الرئيسية / صفحات سورية / الله ..والرئيس .. والقائد .. وبس ؟!

الله ..والرئيس .. والقائد .. وبس ؟!

 


سيمون خوري

الله والقائد والرئيس… و ” بس ” ثم الشعب ..؟! أي شعب ..؟ ليس مهماً ، قد تستاجر قطيعاً وتطلق عليه صفة جماهير.. . وقد تخرج عناصر الأجهزة الأمنية في تظاهرة مليونية .. أو مجندي الخدمة الإلزامية.. أو مرتزقة من دولة أخرى كما حدث ويحدث. وقد يموي جليساً في ” برلمان ” أو شاعراً بالقطعة.. أو صحافياً لا يعرف قيمة الحرف.. المهم هو الشعار، الله والقائد والرئيس وبس. هنا تتضح ميدان الاستعارة والتشابه. والنرجسية المفرطة في الذاتية الى حد المرض، لغرور حاكم قاتل . حاكم متنرجس استولت عليه فردية مفرطة فلم يعد يعرف معنى التواصل مع العالم الخارجي. وفقد الإحساس بمرور الزمن، فكما أن الإله خارج الزمن، كذلك الرئيس. لذا شئ غير عادي أو مسألة تثير الغرابة بالنسبة للحاكم الفرد ، أن يثور الشعب أو جزء منه ضده . قراءة تصريحات ألقذافي وعلي صالح والأسد وآخرون على الطريق ، حول مناعة نظامهم العائلي ، تشكل نموذج واضح وقابل للدرس ألمخبري للبنية الفكرية الباهتة لهذه الرموز .

الله الغائب كحالة وجودية، والقائد الحاضر المتجسد في كافة الميادين والساحات العامة، عبر حضوره المعنوي بالصوت والصورة. هنا تتجلى الفكرة وهي أن شعار ” الله والقائد وبس ” ليس دفاعاً عن الله الغائب. بل عن القائد الحاضر . هذه أل ” بس ” تعني دلالة حصرية ، بمعنى فقط حصراً. لأن كلمة ” بس ” تعود الى تأكيد حضور القائد وعدم جواز منازعته في ” سلطاته “. فقد أسبغت اللغة ،على الشعار الديكتاتوري فكرة ” الفر دانية ” حتى في تعبيراتها الدينية . حيث تستمد كلمة ” بس ” موروثها الرمزي من الإرث الديني الضارب في عمق تاريخ المنطقة . في تحولها إلى كراهية الآخر المختلف. إلى حد القتل ، فالشعار الحصري في الولاء السياسي ، يستخدم اللغة كمحفز للقتل .ولمناخ من التعصب متعكز سواء على نص ديني متخلف أو مستندة الى قانون سلطوي لحاكم مستبد ” قانون طوارئ “. قتل المخالف سواء أكان فرداً أم شعباً..؟! عملياً تحول الى قرار سيادي لحاكم حمار بل لقاتل . يشرع القتل ويشجع الاحتكام لمبدأ القوة في علاقات الناس مع بعضها. وفي علاقاتها مع النظام السياسي . سياسات متخلفة تستند على معادلة إعادة إنتاج لعقلية القبيلة والطائفة. التي لم تغيب عن واقع حال المنطقة. ومدمرة لمبدأ سيادة القانون والمنطق وحقوق الإنسان والمواطنة. هذا الشعار الذي يكرس شخصية ” الديكتاتور” بصفته هو القانون.. هو مانح الحياة ، صانع البلاد .. هو القرار .. هو الأول والأخر.. ومن بعدي الطوفان ؟! .

يوصف ” العقل ” عادة، أنه أكثر الأجزاء تعبيراً عن شخصية الإنسان. ويحدد فرادته من عدمها . ” سقراتس ” كان دميم الشكل ، بيد أنه كان أكثر الناس احتراما لحق العقل النقدي .. كما أن نوعية الثقافة، تحدد طبيعة السلوك. وتعكس طبيعة القوانين الأخلاقية الناظمة لهذا العقل. في عالمنا العربي ، كان النقد تهمة تؤدي بصاحبها الى الهلاك . وعلى مر التاريخ والعصور كانت السلطة قائمة على نفي الصوت الأخر. سواء أكان أثنياً أم طائفياً أو سياسياً . فالحاكم، كان يبيح لنفسه حق المنع أو المصادرة أو السماح للأخر بالتنفس بحدود لا تتعارض مع مصالح الحاكم. ليس هناك نظام تاريخي، ترى هل يمكن اعتبار أن بلاد اليمن وليبيا وسورية تحكمها قوانين اجتماعية وحقوقية واقتصادية عصرية..؟! أم هناك حاكم فردي، أحاط نفسه بمنظومة معقدة من العسس الأمني، جزء من نظام ” البطالة المقنعة ” وبجماهير مخدوعة بشعارات لفظية جوفاء ، قومجية وشوفينية ودينية .. وأممية خضراء وحمراء وصفراء ، وكل ما قد يخطر على البال .

في مطلق الأحوال هي أنظمة ” عمر بن العاص ، و الحجاج ” وشعارات متخلفة ، من إنتاج فكر ديكتاتوري شمولي نرجسي. أعاد إنتاج عقلية الاسترقاق القديمة. التي حولت شخصية شعوبها إلى مسوخ كفكاوية، وعبيداً للسلطة. ربما علينا شكر جيل الشباب الذي أحدث زلزالاً في بنية الفكر المحافظ الذي يسكن بعض العقول ، تحت يافطة الخوف من التقسيم والتدخل الخارجي والفتنة الطائفية ..الخ المصطلحات التي تدعوا الى ” اتقاء الله ” فيما يحصل والحفاظ على الطهارة والعذرية الثورية أو الأيديولوجية. رغم احترامنا لحق الاختلاف ..لكن يمكن أن نرى الأشياء أوضح في ضوء الشمس أكثر مما نراها في ضوء القمر. رغم صداقتي للقمر والبحر والورد والفقراء والمتعبين وللحب وللعشاق .

نحن عملياً نعايش حالة انقلاب تاريخي راهنة في سلم القيم الأخلاقية.. وهي بكل تأكيد حالة إيجابية مستقبلاً . بين علاقة تحاول استمرار تكريس حالة العبودية التاريخية ، سواء كأثينية أو دينية . بحجة الحفاظ على الاستقرار السياسي الوهمي . وبين حالة أخرى جماهيرية عفوية، تمردت على مصطلح الاسترقاق من موقع حقوق المواطنة والتعامل مع الوطن كمكان جغرافي ومع مواطن فوق الطوائف والمذاهب. رغم محاولات بعض القوى الأصولية ركوب موجة التغيير . وهي حالة مفهومة في فترة انتقالية من حياة الشعوب .

ما حدث ويحدث، يندرج في سياق مفهوم الرغبة في التغيير والتمرد على ما هو قائم من ظلم واستبداد واستغلال. هي حالة تعبرعن فشل برامج كافة الأحزاب وشعاراتها يميناً ويساراً وقوى أصولية .وعن رغبة حقيقية في الإستقلالية الفردية ، والتحرر كجماعة بشرية تتوق الى تبني خيارات جديدة . فلا النظام الشيوعي، ولا النظام الرأسمالي، ولا الدين بخطابه الراهن قادر على طرح حل عملي لمستقبل المنطقة. ربما هناك حالة فراغ أيديولوجي .. وربما نتساءل جميعاً من الذي سيملئ هذا الفراغ الناشئ ..؟ وأسئلة سياسية أخرى كبيرة وصغيرة، ستبقى دون إجابة. بيد أن التطورات الجارية وفي سياقها الزمني، قد تفرز معطيات جديدة. و قوانين جديدة أخرى تنظم الحياة من جديد وهي كحالة الشارع المصري والتونسي . فمن الصعب مطالبة الشارع التونسي أو المصري بتحقيق ذلك النموذج الذي يحلم به بعضنا.. ونصدر قرارنا بالحكم على هذه التجربة على ضوء تصوراتنا الذاتية وأمانينا . فالقاعدة العامة هي أن هناك فارقاً بين ما تريد وبين ما تستطيع تحقيقة . ما يمكن تحقيقة الأن يمكن تطويره . فلا شئ يرواح في ذات المكان .

أعتقد أن الموضوع يتجاوز بكثير أساليب تفكيرنا القديمة. بل وأنظمة مشاريعنا ” الوطنية ” في بناء الوطن. المنطقة بأكملها تعيش مرحلة البحث عن الهوية من جديد. عن مشروع بناء دولة المجتمع المدني الحديث الديمقراطي. بعد تاريخ من الإرث ملئ بالحروب والنزاعات . لمجتمعات فشلت الأنظمة السابقة والراهنة في تحقيق انتقالها من مجتمع البداوة والقبيلة والطائفة الى مجتمع حديث . لاحظ حالة المجتمع الفلسطيني، رغم تلك القيمة الفكرية الثرية للحركة الوطنية الفلسطينية، بيد أن عقلية العشيرة والعائلة والطائفة، لا زالت هي السائدة. فالانتماء الجهوي أو ألمناطقي تحول الى هوية سياسية. كما في حالة ” حماس ” وبعض التنظيمات. ووصل الحال بالبعض الى عقد ” المؤتمر الأول للعشائر الفلسطينية “. في إطار بحث بعض القوى السياسية، عن قاعدة اجتماعية جديدة لدعم سياساتها الهوائية. وفي البلدان الثلاث ليبيا واليمن وسورية خرجت على السطح فوراً عقلية القطيع القبائلي والطائفي. إنها بحق كارثة مأساوية تعيشها المجتمعات العربية .

لم يدرك حكام المنطقة، أن اليأس من الإصلاح طيلة عقود من الزمن هو صانع التطرف. وهو الذي أدى الى تفريخ العديد من الأنوية المتطرفة. لكن عندما يصاب النظام بتكلس على كافة المستويات ويغرق في بحر من الفساد . تصبح عملية الترميم محاولة فاشلة لبناء شارف على السقوط. لذا تكلفة الترميم تفوق تكلفة السقوط وإعادة البناء. ترى من هي الجماهير التي استفادت من خيرات بلدانها..؟ ملايين المهاجرين الاقتصاديين، ومئات الآلاف من المهاجرين والمنفيين من أوطانهم.. واقتصاد منهوب وثروات خيالية في بنوك ” الامبريالية ” لعائلات حاكمة من اللصوص والقتلة .

ليبيا، واليمن، وسورية، ثلاث نماذج لأنظمة تقاسمت شعارات سياسية متخلفة أيديولوجياً وعقلياً في الدفاع عن نظام العائلة الحاكمة. ليس هناك نظام سياسي .بل نظام أمني قمعي بوليسي .تتقاسم شعارات فارغة من أي مضمون سياسي ، ترتدي مظهراً عبود ياً . تعبر عن مدى ما حققته أيديولوجية النظام من نجاح في مسخ شرائح عديدة من مواطنيها وتحويلهم إلى كائنات غير عقلانية. أصيبت بالعمى .

فعندما لا يستطع طبيب العيون قراءة المستقبل ،وتحقيق الإصلاحات المطلوبة بطريقة حضارية وديمقراطية ، لحظة مخاطبته لأعضاء برلمانه الذي سبق وأنتخبه خلال لحظات عبر تغيير فوري لنص دستوري ، لم يعرض على لجنة قانونية لدراسة التغيير الدستوري ، كما الحال مع موضوع قانون الطوارئ ” . وعندما لا يستطع صاحب ” النظرية العظيمة ” رغم أنه ليس صاحبها، من إدراك أن لا حتميات في التاريخ والتغيير هو قانون الحياة الأبدي. وعندما لم يستطع جاويش اليمن إدراك أن تأثير ” القات اللغوي ” طيلة عقود من الزمن ووعود الإصلاح الوهمية ، قد تؤدي إلى مفعول عكسي .. فاليمن هي سيف ذي يزن.. وفئران سد مأرب عندما يضرب الجوع والعطش قراهم.. وليست جنة بلقيس الأسطورية .. نصبح هنا أمام مستوى من الحكام غزت المبالغة والغرور عقولهم وحولتهم الى مجرد حالات ” فينومينولوجية ” ظاهرات صوتية فقط . خواء ، تعتمد على استجداء العاطفة من مؤيديها الذين حولتهم الى حناجر بأفكار جاهزة لممارسة فعل القتل .دفاعاً عن أسيادهم من الحكام والجزم العسكرية الأمنية الأخرى . بعد عقود من الحكم العسكري، تذكرت هذه الأنظمة فجأة مطالب الشعب.. ؟!

القائد وبس، تحول إلى شعار سياسي نازي. إفراز طبيعي لحالة مرضية اسمها الديكتاتورية.. ما الفارق بين هذا الشعار العبودي ، والشعار النازي ” هايل هتلر ” القائد وألمانيا وبس ..؟ كافة الأحزاب القومية والفاشية التي نمت مع تنامي الفكرة الآرية حملت ذات الشعارات ” الله والوطن والقائد…؟! ” وبس .. حتى الرئيس ردد القائد والشعب وبس..؟ شعار يحمل في جذوره الأيديولوجية حالة تأليه للقائد وأتباعه.

الديمقراطية تعني .. أن تحكم مع وجود معارضة، يحق لها الاعتراض. وتمتلك الحق في التعبير عن موقفها عبر كافة الأشكال والوسائل سواء التنظيمية أم الإعلامية. في كافة بلدان العالم المتحضر لا يوجد وزارات إعلام.. لأن الحرية هي ملك المواطن .وبالتالي فالمواطن يملك حق الاعتراض والاختلاف . والصحافة هي عين وضمير المواطن تراقب وتحاسب السلطة التنفيذية والتشريعية معاً. الصحافة ليست تواليت النظام وعائلته

الآن تتشابه الصورة مع إختلاف المكان والمعطيات .. كافة المعارضين لنظام عائلة ألقذافي وعائلة علي صالح، وعائلة الأسد. حتى العناصر اليسارية والديمقراطية أطلقت عليهم أجهزة إعلام هذه الأنظمة ، صفة عناصر إسلامية أو إخوانجية ومن أتباع بن لادن …!! شئ مخجل لهذا الإعلام الغبي . الذي يبدو أنه لم يدرك أن كلاماً من هذا النوع رغم أنه يصب في خانة القوى الأصولية المتطرفة ،فهو أيضاً تعبير عن حالة ” هزيمة ” معنوية وسياسية تؤسس لهزيمة كبرى وخروج من التاريخ .كما خرج ” هتلر ” وبقيت أثار الكراهية والقتل التي خلفها نظامه . هنا أيضاً ستبقى أثار تلك الكراهية التي خلفتها عقلية الاسترقاق، وكيف تكون عبداً للسلطة سواء برمزها الأعلى السياسي أو برمزها الدنيوي..

سيبقى الله كفكرة ، وسيرحل القائد والرئيس ترافقه ” بس ” . وسيبقى الشعب صانع مستقبله.

. للشاعر اليوناني ” ريغاس فيرياس ” 1821 قول جميل ، أن تعيش أربعين دقيقة حراً ، أفضل من أن تعيش أربعين عاماً عبداً.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...