من الثورة السورية، لكنهن سرعان ما انقلبن عليها وفضحن أمرها لدى النظام، حتى جاءها تهديد مباشر من أجهزة الأمن السوري، مع توقيف عملها مع الجماعة وتحذير الطالبات اللاتي يتعاملن معها. وانتهى المطاف بإم خالد في الخروج إلى تركيا مع عائلتها تهريباً عبر الطرق البرية.

ومع مرور الوقت وازدياد العنف في البلاد وانفصال الكثير من النساء عن الجماعة، والالتحاق بالثورة السورية، انتقل عمل “القبيسيات” من التوعية ضمن المساجد إلى إقامة ندوات عن “محاربة التطرف والإرهاب”، و”دور المرأة السورية في الحفاظ على أبنائها من الانضمام إلى صفوف  الإرهابيين” والانصياع لأفكارهم. كل ذلك بدعم من وزارتي الأوقاف والإعلام السورية. فأصبح ظهور “القبيسيات” على قنوات النظام الأعلامية أمراً اعتيادياً، على عكس ما كنّ يبدينه قبل بداية الثورة، من أن “صوت المرأة عورة” ولا يجب على أحد أن يسمعه، وأنها لا يجب أن تشارك في السياسة. وشاركت “القبيسيات” في حملة ترويج للرئيس في العام 2014، وجرى احتفال كبير ضم أكثر من 4000 إمرأة، دعت فيها “الآنسات” الكبار للوقوف مع الأسد.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...