الرئيسية / صفحات الرأي / المثقف في مجتمع متحول

المثقف في مجتمع متحول

 مصطفى اسماعيل

بدأنا في لحظةٍ غيرَ مدركة لا عيانياً ولا نفسياً بالكتابة الإبداعية, بدأنا بالشعر, ثم السرد القصصي, اخترنا أن نكتبَ بنفسٍ شعري, المصطلح عليه في النقد الأدبي بـ ( شاعرية النص ), وكان ذلك يحققُ الانتشارَ والتحليقَ في الفضاء الثقافي, ويقي الذاتَ الكاتبة من المساءلات والاستجوابات والتحقيقات الأمنية في بلادٍ بوليسية حتى فروة رأسها, لكنا قررنا إلى جانب ذلك الانخراطَ في الشأن العام في البلاد ( الضرورات تبيحُ المحظورات ), ابتداءً من الحلقة الكردية الضيقة انتقالاً إلى الحلقة السورية الأشمل, و ( الشأن العام ) في بلد كسوريا يعني أن تهتم بكلِّ ما لا ترضاه السلطة العابسة الغاضبة لكَ, وأن تنشطَ أو تكتبَ في السياسة وحقوق الإنسان وتبدي الرأي الواضح في أحوال البلد وشؤونه, وهذا يعني أنكَ تنتقل من طفلٍ صغير يعدو خلف الحمام ويصطاد الفراشات ويفتح ذراعيه لاحتضان الضوء, إلى مشروعِ إنسانٍ مكتمل يعترفُ بالحب فقط للقضايا الكبرى, وإلى جندي مجهول كثيراً ما يُنْسَى في غبار الميدان.

لعلَّ الدافع إلى تحوّل العديد من المبدعين إلى الشأن العام يلقَ صداه في أنَّ الوعي والحرية صنوان, وربما لإيمانهم بأن التدهور العام في البلاد مردَّه إلى تدهور الفكر والثقافة, فالأسئلة تقود إلى البحث عن الإجابات, ولا يُعثرُ على الإجابات إلا في إطارٍ عام مجتمعي حافلٍ بالوقائع والدلالات, لا مجال فيها للبراءة النظرية والمجاز والثرثرة اليومية والتهويمِ في الفراغات, أيضاً فإن المتابعين للمثقف مبدعاً كان أم مجرد قارىء ( شريحة المتلقين ) هم أفراد ينتمونَ إلى مجتمعٍ مهمش ومحطم مادياً ومعنوياً, يعاني العديد من المآزق والمحن السياسية والثقافية والاجتماعية والمعتقدية, فإذا كانَ المواطنُ العادي أصبحَ ضالعاً في قراءة المجتمع ووصف حالة التداعي والانحطاط التي تصادرُ البلادَ, فماذا سيكون موقف المبدع الذي يؤسسُ في كتاباته لمجتمعٍ كاملٍ أو يستمدُ من المجتمع نسغَ الكتابة وشخصياته ولحظات الإلهام, وهو يرى السياسة توالي انحدارها, والتراجعات والانتكاسات تغزو البلاد, والبؤس الاقتصادي والحياة الاجتماعية الضيقة كحذاء وسياسات التهميش وإنعدام الآمال تتضاعفُ بشكلٍ لا يُطاق.

ليسَ مطلوباً من المثقفِ ( والمُبدعِ تحديداً ) الالتزام الجدانوفي, فالالتزام الجدانوفي شيءٌ وعضوية الثقافي شيء آخر, الجدانوفيةُ دعوةٌ إلى الأحادية وهيَ سليلة فكرٍ شمولي خرجتْ من معطفه كوارثٌ ونكباتٌ ثقافية ( اتحاد كتاب العرب في سوريا نموذجاً ), بينما العضوية التي أطلقها غرامشي فهي دعوةٌ إلى تأثير المثقفِ في المحيط, انطلاقاً من يقينه الداخلي ومُحفزاته الداخلية.

نعثرُ في كتاب ( صور المثقف ) للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد على نماذجَ عديدة لمثقفين أختاروا التحليقَ خارجَ السرب, واستطاعوا قولَ ( لا ) في وجه دولهم ومؤسساتهم, بنأيهم الواضح لأنفسهم عن ثقافة السلطة ومُحاباة السلطان, وعن المفاهيم النمطية ( السياسية والثقافية ) المترسخة التي لا تقبلُ التشكيكَ بها أو مخالفتها, ليسَ هنالكَ المزيدُ من الخيارات أمامَ المثقف, فإما أنْ يكونَ في حاضنة السلطة أو في الجبهة المُضادة لها ولخطابها وممارساتها, وما دامت غالبية من مثقفينا اليوم تُمارسُ الهجرة إلى الآخر الفكري والثقافي مستمدينَ منهم مصطلحات وآليات تفكير وتحليل ونقد, حريٌّ بهم ألا يقفوا عندَ عتبات الفكر واستيراد الأفكار, بلْ أنْ يكونَ صوتهم مسموعاً في مجتمعهم, لا يُعقلُ أن يستشهدَ مثقفٌ بـ ( جان بول سارتر ) أو ( غرامشي ) أو ( جان جينيه ) أو ( همنغواي ) دون أنْ يجتازَ الاستشهاد والاقتباس إلى تكرار صنيعهم في إبداء الموقف الواضح غير المموه وغير الملتبس إزاء أحداث ووقائع يشهدها مجتمعه, فإذا لم يكُ في واردِ أن ينخرط بفعاليةٍ في الشأن العام, عليه كأضعف الأيمان أن يضعَ النقاطَ على الحروفِ في كتاباته, أو يكونَ باعثاً ومحرضاً على ديناميكية من نوعٍ ما في المجتمع الذي يُجله ويحترمه.

ليسَ من قبيل المثالية والإغراق فيها القولُ أنَّ المثقفَ أشبهُ بالضمير الحي و( الساموراي الأخير ) في مجتمعه, فإن كانتْ المجتمعات ترضخُ في حقب زمنية ما لثقافة الشخير, ولا يأبه أفرادها بالشأن العام وشؤونه, وكذا يتقمصُ المثقف دورَ المتفرج متحدثاً عن ( خمول الجماهير ) و( بؤس الأيديولوجيا ) في إعادة طرح لأفكار حنه أرندت وكارل بوبر, فإن الأوضاع في الآناء الأخيرة ممثلة بالأشهر الأخيرة قد تغيرتْ, والكثيرُ من المفاهيم والمسبقات الفكرية تمت تعريتها, فالجماهير التي كانَ يجري الحديثُ عن استسلاميتها وانهزاميتها غادرت القمقم, وايديولوجيا أخرى تبتكر في الشارع, وهي الايديولوجيا الوحيدة والأولى في الشرق الأوسط التي تتم صناعتها في مخابر الجماهير, وتغزو المدن والبلدات والأرياف بعيداً عن الوجبات الأكاديمية والسفسطات النظرية أو تنظيرات إسقاطية من فوق, وهو ما يُعيدنا إلى ( غودليير ) حينَ قال يوماً أن ” البشر يُنتجونَ مجتمعاتهم لكي يعيشوا “, فإذا كانت الشعوب اليوم تُنتجُ مجتمعها المُفارق, في المستويات كافة إلى حدٍ نسبي, ولما كانت الثقافة هي العناصرُ الذهنية وأشكالُ المعارف والقيم التي نعيشُ بها وعليها, فإنَّ الدور المنتظر للمثقف أكثرُ أهمية, ولزامٌ عليه التصدي لواجب ومهمة المشاركة الفاعلة والإيجابية في التحول التاريخي الذي يُعيدُ صياغةَ المنطقةِ سياسياً وثقافياً واجتماعياً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

23 − = 15

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...