الرئيسية / صفحات سورية / القوى المضادة للثورات ونمط جديد للدولة/ غازي دحمان

القوى المضادة للثورات ونمط جديد للدولة/ غازي دحمان

 

 

ظاهرة سياسية لافتة للانتباه، أفرزتها عملية الهجوم الواسعة التي قادتها نخب الدولة العميقة على الربيع العربي، وخصوصاً في الدول العربية المركزية، مصر وسورية والعراق والجزائر، تمثل ما يمكن اعتباره رداً سياسياً، أو مشروعاً جديداً لتلك النخب، على مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية التي طرحتها الثورات العربية، شعاراتٍ ومشاريع سياسية لمستقبل الدولة العربية المنشودة.

ترتكز الظاهرة على إعادة طرح فكرة الدولة، باعتبارها المقاربة الأفضل لحل الأزمة السياسية والاجتماعية التي ضربت الكيانات العربية، وكان من أسبابها، بالدرجة الأولى، تجذّر الدولة العميقة في البنية السياسية العربية، ورفضها تقديم أي تنازلات، على صعيد ممارساتها الاضطهادية والتمييزية، وكذلك على صعيد إدارتها علاقاتها الداخلية والخارجية، وقد تعززت تلك الظاهرة في مواسم الانتخابات الأخيرة، وما سبقها من إجراءات ممهدة لها، في ما بدا أنه محاولة لتخليق نمط من الدولة، وبدا كأنه إجراء ضروري، صنعته النخب الحاكمة وفق اشتراطات ومقاسات معيّنة، وجرى ترويجه، بشكل واسع، عبر الخطاب السياسي، وفي وسائل الإعلام الرسمية، بشكل ممنهج. ولم يخفِ هذا الخطاب أهدافه التي تمحورت حول إثبات انتماء الأنظمة التي صنعت الظاهرة، للنسق الدولتي المنظم، والتوافق مع توجهات النظام الدولي، وخصوصاً في الحرب على الإرهاب، ومن الطبيعي أن يشكل المعارضون، وفق هذا المنطق، حالة الما قبل دولة التي تشكل خطراً، ليس على المجتمعات المحلية وحسب، وإنما على النظام الدولي برمّته.

الواقع أن هذا الطرح إنما يتعيش، بالأصل من فشل الثورات في البلاد العربية في طرح مفهومها للدولة، ورؤيتها للحكم، وكيفية إدارتها للحكم والمجتمعات، وتصوراتها لعلاقات دولها الخارجية، حيث ساهم ضعف خبرات النخب الثوربة بدرجة كبيرة وارتباكها، بظهور تلك المقاربة المائعة للدولة، حيث يظهر أن النمط الذي تطرحه القوى المعادية للثورات، ليس الدولة بمعناها المعروف بعناصرها وأركانها، ولا الدولة الجامعة والمانعة، رداً على الانهيار الذي بدأ يضرب كيان الدولة في البلاد العربية، وإنما دولة من نمط خاص، لا تملك ركائز قانونية ثابتة، ولا سنداً شرعياً حقيقياً، دولة وظيفية، تهدف إلى تأمين جملة من الوظائف،  أرادتها القوى التي صنعتها، وهي:

“المنطق الطبيعي للأمور أن تجري تغييرات مهمة في التشكيلات والبنى السياسية والاقتصادية، لا أن يجري اللجوء إلى عمليات تضليلية لتمويه الحقائق وتزييف الواقع، هذا زمان انتهى، وأدوات تلك النظم، بقمعها البوليسي وكذبها الإعلامي، أوهن من أن تستطيع إعادة بعثه وتجديده”

– تكريس الدولة العميقة بمؤسساتها والقائمين عليها، من خلال تقنية جديدة تقوم على توريث الطبقات داخل مؤسسات الدولة، بما يضمن تأبيد هذه الدولة، عبر تمكين حاملها الاجتماعي من الاستمرارية في السلطة، وتهميش القطاعات الأكبر من الشعب، بإخراجها نهائياً من ساحة الفعل والتأثير، وتجريدها من كل إمكانية، بعد أن جرى تهميشها وإنهاكها اقتصادياً عبر عقود طويلة، يأتي دور تهميشها سياسياً من خلال تحطيم منابرها السياسية وقياداتها الشبابية التي برزت في بعض الدول فترة الربيع العربي. ووفق هذا السياق المرسوم، ستشهد المجتمعات العربية نوعاً من جدران العزل بين فئة تملك الدولة وفئات تعيش على الهامش. وإذا كانت الأنظمة السابقة عن مرحلة الربيع العربي لم تستطع إنجاز هذا الواقع، ربما لتحسبها لردات الفعل المجتمعية، وإن كانت تعيشه من دون إعلان، فإن أنظمة ما بعد الربيع لن تجد حرجاً في تطبيقه، بحجة ضرب الإرهاب والحفاظ على الأمن والاستقرار.

ـ استمرار احتكار النخبة الحاكمة للسلطة، وسيطرتها على مؤسسات الدولة، بالتأكيد على أن الدولة هي تلك الشرائح والنخب التي تديرها، واستبعاد كل ما لا ينتمي إلى أهل الدولة، ووفق هذه الصيغة، فإن الدولة هي التي تختار من يمثلها، ولا يختار الشعب من يمثله، ما يعني تضييق البعد التمثيلي للدولة، وحصره بشرائح وفئات معينة، واعتبار المكونات الأخرى مجرد فائض، ويستتبع ذلك، أيضاً، إيجاد تمايزات على صعيد الهوية الوطنية، بين مواطنين أخيار ونافعين، مقابل مواطنين من درجة أدنى، لاعتبارات بيولوجية وأيديولوجية.

– عسكرة الدولة، وإلغاء المظاهر المدنية، بحجة أنها فشلت في إرساء الإستقرار العام، أو أنها تفتح الباب واسعاً أمام الفوضى، وتسخيف كل ما هو مدني، بحجة عدم صلاحيته لقيادة الدولة، وينطوي ذلك على إعادة الاعتبار لمؤسسات الجيش والأمن، بوصفها المضحّي في سبيل عزة الدولة وأمان الشعب، مقابل تعزيز وجهة النظر القائلة إن الأحزاب لا تعدو كونها نوعاً من الترف الذي لا لزوم له.

في الواقع، لا يمكن لمثل هذه المعالجات أن تشكل خطوة إلى الأمام على طريق إخراج البلاد العربية من الأزمات السياسية العميقة التي تعصف بها، بل على العكس، التقدير أن تؤدي إلى تعميق الأزمة وتعقيدها، إلى درجة تجعلها مستعصية على الحل، وخصوصاً بعد أن تغيرت المعادلات السياسية العربية، وصارت أكثر تعقيداً بعد ثورات الربيع العربي، وتخلي الشعوب عن حالة السكون.

المنطق يقول إن انفجار الثورات العربية كان مؤشراً على هشاشة النظم السياسية ودولها، وضعف آليات الحكم، وفساد آلية توزيع الثروة وانكشاف الواقعَين السياسي والإقتصادي، بل وفشلهما في تطوير الواقع العربي والاستجابة للمتغيرات الاقتصادية والتقنية العالمية، وبالتالي،  فإن المنطق الطبيعي للأمور أن تجري تغييرات مهمة في تلك التشكيلات والبنى السياسة والاقتصادية، لا أن يجري اللجوء إلى عمليات تضليلية لتمويه الحقائق وتزييف الواقع، هذا زمان انتهى، وأدوات تلك النظم، بقمعها البوليسي وكذبها الإعلامي، أوهن من أن تستطيع إعادة بعثه وتجديده.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...