الرئيسية / كتاب الانتفاضة / شمس الدين الكيلاني / المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في المشرق العربي الكبير/ شمس الدين الكيلاني

المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في المشرق العربي الكبير/ شمس الدين الكيلاني

 

 

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أعمال مؤتمر: «المسألة الطائفية وصناعة الأقلّيات في المشرق العربي الكبير» في البحر الميت الأردن بين 13-15 ايلول/ سبتمبر في الأردن. وعقد المؤتمر سبع جلسات أُلقيت فيها 54 ورقة بحثية محكمة، إضافة إلى خمس محاضرات رئيسة مركّزة . وكان المركز قد عقد مؤتمرين علميين محكّمين في السنتين الماضيتين، موضوعاهما : الإسلاميون وقضايا نظام الحكم الديمقراطي، ومسائل الدولة والأمة والمواطنة والاندماج. فقرَّر المركز هذه السنة تخصيص هذا المؤتمر السنوي لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي ومُعوِّقاته في مجال (صناعة الطائفية ) ، وذلك أمام بروز مشاكل الطائفية نتيجة ارتكاز بعض النظم التسلطية، لاسيما سوريا والعراق على عصبيات أو تحالف عصبوي، قاد إلى تفجر المسألة الطائفية. فمنح المؤتمر فرصة للباحثين من أجل تعميق البحث في مسألة الطائفية وصناعتها.

افتتتح الدكتور عزمي بشارة المدير العام للمركز أعمال المؤتمر بكلمة افتتاحية بين فيها أن ظهور نموذج الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) هو نتيجة لقاء شديد الانفجار بين السلفيّةِ الجهاديةِ والطائفية. والأخطر أنَّ هؤلاء تكفيريّونَ وليسُوا طائفيِّينَ فحَسْب، ويمثِّلون نُكوصًا إلى مرحلةِ ما قبلَ الطائفيةِ التي نَعرِفُها إلى مرحلةِ الحروبِ الدينية. وقال إنّ الطائفيّةَ السياسيّةَ رَفَعَتْ رأسَها في بلادِنا وازدَهرَتْ معَ فَشلِ مَسارَي الدّولةِ الوطنيّةِ الحديثةِ القائمة على المُواطنة، والديمقراطيّة؛ مؤكدًا أن الاستبداد الذي استَخدمَ الأيديولوجيةَ السياسيةَ القوميةَ لخِدمةِ سَيطرتِه ونُظُمِه السياسيةِ، وفَرَضَها على العربِ وغيرِ العربِ، أجَّجَ الطائفيةَ، ومَنَعَ تكوُّنَ المواطَنةِ بوصفِها انتماءً للدولة.

وتضمن افتتاح المؤتمر أيضا محاضرتين رئيسيتين للدكتور برهان غليون والدكتور أحمد بيضون، وتلا ذلك ثلاث جلسات من أعمال المؤتمر. أكد غليون في محاضرته على أن شبح الطائفية يخيم اليوم على كل شيء: على شعور الناس بهويتهم وعلى السياسة، وعلى الدين نفسه. وأوضح أن الطائفية السياسية برزت عندما فشل مشروع الدولة الوطنية التي لم تقدم لهم غير الذل والقهر. وأن الطائفية السياسية ليست صنيعة العامّة إنما هي صنيعة السياسيين الذين يستغلونها. وأوضح أن الطائفية عابرة لحدود الدول الوطنية في العديد من الحالات، غير أن النظام الإيراني حاليا هو صاحب أسوأ خطاب طائفي. وأبرز الدكتور أحمد بيضون في محاضرته سياقات وآليات تحول الانتماء إلى جماعة مذهبية أو اجتماعية إلى تعصب طائفي، ونبه إلى أن الطائفة غير المذهب. فبخلاف المذهب كان وجود الطائفة يتعلّق بتوطّنها في الدولة الحديثة.

تألف جدول الأعمال من سبع جلسات تضم كل جلسة منها محورين. وتخصص الجلستان الأولى والثانية لمحوري: «الدولة وسياسات الهوية وإعادة إنتاج الطائفية»، و«الجذور التاريخية وتطييف الصراعات الإقليمية». أما الجلسة الثالثة فموضوعها «المواطنة مقابل الطائفية». وفي اليوم الثاني للمؤتمر، خصصت الجلستان الرابعة والخامسة لمحوري «المسائل الطائفية والإثنية في العراق» و«المسألة الطائفية في مصر». واختتم بمحوري «الأقليات في النظام الفقهي الإسلامي بين التعصب وإمكانات الانفتاح»، و«المسألة الطائفية في بلاد الشام: تاريخ وإشكاليات». وأكد وجيه كوثراني في هذا اليوم أن التجربة التاريخية اللبنانية في فصولها الثلاثة: الحرب الأهلية، الوصاية السورية، وفصل اغتيال الرئيس الحريري وسلاح حزب الله، بينت ضرورة تطوير الصيغة الميثاقية وصيغة الديمقراطية التوافقية في لبنان، لكي لا تصبح هذه الأخيرة ديمقراطية طوائف، وللتخفيف أو الحد من الحمولة الطائفية للميثاق، والعمل من أجل تطوير قانون الانتخاب باتجاه تمثيل وطني، لا طائفي، أي تمثيل المواطنين».

تمركزت الجلسة السابعة، في اليوم الثالث، على «المواطنة مقابل الطائفية» والثاني عن «المسألة الطائفية في بلاد الشام». اقترح محمد السعيدي سيناريو الفيدرالية كحل. بينما اعتبرها آخر مدخلاً للتقسيم ورأى ثالثٌ أنّ مشكلة الطائفيّة هي في العمق سياسيّةٌ وفي احتكار البعض للسلطة. وعُقدت جلستان متوازيتان، في الأخير، موضوعهما «الدولة المذهبية والطائفية إقليم الجزيرة العربية – تاريخ وإشكاليات» و«في المسألة الطائفية في بلاد الشام تاريخ وإشكاليات». ثم اختتم المؤتمر أعماله بعد ظهر يوم الاثنين 15 أيلول/ سبتمبر 2014، بمائدة مستديرة تفاعلية تحت عنوان «العروبة والدولة الوطنية في مواجهة التمزقات الأهلية والسياسات الطائفية وقومنة الهويات.. إشكاليات وقضايا، تحديات وآفاق»، أكد فيها أغلب الباحثين على ضرورة انتقال المجتمعات العربية إلى الدولة المدنية، دولة المواطنة التي تضمن التعدد والمساواة. وأكد آخرون على أن أبرز ما قدمه المؤتمر هو وضع المسألة الطائفية تحت الضوء فأخطر ما في المشكلة هو أن ننكر وجودها. ونوه علي محافظة على بأن الأقليات والإثنيات موجودة في تاريخ منطقتنا وهذه ليست المشكلة، إنما المشكلة في كيف نتعامل معها . وميّز الدكتور كمال عبد اللطيف بين «التعدد الإثني الطائفي الموجود والمقبول في تاريخنا» و«صناعة الإثنيات» التي غدت اليوم أدوات حرب جديدة.

شهد المؤتمر الكثير من الأطروحات حول موضوع المؤتمر لايمكن الإحاطة بها. فقد أكد أكرم كشي على أن العنف الطائفيّ في سوريا هو نتيجة التقاء سياسات النظام وسياسات الثورة المضادّة وهو يعمل بالطبع ضدّ تطلّعات الثورة الشعبيّة. ومهما كانت نتيجة الصراع فلن يتمكّن أن يلغي أفكار التغيير والمشاركة التي انتشرت في المجتمع السوريّ. عمل الباحث عباد يحيى على عرض التصوّرات التي أعطت للإحصاء دوراً ما في صناعة الطائفيّة وتثبيتها في دولة ما بعد الاستعمار، وكشف أحمد بن سالم الإسماعيلي مسألة التعدّديّة وأثرها في التوازنات السياسيّة والدينيّة للمجتمع العمانيّ، بمقاربة بنيويّةٍ تهدف إلى وضع إشكاليّة التعدّديّة في سياقاتها التي تتحرّك فيها .وتساءل أحمد حطيط إن كان بالإمكان تحويل اللبناني من مواطن في طائفته إلى مواطن ينتمي قانونياً وسلوكياً إلى المؤسسات الدستورية للجمهورية؟ وحاول أحمد صنوبر أن يُظهر أثر البيئة السياسية في الفتاوى التكفيرية المتبادلة بين الطائفتين الشيعية والسنية خلال الحرب العثمانية لصفوية. كما عمل أدريس مقبول على تبيان تكلفة تحالفات المال والدين والسياسة على الوطن والمواطن. ونظر أشرف عثمان إلى أزمة الانبعاث الطائفيّ على أنها حلقةٌ في تاريخٍ طويلٍ من أزمة تكوين الدولة التي لم توفر شروط المواطنة ،وحاول زياد الدين خرشي فهم روح النظام الطائفيّ وتفسير طرق عمله وأسباب استمراره. وفرَّق عبد الوهاب الأفندي بين(الطائفيّة)، ومختلف ضروب الانتماء الدينيّ أو القبليّ. وأكد أن (الروح الطائفيّة) تتشكل من حالة الانغلاق العدوانيّ على الذات وترتد على الآخر، وبحثت مارلين نصر عن مظاهر التطييف التي صاحبت الأبحاث الصادرة عن مركز كارنيجي في تعقبها للحركات الثورية العربية، وقدّم عزام أمين دراسة إبستيمولوجيّة تحليليّةٍ لظاهرة الطائفيّة في المجتمع السوريّ من منظور علم النفس الاجتماعيّ .

هذه الأفكار والتساؤلات ليست سوى بقعة ضوء صغيرة من دفق واسع و عميق للأفكار والفرضيات التي حملتها الأيام الثلاثة من المؤتمر. فلقد أنطقت ثورات الربيع العربي الألسن والأفئدة والعقول لتجيب على الأسئلة والمشكلات المعقدة التي ورثتها تلك الثورات من عهود الاستبداد المتقادمة التي أخفت تحت اسم (الاستقرار ) الكاذب تظلمات لا تحصى كشفت الثورات عنها الغطاء ، فانفجرت في وجه الجميع ، بما فيها المسألة الطائفية في فضاء منفتح على الحوار والحرية .الرهان كل الرهان الآن على الرجال والنساء الذين خاضوا غمار العبور إلى أضواء الحرية الباهرة ألّا ييأسوا من صعوبات مراحل الانتقال العسيرة ،وأن لا يدفعهم (خوفهم من الحرية ) إلى الاستسلام لظلمات الانحطاط!

() تقرير عن مؤتمر حمل العنوان نفسه

جرى في الاردن بتاريخ 13 15 ايلول 2014

المستقبل

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...