الرئيسية / صفحات الثقافة / المثقفون العرب: صورة الواقع وضرورات المستقبل

المثقفون العرب: صورة الواقع وضرورات المستقبل


فايز سارة

كيف تبدو صورة المثقف العربي اليوم؟ هو سؤال مهم وضروري، ليس فقط من اجل تحديد موقع المثقف العربي في خريطة المجريات العربية، وهو امر ضروري القيام به، بل ايضاًً من اجل رؤية ما يمكن ان يقوم به المثقف العربي من دور مستقبلي في عالم عربي يقف اليوم امام تحولات عاصفة، سوف تنقله الى واقع مغاير ومختلف، وقد شرعت بعض بلدانه في ذلك فعلا، على نحو ما يحدث في تونس ومصر وليبيا.

والتدقيق في ملامح صورة المثقف العربي اليوم، تؤشر الى توزع المثقفين العرب الى ثلاث مجموعات، مجموعة منخرطة في مشروع السلطة الذي يمكن القول، إنه مشروع بلغ حد الفوات الذي لا أمل منه، وليس له مستقبل سوى مزيد من الترديات، ولن تنفع فيه أية «إصلاحات» سواء كانت عبر رشى مادية وإجرائية على نحو ما تقوم به بعض السلطات في بلدان عربية تملك موارد مادية عالية. كما لن تنفع فيه منهجيات الديماغوجيا والتضليل الذي تتابعها سلطات فاسدة ومستبدة مستندة الى عواطف شعبية، وتقوم في خلالها بحملات تعبئة ذات أبعاد وطنية وقومية جوهرها قول حق يراد به باطل.

هذه المجموعة من المثقفين العرب، ليست اكثر من بنية موظفة في إطار مشروع سلطوي، وأساس وظيفتها امران، اولهما ان توضع في الترسانة الفكرية والايدلوجية للنظام بدل ان تذهب الى خصومه وناقديه، والثاني توظيفها في خدمة التبرير والتنظير الضروري الذي تحتاجه السلطات في معركتها للحفاظ على وجودها ودعم سياساتها.

والمجموعة الثانية من المثقفين العرب لها نزعة نقدية، تجعلها في موقع المختلف مع الأنظمة من دون ان تذهب الى التناقض والاختلاف او التوافق الكلي معها، وأغلب المنتمين الى هذه المجموعة مثقفون أسسوا انفسهم عبر مسارات متعددة، البعض بذل جهوداً مضنية ولا سيما في المجال الثقافي والمعرفي والاكاديمي لأخذ مكانة وموقع في الخريطة الثقافية لبلده وفي الخريطة الثقافية العربية في الأبعد منها العالمية، وبعضهم تطورت مكانته تحت تأثير العوامل السياسية بجوانبها السلبية والايجابية وبتفاعلاتها، التي كانت على مدار عقود طويلة بوابة لإفراز وتطوير نخبة تتجاور في داخلها المكونات السياسية والثقافية، يشكل مثقفون من هذه المجموعة بعض شخصياتها.

وغالبية المنتمين الى هذه المجموعة وجدت طريقها الى مواقع الخبرة نتيجة علاقاتها، كخبراء لدول وهيئات ومنظمات في اطر عربية وإقليمية ودولية، عززت حضورها ودورها المستقل بدرجات متفاوتة.

اما المجموعة الثالثة من المثقفين العرب، فهي الأوضح، والأكثر تعبيراً عن هوية المثقف بوصفه قوة في تغيير الواقع الذي يحيط به الى درجة يمكن القول، إن هذه المجموعة تنتمي الى تيار المعارضة الذي لا يقتصر في طبيعته على المعارضة السياسية، بل والثقافية، وقد يمزج بينهما في نسيج واحد، يتضمن الى جانب الهوية السياسية والثقافية هوية اجتماعية واقتصادية.

وميزة هذه المجموعة من المثقفين العرب أنها من قطاعات شعبية ناهضة وخصوصاً من أبناء الطبقة الوسطى، وأكثريتها من الشباب، الذين اغلقت الانظمة القائمة بطبيعتها وسياساتها وممارساتها افق التطور والتقدم امام الفئات الشعبية وبخاصة أبناء المدن الصغرى وأبناء الأرياف المحيطة بالمدن، والتي تعرضت لانتهاكات وتهميش من كل الألوان والمستويات، مما دفع المثقفين للانخراط العملي والكثيف في قضايا مجتمعية تختلط فيها السياسة بالثقافة، وتقدمت طلائع من هذه المجموعة لتلعب دوراً ظاهراً في أحداث العام الأخير، في العديد من البلدان العربية، سعياً وراء تغييرات جوهرية في حياة سكان تلك البلدان.

لقد كشفت ثورات الربيع العربي واقع الانقسام الحاد داخل النخبة الثقافية العربية. وجعلت تجاذبات جماعاتها او مجموعاتها اشد وضوحاَ, ودفعت الى مواجهات ولا سيما بين المؤيدين والمعارضين للسلطة من المثقفين، فيما سادت حيرة الموقف التي شوشت أذهان الجماعة الوسطى من المثقفين، من دون ان يمنع ذلك من حدوث تناقلات بين المجموعات الثلاث، وإن اختلف الحال بين بلد وآخر.

وإذ أدت ثورات الربيع العربي عند انطلاقتها وفي المراحل الاولى الى تناقلات بين المنتمين للمجموعات الثلاث من المثقفين العرب، فإن انتصار بعض تلك الثورات ادى الى تطور أهم، وهو توسيع قاعدة المجموعة المعارضة من المثقفين، صاحبة المشروع البديل، والتي انضم اليها معارضون عاشوا فترات طويلة تحت خيمة السلطة، وآخرون ممن اتسمت مواقفهم بالنقدية من تلك السلطة، لكن الجميع وفي ظل انتصار ثورات بلدانهم، فتحوا الأبواب مشرعة للقيام بدور جديد يقومون به في خدمة بلدانهم وشعوبهم، التي لا شك انها بأمسّ الحاجة الى رؤى وأفكار ومشروعات وطاقات، تخرجها مما خلفته سلطات الاستبداد والاسستئثار، التي مكثت طويلا على صدر الشعوب.

كاتب وناشط سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دعد حداد: مرآة أنثوية متشظية في عقود الخراب السوري/ مازن أكثم سليمان

    ■ إن أي فعلٍ تأويلي متمعنٍ ينبغي أن يقلب مستويات القراءة تقليبا مستمرا، ...