الرئيسية / صفحات سورية / المذبحة السورية: أبعد من “عادية الشر”/ سمير الزبن

المذبحة السورية: أبعد من “عادية الشر”/ سمير الزبن

 

 

يبحث السوريون، ممن لهم إبن أو أب أو أخ أو أخت أو قريب مفقود أو معتقل، في الصور المرعبة التي تسربت من أجهزة النظام عن هؤلاء الأحبة. صور مرعبة تضاف إلى صور مرعبة، كان قد نشرها ما عرف باسم «قيصر«. خمسون ألف صورة لأحد عشر ألف ضحية تم توثيقها من قبل النظام نفسه، واليوم المزيد من الصور يضاف إلى ألبوم الرعب، الذي ينتجه النظام السوري، عبر الهولوكوست الخاص بالسوريين. يتسرب المزيد من الصور لتكشف جرائم جديدة ارتكبت بحق عشرات آلاف الأبرياء، ليس لهم ذنب، سوى أنهم كانوا في المكان الخطأ، في الزمان الخطأ، ما عرضهم للاعتقال، وبالتالي، لأبشع أنواع التنكيل والتعذيب، وأن يد الجلاد لا تكف عن القتل داخل المعتقلات وخارجها.

وبما أن هذه الصور قد تكون قمة جبل الجليد للجرائم المرتكبة بحق السوريين، فلنا أن نتخيل أي هولوكوست يمر به السوريون على يد النظام المجرم في دمشق، من دون أن يرف للعالم جفن، والى متى سيستمر؟! التطابق بين صور الهولوكوست اليهودي على يد الألمان، والهولوكوست السوري على يد النظام تبعث على الفزع، لا فرق بينهما سوى أن صور الهولوكوست السوري صور ملونة، ولو تم حذف الألوان من الصور وخلطها مع صور الهولوكوست، لما تم تمييز الصور عن بعضها البعض.

تبعث صور القتلى على الذهول، ليس بسبب وحشيتها وحسب، بل بسبب ضعف الاجابة التفسيرية لهذا السلوك، ورفض العقل البشري السوي الإقرار به بوصفه واقعا يستمر في واقعيته المرعبة. وماذا عن نوعية البشر التي ترتكب هذه الجرائم، عن البشر بوصفهم آلات قتل جهنمية بيد الطاغية، أدوات لفرم البشر بلا رحمة وبلا رفة جفن. من أين جاءت كل هذه القسوة؟ أين تربى هذا الإجرام السادي المنفلت من عقاله؟ أي منظومة قيمية في غاية التشويه انتجت هذه الوحوش البشرية مصاصي دماء بشر مثلهم؟ هل تفسر «عادية الشر« الذي كتبت عنه حنة أرندت في كتابها «ايخمان في القدس« والذي يحمل عنوانا فرعيا «تقرير عن عادية الشر« الوضع السوري. شكل ايخمان في نظر أرندت نموذجاً للإداري التكنوقراطي، الذي يرتكب أبشع الجرائم بضمير مرتاح، ومن دون أن يرف له جفن بوصفه جزءا من الآلة. ينزع تعبير «عادية الشر« الذي استخدمته ارندت الشيطنة عن الجناة والقتلة، مصورة ايخمان بوصفه موظفاً بورجوازياً تافها، وليس سادياً أو شاذاً كما حاول الادعاء الإسرائيلي أن يصوره، بل شخص عادي تماماً، ومرعب في عاديته. لم ترَ أرندت في أيخمان تجسيداً للشر، بل اعتبرت أن الكارثة تكمن في قدرة النظم الشمولية على تحويل البشر إلى محض «منفذين» و«تروس» في الآلة الإدارية لدولة البطش، أي تجردهم من إنسانيتهم، وتجعلهم منفذين للشر بوصفه الأمر الطبيعي الذي يجب عليهم القيام به.

ليس التحليل الفكري وحده الذي يتحدث عن تحول البشر إلى تروس في آلة الدولة الشمولية المدمرة، علم النفس بدوره يدعم هذه العادية للشر. بعد الحرب العالمية الثانية، تم إجراء العديد من التجارب والأبحاث النفسية لإيجاد أجوبة مقنعة عن كيفية اتباع الإنسان لأوامر قد تعتبر غير أخلاقية أو إنسانية. من أشهر هذه التجارب تجربة العالم النفسي الأميركي ستانلي ملغرام مطلع الستينات، وفيها قام بتجنيد متطوعين مقبولين من الناحية الثقافية والاجتماعية، وقام بتوزيع الأدوار عليهم، من دون أن يدري المتطوعون الغرض الرئيسي من التجربة. قام ملغرام بوضع أحد الأشخاص في غرفة مغلقة لا يمكن لأحد رؤيته وأعطى لهذا الشخص تعليمات أن يخطئ عمداً في تهجية بعض الكلمات. على الجانب الثاني من الغرفة كان هناك شخص مزود بقائمة من الكلمات التي طلب منه أن يلقنها للشخص الموجود في الغرفة، ليقوم هذا الأخير بتهجئتها على نحو صحيح، وإذا أخطأ فإن على السائل أن يضغط على زر يؤدي إلى صعق الشخص بشحنة كهربائية، تُزاد كمية الشحنة في كل مرة يرتكب الشخص خطأ إضافياً. في الحقيقة، لم يكن هناك أي جرعة كهربائية، لكن السائل لم يعرف ذلك، والشخص الموجود في الغرفة كان يتصنع الصراخ من الألم كل مرة يضغط السائل فيها على الزر. لم يكن لكل المشتركين أي مانع من تنفيذ هذا الأمر، ما أدى إلى الاستنتاج بأن للإنسان نزعة باتباع الأوامر إذا ما اعتقد أنها صادرة من أشخاص مسؤولين، حتى ولو كانت هذه الأوامر منافية للمنطق.

مرعبة فكرة «عادية الشر»، يعني أن الشر مقيم بيننا، في منازلنا، بين أصدقائنا، جيراننا، في البشر البسطاء الذين يسيرون في الشارع، كل هؤلاء يمكن تحويلهم إلى تروس في آلة القتل، يمكن أن يذبحوني أو أذبحهم في أي وقت. لكن، لا. مهما كان حجم الإجرام، فإنه لا يمكن القبول بعادية الشر، ولا يمكن القبول أن البشر يرتكبون جرائمهم بوصفهم جزءاً من آلة كبيرة. هل كان يمكن للضحايا أنفسهم أن يكونوا قتلة؟! لا يمكن عكس المواقع في التاريخ الحي، القتلة هم القتلة والضحايا هم الضحايا. وإذا كان الضحايا لم يختاروا موقعهم، فإن القتلة اختاروا موقعهم، وتمترسوا فيه، خصوصاً بعد أربع سنوات من الدم السوري النازف. اختار النظام أن يمضي في مذبحته إلى النهاية، واختار من حوله أن يحموا النظام بأي ثمن، وإذا كانت الوحشية الدموية هي النتاج الطبيعي للتمسك الكلبي بالسلطة، فإن الشر لا يمكن فصله لا عن السلطة ولا عن القتلة المندمجين في هذه السلطة، ولا ينفذون المذبحة فقط لأنهم تروس في آلة، بل لأنهم جزء من الآلة ذاتها ومصالحهم مرتبطة بها. من الممكن الحديث عن مجندين برتب منخفضة، بأنهم أسرى آلة الدولة، لكن لا يمكن أن ينطبق ذلك على رئيس فرع أمني، فهو جزء من آله صممت أصلا من أجل القتل، واختار أن يكون جزءا أساسيا من هذه الآلة، ولا يغير من هذا التكوين تفاهة من يقف على رأس هذه الآلة، رئيس قادته الصدفة، ليتحكم ببلد كأنها لعبة أطفال. قد تكون الصدفة في التاريخ، أسوأ عامل موضوعي في تاريخ البلد، وهذا ما ينطبق على الوضع السوري في ظل رئاسة بشار الأسد.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...