الرئيسية / صفحات سورية / المخاض المرتبك للثورة السورية

المخاض المرتبك للثورة السورية

علي الأمين السويد
يتساءل الكثيرون عن سبب صمود النظام الإرهابي في دمشق كل هذه الأشهر الدامية التي عصف إجرامه بها و مازال يعصف بوطننا السليب، و بالرغم من أن زخم المظاهرات لم يخفت قيد شعرة، و بالرغم من أن هذا الحراك الوطني في ازدياد مضطردٍ مدفوعاً بإصرار اسطوري منقطع النظير من قبل ثوار فاقت هممهم قمم الجبال سمواً، وما يدلل على ذلك هو هذا الاصرار على الشهادة الذي أنتج أكثر من خمس عشرة ألف شهيداً.
وقد يذهب الكثيرون في تعليل أسباب قوة النظام إلى أمور خارجية متعلقة بمؤامرة أبطالها روسيا و إيران و اسرائيل و العراق و أحياناً تركيا. و بالرغم من وجود هذا التآمر فعلاً، أو بعضه على الأقل، إلا ان هذه المؤامرة الكونية – التي ادعى الارهابي بشار الأسد يوماً انها تحاك ضده – ليست السبب الأهم لقوة النظام الإرهابي التي مكنته من الاستمرار إلى هذه اللحظة.
فبعد مضي قرابة الثلاثة عشر شهراً على انطلاقة ثورة الكرامة، نجد ان هنالك عدة أسباب رئيسية تكمن خلف صمود المجرم بشار الاسد وعصابته في الحكم إلى يومنا هذا، وهذا ليس اعترافاً بضعف – لا سمح الله – بقدر ما هو محاولة تقييم لإعادة ترتيب و إعادة توزيع الأدوار في الجبهة الداخلية ليصار إلى تجاوز السلبي منها و الانطلاق بعد ذلك نحو انجاز مهمة تنظيف سورية من الارهاب الأسدي.
وفيما يلي بعض المآخذ التي ينبغي تجاوزها بأسرع وقت ممكن:
أولاً – عدم حصول انشقاق عسكري مهم جداً بحيث يقصم ظهر النظام بالرغم من أن عناصر الجيش هم سوريون تربوا على أرض هذا الوطن، و لكنهم بطريقة أو بأخرى يساهمون في تقتيل الشعب السوري – أي اهلهم و إخوانهم، وبالرغم من أنهم لم يأتوا من المريخ؛ فقد يقال أن هناك ظروفاً تعيق الانشقاق، منها المراقبة اللصيقة من الأمن و الشبيحة، ومنها عدم وجود ملجأ آمن، و ربما يقفز من يعطي حلاً تعجيزياً باقتراحه إنشاء منطقة عازلة ليسهل الانشقاق برعاية دولية و كأن العالم تحت أمرنا أو خادم عندنا.
كل ما قد يقال عن عدم الانشقاق الكبير كتبريرٍ لعدم ترك النظام و عن عصابات الأسد بات غير مفهوماً بعد اتضاح الصورة للجميع بعد ثلاثة عشر شهراً من التظاهر السلمي في معظم أراضي الوطن السوري الحبيب، وقد بتنا اليوم نشهد أن ابن دمشق يقتل ابن الرقة ظناً منه أن ابن الرقة لن يقتل ابن دمشق، أو إن قتل أحداً في دمشق فلن يكون شخصاً من أقربائه، وقس على ذلك.
ثانياً – لا بد أن نعترف أن ما نسبته عشرة إلى خمسة عشر بالمئة من السوريين من الذين ما زالوا يقفلون أفواههم معتقدين أن المثل القائل:”إذا حلق جارك ذقنه، فبلَّ ذقنك” لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد، و لا ينخرطون في التظاهر السلمي لأسباب لها أول و ليس لها من آخر، ولكن الملفت للانتباه أن كل هذه الاسباب تتبخرً وكأنها لم تكن من قبل نفس هؤلاء الصامتين حين يستشهد أحد أفراد عائلتهم، فيجدون أنفسهم بشكل لا شعوري في وسط المنادين بإعدام بشار، و السؤال المهم هنا هو: يا ترى! هل يجب أن يقتل النظام شخصاً من كل عائلة حتى تثور العائلة على الظلم و الإجرام؟
ثالثاً – عدم توقف الموظفين الحكوميين عن الذهاب الى أماكن عملهم، فمازال النظام الإرهابي مستجمعاً لأدواته و أركان وجوده المتمثل باستمرار عمل أجهزة الدولة الناتج عن عدم العصيان المدني، فالموظفون مازالوا يذهبون إلى وظائفهم خوفاً على رزقهم، وخوفاً من تصيد النظام لهم، والمصيبة أن هذه المواظبة على العمل في الدوائر الرسمية تعطي الفرصة للإرهابي بشار الأسد بتجييش مسيرات إجبارية مؤيدة له، مما يعطي انطباعاً أن النظام لم يفقد هيبته و جبروته.
و الحقيقة أن النظام خائر القوى ولكن خواره، و للأسف، أقل من خوار تلك النسبة من المواطنين على العمل لدى النظام، و كأن المذابح اليومية التي تجري في مدائنهم، و في أحيائهم، و بالقرب منهم مذابح في بلاد الواق الواق.
رابعاً – عدم وجود قوة ثورية بارزة تقود الحراك الشعبي و توجهه، وهذا مرده إلى أن الثورة السورية المباركة قامت دون تخطيط مسبق، و دون مؤامرات لا من قطر، ولا من بندر، ولا من أسمر، ولا أشقر، وهذه كانت ميزة بحد ذاتها، إلا أنها أصبحت نوعًا من الإعاقة، بل و ربما نوعًا من النقمة حين تمترس الثوار خلف الاحقية في التمثيل والقيادة للثورة، باعتبار ان هذا الفريق أو ذاك بطريقة أو بأخرى، له فضل الأسبقية في الثورة و ذلك تحضيراً لفترة ما بعد الثورة و فترة ما بعد بعد سقوط بشار مما فرض حالة من الجمود القاتل فعلًا، لا كناية.
خامساً – إن عدم وجود قائد للثورة سبب غياب برنامج استراتيجي موحد و مركز يحفر للنظام و يقتلعه بأقل الخسائر الممكنة، فالكل يريد أن يكون ديغول، و الكل يغني على ليلاه، و الكل يدعي أنه رأس أفعى متوقد، غير أنّ هذا الاتقاد لم يثمر عن شيء سوى مزيد من الشهداء، و مزيد من المآسي.
سادساً – الجزع الشديد، و القلق الأشد من قبل بعض الثوار من خطف الأضواء منهم من قبل رموز المعارضة في الخارج و العكس صحيح، جعل الثورة تسابق السلاحف بطئاً، فترى المكائد على اشدها بين الاطراف تعمل جاهدة لإظهار عدم قدرة فلان أو علان على القيادة و يستوي في هذا الطرفان – الداخلي و الخارجي، و كأن سقوط بشار أمرٌ صار حدوثه قاب قوسين أو ادنى.
سابعاً – تسابق شخصيات مغتربة أو مغرّبة لم يُعرف عنها من قبل أنها كانت صاحبة برنامج وطني معارض لنظام بشار الأسد أدى إلى إقصاءها، باستثناء البعض، و لكن الجميع كانوا يشتركون بسمة التملق للنظام قبل الثورة، و ازدهرت تجارتهم السياسية حين قامت الثورة، فوضعوا أسهمهم تحت مسمى “المعارضة”، و صارت تضارب على سوق الثورة، بل و صارت حتى تحاول سرقة ولاءات المدن والقرى بمال سياسي مشبوه فرَّق ولم يجمع، ضرَّ و لم ينفع.
إن وباء هؤلاء “المعارضين – الخواجات” هو أنهم لا يعرفون ماذا يريد الشعب السوري حقيقة، و لا يعرفون كيف يريد ان يحقق ما يريده، فراحوا يشخصِّون و يشخصنون، وفي كثير من الأحيان ينجمون لإيجاد ما يمكن نجمهم من السطوع في سماء سورية ما بعد الارهابي بشار الأسد، بينما بشار الاسد مشغول جداً باقتلاع الحناجر والكلى و العيون و القلوب من أجساد الشعب السوري المنتظر للفرج و غصة الموت تلاحقه.
و مع ذلك يستمر الأمل…
لا يفوت ذو اللبِّ أن تجاوز العثرات يكون بتقييم الوضع بكل دقة و صراحة و مسؤولية، و من ثم اتخاذ ما يلزم لتدارك العجز فالوقت يمر و التاريخ لا يرحم، و بالتأكيد لن يرحم.
و لا ننسى أبداً أن ما يجري على الأرض السورية هو بحق إعادة إحياء جسد أمة يتم من خلال حقنها بجرعات من الحرية، و بجرعات كرامة و أخرى ديمقراطية و وطنية حقيقية بالرغم من كل السلبيات التي قد يتحدث عنها الجميع، و بالرغم من أن الوقت صار سيفاً حقيقياً يفتك في المواطنين دون رحمة، لكنه في المحصلة النهائية مفيد لتحريض الثورة السورية الحامل كي تلد انتصارها المؤزر فأبناء الشعب السوري أثبتوا أنهم أحياء، و أنهم قرَّروا الحياة بالرغم من إجرام آل الأسد، و قد آن أوان استجابة القدر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...