المتقاعد

 


عباس بيضون

رحل بن لادن. رماه الأميركيون في البحر. ما كان فعل أفضل بهم. كانوا في سويته على كل حال وليس في هذا شرف لهم. أمضت المحطات يوما وأكثر وليس فيها سوى هذا الخبر. غالبنا سأمنا من تكراره فبنا عطش إلى أخبار ليبيا واليمن وسوريا. انتظرنا خبر بن لادن حتى مللنا من الانتظار والناس حين تتعب من انتظار شيء قد تنصرف عنه وتجافيه. جاء خبر بن لادن بعد ان فات موعده وتفرق المنتظرون. سيضيع خبر بن لادن كما ضاع جثمانه في البحر، نعرف انه لن يحدث فرقاً، ما سيحدث فرقاً هو انتفاضة مصر وانتفاضة تونس وبعدهما أحداث ليبيا واليمن وسوريا. هذه نتسقط أخبارها بالساعة ويغيظنا أنها لا تتجدد كل ساعة وتتغير ببطء ويزداد نزيفها الدموي، يوماً بعد يوم، تدفقا. ما أن بدأ الانفجار التونسي حتى سقط الخيار البن لادني أرضا. كان ساقطاً من قبل مع الزرقاوي في العراق وفتح الإسلام في لبنان. كان هناك برجا تجارة وبنتاغون واحد. انهار برجا التجارة في لحظة صاعقة على قرابة الـ3000 قتيل. أصاب هذا التفوق الغربي في مقتل وظلت أميركا وقتاً في رعب من عودة «المسلمين»، لكن هذا كان «قمة» لم تعاود القاعدة بلوغها. احتلت أميركا العراق في أيام لكن النصر لم يدم طويلاً. لقد حركت بركاناً نائماً وسرعان ما اندلعت النار، أما أفغانستان التي سيطرت عليها بسهولة مماثلة فلم تستطع أن تبسط عليها سيطرة كاملة. فيما ظل بن لادن والظواهري مختفيين أعواماً طويلة. كانت «القاعدة» مثلاً في الجرأة والسرعة والفاعلية، ورغم ان قادة دينيين وسياسيين وفكريين عرباً أدانوا حادث البرجين. إلا ان العربي والمسلم العاديين شعرا بالتشفي لدى رؤيتهما الغرب لا ينجح في معاقبة قادة القاعدة ولا في إسكاتها. لم يغب عن العرب والمسلمين انسداد طريق القاعدة ومأزقه، لكن العرب والمسلمين كانوا وصلوا إلى ذات الطريق المسدود ووجدوا أنفسهم منذ وقت أمام الحائط. كفت الكثيرين رمزية القاعدة، لقد شنت الحرب العالمية الوحيدة الممكنة وأثارت الرعب الغربي وقدمت المشهد الساطع لدمار الامبراطورية وحولت الانتحار إلى قوة. كانت القاعدة التنظيم الذي اعتمد على قوة اليأس. الواضح أن محاولة العرب والمسلمين اللحاق بالغرب انتهت إلى هذا اليأس. كانت الفجوة تتسع مع الزمن، ومشروع الدخول إلى العصر ظل يعود إلى الصفر، كانت القاعدة هي هذا الانطلاق من الصفر وهي قوة اليأس وهي الرعب الانتحاري. بدلاً من اللحاق بالغرب حلت فكرة تدميره أو تدمير ذاتنا فيه، بدلاً من الدخول في العصر حلت فكرة معاداة العصر، كان السلب يتحول هكذا إلى قوة فعلية. استثمرت القاعدة الانتحار بالدرجة الأولى, وجعلت منه أسلوب قتال. جعلت منه رعباً حقيقياً. لم يكن هناك بعد أي وعد بالمستقبل. تم تدمير المستقبل وهو لا يزال جنيناً. غدا التدمير البحت المستقبل الوحيد المنظور والقوة المستقبلية الوحيدة. غدت حرب الرموز حقيقية، صار قتل الرمز أفعل من قتل الشخص. وفي حرب الرموز بدت القاعدة جبارة، لقد جعلت أميركا ترتجف. استدرجتها إلى حرب لا تنفع فيها القوة النووية وتتعادل فيها قوة العصابة وقوة الدولة الأعظم. كان بن لادن يدير الشر العالمي من مخبئه وهذا المخبأ بدا أركان حرب خفية.

لكن القاعدة تردت حيث لا تسعفها الرموز، لقد تردت في الداخل، في حروبها العربية على وجه الخصوص، تردت في العراق وفي لبنان وفي المغرب. هنا تغيرت المعادلات وتغيرت الرموز. لم يعد قتل الأهل يحمل أي قوة رمزية. لم يبد قتل الشيعة في العراق أكثر من عمل قذر. لم يكن قتل الجنود في مهاجعهم قريباً من تدمير البرجين. تردت القاعدة في الحروب الأهلية إذ لم يكن في حروب كهذه أي حضور فعلي لقوة اليأس، أي سحر للتدمير. أي سر في قتل الجنود، أي رمزية في تدمير ضريحي الإمامين. هذه المرة كان التدمير ذاتياً وكأن اليأس يرتد إلى صاحبه. كان القتل هكذا رخيصاً ومبتذلاً.

هل قتل بن لادن في وقته، لا نستطيع أن نتأكد. لكننا نعرف انه مات منذ اللحظة التي لم يعد فيها إيجاده الهدف الأول، مات حين لم يعد يعني الشيء نفسه بالنسبة للعرب. لم يعد البحث عنه راهنا، صار كأنه من الماضي. انتهى الوقت الذي ينتظر الجميع فيه العثور عليه. تعبوا وهم ينتظرون ثم سئموا. ثم جرت مياه كثيرة تحت الجسر كما يقال ولم يعد اختفاؤه سر العصر. لن يكون قتله لذلك مفاجأة العصر. تعبنا من الانتحارات التي تمزق الفقراء الذاهبين إلى صلاتهم، او المجتمعين للبحث عن عمل يقتاتون منه، هؤلاء غير جنود الامبراطورية، وأماكنهم غير برجيها وقتلهم غير تدميرها. انه نوع من تدمير المدمر، من قتل الفقراء والصعاليك، من الانتحار وسط الركام والخرائب. فرق بين الحرب ضد الامبراطورية والحرب ضد شرطة معزولة. فرق بين تدمير البرجين وتدمير مزارات مقدسة مكشوفة. لم تنجح القاعدة في حروبها الأهلية نجاحها في حربها ضد الامبراطورية. في الحرب الأهلية ستكون جزءاً من الأهل وستتصدى للأهل في النهاية، وستكون الموازين هي الموازين. والأسرار هي الأسرار ولن يكون للقاعدة حينذاك عنفوان قاهرة الامبراطورية. تبقى لها قوتها وعنفها وفاعليتها، لكنها قوة بدون سر، بل هي قوة مكشوفة وجرائم معلنة، القاعدة قاتلة الأهل هي غير القاعدة قاهرة الدول.

منذ بدأ انفجار تونس ولحقه انفجار القاهرة لم يعد بصر العربي مسمراً على القاعدة. صارت القاعدة حكاية منتهية. صارت تقريباً من الماضي. مع انفجار تونس لم تعد المعركة ركوب جدار وركوب مأزق وركوب يأس مقيم. لم تعد المعركة مركب اليأس أو مركب الانتحار. لقد بدا المستقبل ماثلاً وأمكن الظفر به في مدى أقل من شهر. حصل الشيء نفسه مع مصر. أمكن في كل مكان الوصول لبرنامج عملي ووسطي: التخلص من الحزب القائد او الحاكم. رفع حالة الطوارئ. الخلاص من النظام الأمني والمافياوي غالباً، إخراج العائلة الحاكمة. محاربة الفساد والكسب غير المشروع. برنامج بدا واحداً لجماهير خرجت في عدة بلدان ولا تزال تخرج. إنها قوة تجازف بالنفس. قوة اليأس لكن الإيجابي، قوة انتحارية، ولا أقول إنها قوة الانتحار، وهي هكذا تخيف وتجبر المعتدي على أن يقف وتجعل رصاصه غير ذي بال. إنها قوة تعد بالمستقبل وتؤمن به وتبدأ منه ففي اللحظة التي تنزل فيها إلى الشارع يحضر المستقبل، في اللحظة التي تقرر فيها المجابهة السلمية يكون المستقبل معها.

تغدو المواجهة السلمية مبدأ، يصرخ المتظاهرون «سلمية، سلمية» ويغدو السلم قوة لهم، لا تستطيع السلطة ان تقتل إلى الأخير، لا تستطيع ان تستمر في القتل، في لحظة ما لا بد ان تتوقف. عندئذ تكون اللعبة انقلبت عليها. عندئذ لا يبقى محل لقوتها، التراجع امام الجماهير التي تنجح في تفكيك السلطة، تنجح في كشف انفرادها وعزلتها ومافياويتها وعائليتها، من اللحظة الأولى التي تخرج فيها تكون نجحت في الخلاص من همودها. تكون انتصرت، الآن أو غداً فالسلطة التي تقتل لا تدوم إلى الأبد. السلطة التي تعتدي ستكون وحيدة وستسقط.

يعثرون على بن لادن أخيراً، لكن بعد أن يكون هو نفسه تخلص من أسطورته. يعيش في مجمع سكني لكن بلا تلفون أو أداة اتصال. كيف يمكن لقائد أن يعيش بدون أن يتصل بأحد. يعيش قريباً من ثكنة، هل يعيش في ظلها أو حمايتها. كل شيء يدل على انه متقاعد. كل شيء يدل على انه يعيش في سكينة وهدوء. هل كانت هكذا حياته حينما كانت القاعدة تدمر البرجين. أم انها حياته حين كان الزرقاوي يقتل العراقيين في العراق أو فتح الإسلام تقتل اللبنانيين. يعيش مع آخر نسائه، وينجب منها، إنها حياة بطيئة ورتيبة. لقد اندلعت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وليس أمامه إلا أن يعيش كمتقاعد. اندلعت وليس أمامه إلا أن يرحل.

السفير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...