الرئيسية / صفحات الناس / الكلمة قتيلةٌ دوماً في سورية/ عبدالله أمين الحلاق

الكلمة قتيلةٌ دوماً في سورية/ عبدالله أمين الحلاق

 

 

في الوقت الذي بدأت فيه “مؤسسة سمير قصير” إحياء الذكرى العاشرة لاغتياله، بالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة في 3 أيار/مايو، يستمر استهداف وقتل الصحافيين والمثقفين والكتّاب والإعلاميين على امتداد هذا المشرق، وأيضاً بعد اندلاع الثورات العربية. لقد بشرت الأهداف الأولى لتلك الثورات بمجتمعات وبلدان حرة وديمقراطية، إلا أن النتائج كانت مختلفة. وفي يوميات تلك النتائج، استمر استهداف “الكلمة” بوتيرة متصاعدة لا يبدو أنها ستقف قريباً عند حد ما. وإلى جانب سمير قصير، وقبله وبعده، تحيي عائلات وأصدقاء ورفاق جبران تويني، ومهدي عامل، وحسين مروة، ومصطفى جحا، وفرج فودة، وباسل شحادة، وعمر عزيز وآخرين، الذكرى الأولى أو الثانية أو العاشرة أو العشرين لهؤلاء…

لم يتوقف القتل والاغتيال واستهداف المختلفين بالرأي أو الفكر أو العقيدة، منذ أكثر من ألف عام في هذه المنطقة وحتى اليوم. وتقول لنا الجماعات التكفيرية الصاعدة في سورية ودول الجوار، بأن القرون الأولى للإسلام سوف “تُبعَث” من جديد، وإن على أنقاض “البعث” وفي زمن أفوله. وتبدو الجهاديات والجماعات التكفيرية أمراً واقعاً وبديلاً لنظام آل الأسد، بالقوة وحد السيف والتهديد، وبدعم لا حدود له. وبناء على هذا الواقع الجديد، تقع الكلمة والصحافة الحرة والثقافة النقدية بين نارَي الأنظمة السياسية العقائدية من جهة، والجهاد المحلي الذي ينهل من الأفكار التي تأسس عليها عصر الانحطاط العربي، والمستمر حتى اليوم.

لقد شهد لبنان اغتيالات كثيرة طالت صحافيين وكتّاباً ومثقفين، بينما كان النظام السوري، وهو المتهم الأول بتنفيذ تلك الاغتيالات في لبنان، يكتفي غالباً بالاعتقال والتعذيب بحق مثقفين وكتّاب سوريين يكتبون ويتكلمون وهم داخل سورية قبل الثورة. وبعد انطلاق الثورة السورية، توسعت دائرة الاستهداف تلك من قبل النظام، لا لتشمل اعتقال عددٍ أكبر من الكتّاب والصحافيين والمثقفين، وإنما لتُدرج اغتيال الصحافيين والإعلاميين أو اعتقالهم في إطار أعم من اغتيال السوريين عموماً أو زجهم في المعتقلات وتحت آلات التعذيب، وضمن المقتلة المستمرة منذ أربع سنوات.

لا يمكن اعتبار النكبات المتلاحقة التي نزلت بالكلمة والمتكلمين قضية سياسية محضة، على الرغم أن الأنظمة السياسية في المنطقة وعلى رأسها النظام السوري، كانت لها اليد الطولى بصفتها صاحبة القبضة المخابراتية والأمنية التي تفتك بكل معترض عليها. ويقول لنا التاريخ العربي، في بلاد الشام وغيرها، إن عمليات الإعدام والاغتيال ليست إبداعاً أسدياً، تبعاً لبنية نظام يعجز عن “الإبداع” في أي شيء حتى لو كان الموت، وإنما هي قضية قديمة، بحيث بات نظام الأسد الأب والأسد الابن إضافتَين “نوعيّتَين” على هذا التاريخ الجثثي المديد، والذي كان من الممكن له أن يستمر في سورية “إلى الأبد”، لولا الثورة السورية، مع وعود الديمومة والخلود التي كان يحلم بها الأب ووريثه، والتي كسرتها هذه الثورة.

واليوم، لا يبدو أن عمليات القتل التي نزلت بأصحاب الرأي والأقلام الحرة “وغير الحرة” قد توقفت بعد الثورة، لأسباب موضوعية أساساً. ويَلُوح، أن ما وصلنا إليه اليوم هو استمرار آخر لذلك التاريخ القديم، والذي يحييه إسلاميون قادمون من العصور الغابرة والقرون الهجرية الأولى، جلداً وتعذيباً وقطعاً للرؤوس.

هؤلاء، لا يستمرون في فعل القتل بسبب الرأي فقط، والذي راج أيام الخلافة الإسلامية المنتهية مع العثمانيين، وإنما يستعيدون الخلافة نفسها بصفتها عنواناً للموت السوري الذي ينزل بالسوريين على اختلاف منابتهم ومشاربهم وانتماءاتهم، وهي خلافة إسلامية تدعم وترفد مسار الخلافة الأسدية “العلمانية!!” بالمزيد من الجثث والقتلى. فمن لم يمت بالبرميل مات بالساطور، والصحافي أو الإعلامي الذي نجا من الموت في أقبية التعذيب التابعة للنظام، يموت في أقبية داعش وفصائل وكتائب تكفيرية أخرى.

ويبدو “طبيعياً” تبعاً لماهية النظام الحاكم وبنيته، أن تُحارَب الصحف والمجلات والمنتديات، وأن يقوم “السيد الرئيس” باعتقال أصحابها والحكم على بعضهم بالإعدام، فيما يحتاج “سيادته” طبعاً إلى بعض الصحف التي تتحدث باسمه وتدور في فلكه وتمدحه صبح مساء.

وضمن الحديث عن تغيرات في موازين القوى لصالح المعارضة على الأرض، يزور زهران علوش تركيا ويستقبل استقبال الأبطال والفاتحين، من دون أن يسأله أحد عن مصير أعضاء مركز توثيق الانتهاكات، رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل وناظم الحمادي. إنها الضريبة التي يدفعها المثقف السوري الذي لم يتردد للحظة عن الالتحاق بالثورة السورية ولم يتردد عن أن يكون في طليعة المنضوين في صفوفها، وهي ثورة دخلت في حسابات الدول والقوى الإقليمية الداعمة لقوى محلية كان قادتها حينئذٍ في سجون النظام، عندما كان الثوار يضربون بأجسادهم قضبان تلك السجون أملاً في كسرها.

يبدو، وبناء على البعض مما سبق ذكره، أنه ستكون لمصادرة الحريات الفكرية والإعلامية واعتقال واختطاف وتصفية الإعلاميين والمثقفين والكتّاب والصحافيين مرحلة ذهبية قادمة، ما بقيت خلافة وما بقي خليفة في سورية.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...