المثقفون

 


عباس بيضون

… لم يمر على الشعوب العربية يوم كان فيه المثقفون في المعترك كهذه الأيام. حين نقول ان الشباب في تونس أو مصر أو اليمن أو ليبيا أو سوريا هبوا إلى الساح وخاضوا عمار الصراع وكانوا لولب حركة اتسعت من حولهم وأضوت حلقات أخرى من الجسم الجماهيري، لقد سقط في لحظة، او هكذا بدا، ذلك الحاجز السري الذي كان يحول بينهم وبين الجمهور. الحاجز الذي كانت تتحطم عليه كل محاولاتهم لتجاوز عزلتهم والخروج من حياة السلك التي تحاصرهم وتحجز تأثيرهم وتحصره بينهم وفيهم وتمنعه من أن ينفد إلى الخارج. لا نعرف الآن إذا كانت لذلك مقدمات، ولم نعرف ما الذي جعل هذا التأثير في هبة واحدة قادراً وألقى بشرره وسط الحشود وأوقده ونشر لهبه في عشرات الألوف ومئات الألوف، وجعله يمس ويلقح عمق الجمهور ويستفزه ويحمله إلى الصراع، لا نعرف لذلك مقدمات واضحة، الانتقال من سلبية كاملة إلى حراك نشط والخروج من عزلة إجبارية للمثقفين إلى الفعل والتأثير لم يتدرجا ولم يسبقا بإرهاصات واضحة ولم يتسلسلا بل كانت هبة واحدة. لا نعرف إلى الآن عمق هذه اللحظة ومداها، لكنها مع ذلك لحظة اعجازية، بدا فيها كل ما خابت مساعيه وكل ما بدت محاولاته طعنا في الفراغ وعبثاً في عبث. كل ما بدا في غمار السنين معاندة للقدر وتحديا للطبيعة واعتداء على الطبع والغريزة والخلق، ظهر انه كله قد تيسر وتسهل واستقام في لحظة. في لحظة تغير النظام السائد وتغير طبع الأمور وتغيّرت موازينها وعلاقاتها وانكسرت اسيجة وأطر وحدود ودخلت الطبقات في بعضها البعض وتماست جميعها وشملها كلها تيار واحد. ذلك ما لم يحدث منذ دهر، لم يحدث منذ أكثر من نصف قرن ان تماس المثقفون والجمهور هذا التماس، ان وجد المثقفون أنفسهم في غمار الشعب. لم يحدث ذلك حتى حين بدا انه حدث. قد تكون الثورة الفلسطينيين هي المثال الذي يرتكز عليه اعتراض على هذا الإلماح. الثورة الفلسطينية ليست استثناء من هذه الناحية بل تكاد تكون القاعدة، أكبر تنظيماتها وأكثرها شعبية كانت الجمهور العادي بكل علاقاته ونعراته وانقساماته وعلى رأسه بيروقراطية قائدة ليست بعيدة عن هذه النعرات والانقسامات. أما التنظيمات المثقفة فكانت أقلوية للغاية وهذه أباحت نفسها لبارانويا المثقفين وعظامهم وصراعاتهم فلم تكن بهذا المعنى مثلاً مختلفاً عن التنظيمات الجماهيرية. لا تكشف الحرب الأهلية اللبنانية الا عزلة المثقفين الذين وجدوا أنفسهم في القيادة بل وفي الحكم أحياناً لكن على فراغ وعلى هياكل سرعان ما غدت بيروقراطية، وبالطبع كان المجال مفتوحاً للبارانويا والعظام والانقسام. الحرب الأهلية اللبنانية والثورة الفلسطينية كانتا الحدثين اللذين ضويا المثقفين والجمهور العادي في ضرام صراع دموي، لكن النتيجة كانت صاعقة. لم ينجح الصراع الدموي واللحظة الدراماتيكية في دمج المثقفين بالجمهور أو تماس الجمهور بالمثقفين. كانت حصيلة ذلك ان المثقفين انزووا في اطر بيروقراطية، لقد تحولوا زعماء وموظفين كباراً واطلقوا العنان عند ذلك لنرجسيتهم ولنزاعاتهم وبارانوياهم. سادت أمراضهم وصارت هذه معيار وجودهم. ودخلوا وادخلوا التنظيمات في نزاعاتهم وحولوا التنظيمات إلى شلل وهياكل مستتبعه لهم. باختصار لم تكن التجارب التي جمعت المثقفين والجمهور في لحظات دراماتيكية وإزاء تحديات كبرى إلا الدليل الاضافي على فساد هذا الجمع وتحوله إلى معرض لأمراض الجمهور وأمراض المثقفين معاً. تعاضدت أمراض الجمهور وأمراض المثقفين، ساند بعضها بعضا والنتيجة هي استثمار المثقفين لانقسامات الجمهور وحزازاته المتأرثه واستتباع الجمهور بكل هذه الاعراض. إذا جاء وقت لمراجعه فيه هذه المناسبات ستكون فرصتنا لرؤية مدى تأصل أمراض المثقفين وقدرتهم على استتباع الجمهور لها، واستثمار حزازاته ونعراته وتوظيفها في مشاريعهم الخاصة.

اننا هكذا امام ما يمكن ان ندعوه عامية المثقفين. عوام المثقفين هؤلاء يبنون وجاهاتهم وتزعماتهم على الإرث البدوي والريفي والمديني (التهميش والغوغاء) ويستثمرونها لنرجسيتهم وميلهم التسلطي. لم يشكل المثقفون بالنسبة للجمهور سوى تجديد لنعراتهم وارثهم. كان افساد المثقفين هو أول ما تقوم به هذه التنظيمات وكان هذا يتم بسرعة بالغة وبدون مقاومة ويتحول إلى عرف وإلى طريقة سائدة. افساد المثقفين هو الخطوة الأولى في إفساد عام. هكذا يتحول العمل الثوري إلى مركز لاستثمار النعرات والحزازات التي تغدو مع الوقت ذات جاذبية للمثقفين. هكذا تغدو التنظيمات «الثورية» اشبه ما يكون بالأحزاب التي تبنى على اساس عائلي والتي لتأسس حول عائلة او زعامة موروثة. تتحول إلى قطاعات لأشخاص وإلى استتباعات لهذا وذاك. ذلك لا يقيم بين الجمهور والزعماء سوى علاقة التزعم والاستتباع. الزعيم يتجرد وبسرعة من كل القيم التي تستظهرها ثقافته. ثقافته منذ يتزعم هي التلاعب بالجسم الاجتماعي الذي يستتبعه، ثقافته منذ ذلك الحين هي التلاعب بالانقسامات والنعرات والحزازات. سيكون المثقف بالنسبة لقطاعه زعيماً كبقية الزعماء. لن يكون الهدف الذي يستدعي احياناً من الفرد التضحية بحياته، لن يكون لهذا التحدي الكبير أي اثر على تربية الجمهور او سلوك الزعيم. ستتحول التضحية بالحياة نفسها إلى عرض يستثمره الزعيم لنفسه، وسيكون الشهداء أنفسهم شيئاً في رصيد الزعيم وفي زعامته.

لن تستطيع اللحظة التاريخية ان تبدل شيئاً في علاقة متأرثة، بل سيكون العمل على استتباع هذه اللحظة واستثمارها في الموروث الاجتماعي وفي التقليد والعرف، مما يحول دون ان تخرق اللحظة التاريخية جدار التقاليد، بل جدار الممارسة اليومية والقيم والولاءات. الشهداء في هذه الحالة هم ثروة الزعيم والتضحيات كنزه الخاص. بالطبع هناك هذا التحنيط للموروث وتجديده المستمر الذي لا يسمح بأي فرق للقيم والولاءات، ولا يسمح للحظة التاريخية ان تغير شيئاً. المثقف عندئذ هو بيروقراطي الثورة. انه يجد في القيادة وظيفة مناسبة يبدأ منذ يتولاها في استثمارها لمجده الشخصي. ان ما يحصل هنا هو ارتكاس العنق والتضحيات الى العرق والتقليد الريفي والقبلي. لكن ما يحدث اليوم في البلدان العربية مختلف. اليوم لا يتولى المثقفون وظائف في ادارة الثورات. انهم ينزلون إلى الشارع ويعدون بحمياهم وقدرتهم على المجابهة والتضحية الجمهور. انهم يلقوه الشرارة في الهشيم الجماهيري. انهم اللولب والمحور وهم بحراكهم يستردون الجمهور الذي يتماس معهم ويتلقح بتأثيرهم. الآن المثقفون يبدأون والجمهور يلحقهم.

بالطبع تأتي أوقات ينفرز فيها المثقفون من الجمهور لكن هذه ليست أوقات عزلة. في ميدان التحرير استطاع المثقفون ان يدعوا إلى أكثر من هجوم ناجح، كان الجمهور يستجيب لهم. لكن أي جمهور. انه الجمهور الذي يدور حولهم ويأتي على دعوتهم. انه جمهور ضخم، ليس جمهورهم لكنه يصدقهم، ويصدقهم بحدسه أكثر مما يصدق دعوات أناس اعتادهم أكثر والفهم أكثر ووجدوا منذ أكثر من نصف قرن في حياته السياسية. انهم يتماسون مع الجمهور في لحظات الذروة. يتماسون معه في المعترك، ومن المعترك يعيدون للجمهور ما هو له: معنى احتشاده وقيمة تضحياته ورمزية استشهاد من يستشهد منه. في المعترك يلقحون الجمهور بالقيم التي هي قائمة أصلاً في حياته وفي معركته. في المعترك هم في المقدمة وفي القلب وهم أول من يموت من اجل مصر وشعبها. التماس الآن حاصل وبيسر غير معقول، لقد بدأ عنصر جديد تماماً. تحقق في الساح، تماس الجمهور والمثقفين، انه عنصر سيغير حياتنا السياسية التي لن تكون بعد اليوم ما كانته من قبل. انه انقلاب في السياسة والتاريخ، انقلاب حقيقي، النخبة تنغرس وتنغرس أكثر في الجمهور. سنقول ان الاشياء ستأخذ من الآن قيمتها. لن يمشي شيء بالمقلوب بعد، لن نطحن في الفراغ. ولن يضحى احد بعد من اجل ان تغدو الأمور اسوأ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...