الرئيسية / صفحات الرأي / اللحظة الإسلامية في الربيع العربي

اللحظة الإسلامية في الربيع العربي


علي حمدان

ان تنضم الجماهير العربية الى شعلة الاحتجاجات ضد الطغيان التي بدأتها الفئات الشبابية المتمردة وبعض المثقفين الثوريين مفجرة بذلك – اي الجماهير – ربيع الحرية والكرامة والوحدة الوطنية فهذا يعني، ما يعنيه من أمور أخرى، ان تبرز الحركات الاسلامية – بوصفها فاعلاً رئيساً في اوساط هذه الجماهير- كقوى رئيسة في مسار الربيع العربي وبالاخص في محطاته الانتخابية الاولى كما شاهدناه في تونس ويمكن ان نشاهده في البلدان الاخرى مثل مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين وغيرها. هذا الواقع يترجم عملياً حقيقتين رئيسيتين سادتا في عصر الانحطاط: الحقيقة الاولى هي السر المعلن منذ عقود عن الانتشار الواسع والقوي والممأسس للتدين في مجتمعاتنا، بما في ذلك ظاهرة تسييس الدين عبر تيار الإسلام السياسي، الذي استغل ويستغل هذه البيئة المتدينة ليعزز نفوذه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في اوساط الجمهور؛ أما الحقيقة الثانية، وهي مرتبطة منطقياً بالحقيقة الاولى، فتتمثل بضعف التيار العلماني، اي ذلك الذي يدعو الى فصل الدين عن الدولة (اي عن السياسة)، بكل الوانه اليسارية والليبرالية والقومية.

وبالتالي، نحن لسنا امام ما يسميه البعض بخطف الإسلاميين للثورة وكأنهم دخلاء عليها وانتزعوها عن غير حق من ايدي اصحابها الحقيقيين، اي العلمانيين. المعادلة الحقيقية هنا، وكما يؤكدها الواقع، تشير الى ان انضمام الجماهير العريضة الى عملية التغيير، يعني منطقياً ان تتصدر القوى صاحبة النفوذ الرئيسي في اوساط هذه الجماهير (ليس بالضرورة ان يرتبط هذا النفوذ بالتزامات حزبية او مؤسساتية)، اي الإسلام السياسي، المشهد العام لربيع الشعوب العربية.

إذن، الظروف التاريخية الملموسة، وليس الرغبات الذاتية والمؤامرات الآنية والاختطاف القسري وغيرها من العوامل التي ربما وجدت وربما ساعدت بهذا القدر او ذاك، هي التي حددت بأن تكون اللحظة الراهنة في مسار ثوراتنا الديمقراطية في العالم العربي هي لحظة إسلامية. فالمحطات التاريخية تحصل بفعل تراكمات موضوعية وذاتية لسنوات طويلة، بل وعقود من الزمن في الاوقات العادية، وهذا بالضبط ما حصل مع الإسلام السياسي. هنا، والحق يجب ان يقال، ان هذا التيار بقواه الرئيسية لم ينعزل عن الجماهير، بل ثابر وعمل واجتهد ونظم وناضل، واصاب وأخطأ، وتطرف واعتدل، وكان له في كل ذلك صولات وجولات مع الانظمة الحاكمة وصولاً الى بروزه كلاعب رئيسي في عملية التغيير التي تعيشها مجتمعاتنا حالياً.

في هذا السياق على وجه التحديد تبرز اللحظة الإسلامية الراهنة كمحطة موضوعية في مسار الربيع العربي فرضتها الظروف الملموسة القائمة على الارض. لكن، وهذا الاستدراك في منتهى الاهمية، اللحظة الاسلامية هنا تتسم بمواصفات “ربيعية”، اي ثورية، يفرضها مضمون الربيع العربي، قاطرة شعوبنا من نظام الاستبداد الى النظام الديمقراطي والدولة المدنية.

هنا مربط الفرس، اي المضمون “الربيعي” للحظة الإسلامية. الجماهير العربية، وبدون أية وصاية حزبية من أحد، خرجت ثائرة الى الشارع لتطيح بالطغيان وتحقق الحرية والكرامة والوحدة الوطنية. وفي طريقها لتحقيق هذه الاهداف الإنسانية العظيمة كان لا بد من ان تولي ثقتها لبعض القوى السياسية التي تراها، لأسباب عديدة، مناسبة في هذه اللحظة لقيادة هذا التحول التاريخي، فنال الإسلام السياسي موقعاً بارزاً في هذه الثقة. طبعاً، الثقة الجماهيرية الممنوحة لقوى في هذا التيار، وغيرها من القوى السياسية، ليست شيكاً على بياض وإنما هي بالاساس مرتبطة بتحقيق أهداف الثورة المشار إليها آنفاً.

نلاحظ هنا ان الجماهير في زمن الثورة، كل ثورة، تلعب دوراً ديناميكياً فاعلاً تفرض من خلاله وقائع على الجميع بما في ذلك القوى السياسية المنخرطة فيها. في هذا السياق نلاحظ ان الجماهير العربية بإيلائها ثقة رئيسية للإسلام السياسي، نتيجة لرصيده السابق في علاقاته معها، قد فرضت عليه موضوعياً التصدي لدور قيادي في عملية التحول من الطغيان الى الديمقراطية. بهذا المعنى يشكل انضواء الإسلام السياسي بقواه الرئيسية الى عملية التغيير الجارية مكسب تاريخي كبير لقوى التقدم في مجتمعاتنا العربية.

طبعاً، هنا يبرز تساؤلان كبيران ومشروعان: اولهما يرتبط بمدى أهلية الإسلام السياسي العربي للقيام بهدا الدور التاريخي؛ وثانيهما يتعلق بمخاوف احتكاره للسلطة. لا شك ان هناك تطوراً فكرياً – سياسياً جدياً لدى الاطراف الرئيسية في الاسلام السياسي العربي وبالاخص لدى حركة النهضة في تونس والاخوان المسلمين في مصر (وبالتالي إمتداداتها في العالم العربي) تجاه مسائل الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة، وهذا بالطبع عنصر ايجابي ومشجع. لكن، يبقى الضامن الرئيسي لمسار عملية التغيير هو الروحية الديمقراطية المدنية الاصيلة التي اطلقها الربيع العربي في شعوبنا والتي تتمثل بالحرية والكرامة والوحدة الوطنية. وهنا تلعب القوى الديمقراطية الاصيلة، إسلامية وعلمانية، دوراً حاسماً من خلال التعزيز الدائم لهذه الروحية وإبقاء شعلة التغيير متقدة في صدور الجماهير. وفي هذا الإطار ايضاً يلعب المجتمع الدولي في سياقات مختلفة دوراً ايجابياً بمحصلته العامة تساعد على تطوير مجتمعاتنا كدول فاعلة وإيجابية في الاسرة الدولية.

الجميع يعرف ان الاهداف الرئيسية للربيع العربي لا يمكن ان تتحقق إلا من خلال عقد اجتماعي نوعي جديد قائم على أساس الدولة المدنية الحديثة، دولة المواطنين المتساوين، بعيداً عن أي تمييز، دولة المؤسسات والقوانين التي تبدأ من الشعب نفسه وتنتهي بالشعب نفسه، اي ان شعب المواطنين الافراد الاحرار المتساوين تماماً هو مصدر وغاية كل السلطات في الدولة.

من هذا المنطلق، فان المعيار الحقيقي للحكم على كافة القوى السياسية المنخرطة حالياً في عملية التغيير، ليس التدين من عدمه، او الاستخدام السياسي للإسلام من عدم هذا الاستخدام… المعيار الحقيقي هو مدى العمل الاصيل من اجل الوصول الى الدولة المدنية الحديثة. وبالتالي، فالصراع الحقيقي في العملية الانتقالية التاريخية التي اطلقها الربيع العربي في مجتمعاتنا ليس بين الإسلام السياسي والقوى العلمانية، وإنما هو بين القوى الإسلامية والعلمانية التي تعمل من اجل بناء الدولة المدنية الحديثة من جهة، والقوى الإسلامية والعلمانية التي تعمل، بشكل او بآخر، ضد الوصول الى هذه الدولة.

بهدا المعنى، نعود ونؤكد مجدداً بأن اللحظة الإسلامية بمضمونها “الربيعي” الفعلي هي لحظة ثورية. أما تلك القوى الإسلامية او العلمانية التي تشوه هذا الربيع وتحاول إجهاضه او تشويهه او حرفه عن مساره المنطقي فهي قوى معادية للثورة وستلعنها شعوبنا وترمي بها، عاجلاً أم آجلاً ، الى مزبلة التاريخ.

في هذا السياق فان قوى الاسلام السياسي التي توليها حالياً جماهيرنا ثقة عالية في إدارة المرحلة الانتقالية تتحمل مسؤولية تاريخية استثنائية في ترجمة هذه الثقة بدور ريادي فاعل في تحقيق أهداف الربيع العربي. هنا يخط العالم العربي في ربيعه الثوري تجربة مميزة تعكس خصوصيات مجتمعاتنا في سياق خروجها من عصر الانحطاط نحو عالم العصر وقيمة الكونية. نعم، التجربة التركية في هذا الخصوص مهمة ومفيد التعلم منها، لكننا وعلى عكس هذه التجربة، حيث نشأ الإسلام السياسي التركي وترعرع ونضج في أحضان دولة حديثة ونظام علماني صارم، فإن إسلامنا السياسي العربي يواجه تحدياً تاريخياً عظيماً يتجاوز بمقاييس نوعية ما مثله ويمثله اردوغان وأسلافه، فالمطلوب منه حالياً – أي الإسلام السياسي العربي – ان يقود بنفسه عملية بناء المجتمع المدني الحديث.

وفي هذا المجال تجدر الإشارة الى انه يمكن الإستفادة من التجربة التركية في إشكالية التعاطي مع الشريعة الإسلامية. وبشكل عام وفيما هو ايضا ابعد من العنوان الاسلامي فاعتقد اننا في الجوهر لا نختلف عن غيرنا من الشعوب في التعاطي مع قيمها الروحية والتاريخية. وبهذا المعنى فالثقافة الإسلامية هي مصدر رئيسي لقيمنا وأخلاقنا وعاداتنا العربية، ومما لا شك فيه انها ستلعب دوراً هاماً في صياغة آليات إدارة مجتمعاتنا. وفي الوقت نفسه فإن البشرية في مسار تطورها قد انتجت قيماً إنسانية كونية أساسية من المستحيل الإندماج بعالمنا المعاصر والتفاعل الحيوي معه وهو من بين الأمور الرئيسية التي يطمح اليها الربيع العربي، بدون إعتمادها مبادئ تأسيسية في حياتنا وفي المقدمة من هذه القيم قضيتا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

طبعاً، ان مسؤولية القوى الرئيسية في الإسلام السياسي لا تقلل من المسؤولية الموازية للقوى العلمانية بأطيافها الليبرالية واليسارية والقومية، بل ان مسؤولية هذه القوى الاخيرة أكبر وأعظم شأناً. فهي، “كأم الصبي”، معنية وجودياً بالانفتاح الايجابي، الصادق والاصيل على قوى الإسلام السياسي “الربيعية” من اجل العمل معاً لبناء الدولة المدنية الحديثة.

هذا النهج لا يعني ممالأة قوى الإسلام السياسي والتغاضي عن الاخطاء والانحرافات والتشويهات المحتملة، المقصود منها والعفوي. على العكس تماماً من ذلك، فالمطلوب هو إقامة علاقات نقدية صراعية ايجابية بين مختلف القوى السياسية المنخرطة في عملية التغيير وذلك بهدف التصويب الدائم للمسار والحفاظ على التداول السلمي والدوري للسلطة والتعميق المتواصل لوعي الجماهير وزيادة دورها في صناعة حاضرها ومستقبلها.

ان الطريق طويل ومعقد ومليء بالاشواك، ونحن في بداية عملية الإنتقال التاريخية نحو العقد الاجتماعي الجديد، واللحظة الإسلامية في الربيع العربي ستتبعها لحظات ومحطات تحمل بلا شك سمات أخرى، فهذا قدر الثورات في التاريخ. نحن في زمن جديد ومطلوب منا جميعاً ان نفكر بطريقة نوعية جديدة تعكس الحركة الثورية لمجتمعاتنا وتتجاوز ترسبات الماضي وتشويهاته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...