الرئيسية / صفحات الناس / المسيحيون السوريون… من الهجرة الطوعية إلى التهجير/ زهير هواري

المسيحيون السوريون… من الهجرة الطوعية إلى التهجير/ زهير هواري

 

 

سورية بحالة حرب تؤثر في مختلف مكوناتها. المسيحيون فيها لا يشذون عن ذلك ولو أنّهم في بعض المراحل استهدفوا استهدافاً ما دفعهم إلى ترك البلاد التي عاشوا فيها منذ بدايات المسيحية الأولى

 

العاصفة التي تضرب أربع جهات سورية منذ ست سنوات فتحيل المدن والقرى إلى ركام، تضع الوجود المسيحي كما عرفه المسيحيون والمسلمون على حد سواء أمام صورة لم يألفوها من قبل، لا سيما أنّ مضاعفات تلك العاصفة التي وإن كانت تصيب الأكثرية باللجوء والنزوح والتشرد، فهي تصيب من هذه الأقلية مقتلاً يصعب الشفاء منه خلال فترة منظورة. وليس ذلك فقط لأنّ الحرب لم تنتهِ بعد، وهي مستمرة في حصد الأرواح وتدمير الممتلكات، ولم يحن بعد أوان معالجة النتائج بل لأنّ هؤلاء الذين تشتتوا هنا وهناك في العالم الواسع، قد يجدون ملاذات آمنة واستقراراً معيشياً ومكاناً تحت السماء الواسعة في الدول وبين المجتمعات التي استقروا فيها.

 

وسورية التي استقبلت لاجئين من الأرمن وأقليات مضطهدة في المنطقة وعراقيين، باتت أكبر دولة في العالم تصديراً للاجئين، بعدما انتزعت هذا الموقع من أفغانستان، وهو ما رفع عددهم إلى حوالي 65 مليون نسمة على المستوى العالمي. والواقع أنّ اللاجئين من سورية تجاوزوا أربعة ملايين بمئات الألوف. وليس من إحصاء يحدد أعداد توزعهم على الطوائف والمهن والقطاعات وبين سكان الأرياف والمدن. وفي لبنان يطلق على مليون ونصف مليون سوري صفة نازحين للتخفيف من التزامات البلاد إزاء هذه الفئة، علماً أنّ كلّ من يعبر حدود دولته يصير لاجئاً بموجب تعريف الأمم المتحدة، بينما من يبقى داخل حدودها هو نازح. يضاف إلى ذلك بالطبع العلاقات التاريخية بين البلدين والانقسام السياسي اللبناني إزاء الوضع في سورية.

 

قياديون

يتوزع المسيحيون في سورية الآن بين النظام والمعارضة على حد سواء. وهناك قياديون منهم في كلتا الجبهتين. ما يعني أنّ الوجود المسيحي لم يكن يوماً على هامش الحياة السياسية في البلاد. وهذا ليس أمراً مستجداً بفعل انشطار سورية بين معسكري الموالاة والمعارضة، فقد كان السوريون المسيحيون دوماً في صميم ديناميات وتحولات المجتمع السوري. فعلى الصعيد السياسي الرسمي لم تكن سورية نظاماً إسلامياً، بل ظلّ نظامها حتى وقت قريب شبه علماني. وعليه فقد منح الدستور والقانون السوري المسيحيين كامل حقوقهم منذ الاستقلال. وقد لعب عدد من المسيحيين أدواراً قيادية، وبرز منهم فارس الخوري الذي شغل رئاسة مجلس النواب والحكومة مرات عدة، ووزراء، وعدد من رؤساء أركان الجيش وفي مختلف المسؤوليات السياسية والإدارية، كما أنّ ميشال عفلق مؤسس حزب البعث، مسيحي. لكنّ هذا الوزن السياسي تعرض للضمور في العقود الثلاثة الماضية بفعل الهيمنة على الدولة من جهة، ومن جهة ثانية تنامي تيار الهجرة إلى خارج سورية بشكل خاص بحثاً عن ظروف وأوضاع أفضل في أوروبا وأميركا، فضلاً عن تخوف المسيحيين من صعود التيار الإسلامي الأصولي.

المسيحيون في سورية كالمسلمين موزعون على مختلف الأحزاب والتيارات السياسية، كما لهم كلّ الحرية في بناء الكنائس والمعابد واستقلالية في إدارتها. ويقضي قانون الأحوال الشخصية في سورية بموافقة الكنيسة إلزامياً على حالات الزواج والطلاق، وفي ما عدا ذلك تعامل المسيحيات في القانون كالمسلمات.

 

حامي الأقليات

لكنّ الحرب لم تأتِ فجأة، بل سبقتها تعقيدات ضغطت – وما زالت – على الوجود المسيحي في البلاد. فالمعروف أنّ الحريات الدينية في سورية شهدت حالة من التراجع بالمقارنة بين ما هو عليه الدستور الحالي وما سبقه. ما يعني أنّ هامش الحريات الدينية يتعرض للتقلص. ولا يغير في ذلك كون الدستور يعلن عن احترام الدولة حرية جميع الأديان في البلاد. والدستور السوري السابق لم يحدد دين رئيس الدولة، بينما نجد أنّ الدستور المعمول به حالياً ينص على أن يكون من يشغل هذا الموقع مسلماً. الوضع لا يقتصر على النص القانوني، فالفعلي أنّه مع اندلاع الأحداث في سورية قدّم الرئيس بشار الأسد نفسه على أنّه حامي حمى الأقليات، وكأنّ لا وجود لدستور وقانون، فالأكثرية تضمر للأقليات النوايا الشريرة المبيتة.

 

لكنّ هذا الطرح وإن كان يثير الأكثرية باعتبار أنّ المسيحية في سورية راسخة وترتقي إلى المراحل الأولى من نشوء الديانة، بدليل انتشارها في طول البلاد وعرضها وبدليل وجود مئات الكنائس القديمة قدم هذه الديانة، حتى أنّ المؤرخ الراحل نقولا زيادة خصص كتاباً للحديث عن هذه الكنائس في مختلف المراحل. وهذا لم يحدث بعد انتصار المسيحية على الوثنية فقط، بل استمر خلال العهود الإسلامية السابقة. ويتحدث المؤرخون العرب عن العلاقات الإسلامية – المسيحية مع بلاد الشام وفيها قبل وخلال حكم الدولة الأموية، فمعاوية نفسه وهو مؤسس تلك الدولة، صاهر قبيلة كلب التي كانت في حينه كما غيرها من كبريات القبائل العربية تدين بالمسيحية، كما شغلت النخبة المسيحية مواقع هامة في إدارة الدولة الأموية.

 

إن نشوء “داعش” بالمناسبة هو من تجليات سياسة التلاعب بمواقف الجماعات المكونة للمجتمع السوري مقرونة بسياسة التسلط والقهر وادعاء حماية الأقليات، حتى أنّ الحكم سمح للتنظيم بالتمدد والتقدم في أجزاء من البلاد، واستهداف السوريين أيّاً كانت خلفياتهم الدينية والسياسية، من دون أيّ خطوة فعالة لوقف تمدد التنظيم والجماعات المتطرفة الأخرى المماثلة. ويربط تقرير أعدته الخارجية الأميركية بين زيادة قمع الحكومة للأكثرية السنية، عبر قوات النظام والمليشيات المتحالفة معه، وارتفاع نسبة القمع التي طاولت الأقليات الدينية بالقتل، والتعذيب، والاعتقالات والخطف بما فيه منعهم من إقامة شعائرهم الدينية. في هذا الوقت كان تنظيم “داعش” الإرهابي في المناطق الخاضعة لنفوذه يعمل على إرغام المسيحيين على اعتناق الإسلام، أو التهجير أو دفع الجزية أو القتل. ووسط المعمعة الدموية جرى تدمير الكنائس بشكل منهجي، والكثير من المواقع الدينية الأخرى (جوامع، حسينيات، أديرة، مزارات، مقامات، أضرحة، زوايا صوفية وغيرها). بالطبع شارك “داعش” في العنف الطائفي جبهة النصرة وغيرها من تشكيلات متطرفة. وسُجلت مئات من عمليات الخطف والقتل لأفراد وكهنة ورجال دين من أقليات دينية متعددة. حدث هذا مع فشل المعارضة في توحيد قواها وتقديم خطاب مطمئن للأقليات، وتحوّل غالبيتها نحو الأسلمة المتشددة.

 

تبعاً لما سبق، وبالمقارنة مع ما هو عليه الوضع حالياً، يتناقص عدد المسيحيين منذ الستينيات بسبب الاستبداد السياسي لنظام يوصف بالعلماني، حتى بات المسيحيون السوريون ومنذ عقود طويلة هم أكثر مسيحيي الشرق الأوسط هجرة. مع العلم أنّ هناك من اتهم المسيحيين بالوقوف إلى جانب النظام وهو ما لا يستند إلى قراءة دقيقة للوضع، مقدماً للنظام خدمة مجانية.

 

لغة المسيح

يشكل المسيحيون نحو 10 في المائة من مجموع السكان بحسب التقديرات الأميركية، بينما تقول المصادر الرسمية إنّ نسبة المسيحيين في سورية هي نحو 8 في المائة. وتختلف الكثافة المسيحيّة بحسب المناطق السوريّة، فبينما تصل إلى نحو 20 في المائة في منطقة الجزيرة الفراتية و10 في المائة في حلب و15 في المائة في المنطقة الساحليّة، تنخفض إلى 5 في المائة في كلّ من دمشق ومنطقة سهل الغاب. لكنّ هذه المعلومات كانت متداولة قبل انفجار الأحداث، ما يعني أنّ تلك النسب تعرضت للضمور أو للتراجع على نحو مقلق.

 

ينتمي المسيحيون في سورية إلى جميع الطوائف تقريباً، حتى أنّ تشكيلتهم الفسيفسائية أوسع مما هي عليه في لبنان ( 12 طائفة معترفا بها في لبنان)، وأكثرهم ينتسبون إلى الطائفة الأرثوذكسية (الأرثوذكس ككلمة تعني أتباع الطريق المستقيم)، ويقيم بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في دمشق، وهو في الأعم سوري الجنسية. تتحدث غالبية المسيحيين العربية كلغة أم وتستخدمها العديد من الكنائس كلغة طقسية بالإضافة إلى الآرامية السورية القديمة (السريانية)، وهي لغة السيد المسيح للمناسبة.

 

أما بالنسبة للأرمن السوريين فهم يستخدمون اللغة الأرمنية كلغة طقسية، وما زال معظم الأرمن يتحدثون الأرمنية كلغة أم، وإن كانوا يجيدون العربية بحكم الدراسة والعمل والهوية والإقامة. وبالنسبة للسريان فما زالت أعداد قليلة منهم تتحدث اللغة السريانية الآرامية في بعض بلدات جبال القلمون ومنطقة الجزيرة السورية. كذلك، ما زالت السريانية مستخدمة كلغة طقسية لدى كلّ الكنائس السريانية في سورية والعالم.

 

في سورية كانت الأقليات الدينية دوماً أكثر من غيرها مندفعة نحو الهجرة، وهو ما يصح على المسيحيين والأرمن، لكنّ تلك الهجرة كانت طوعية. وفي الثمانينيات من القرن الماضي تصاعدت الهجرة على نحو ملموس بفعل الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد. واستفاد السوريون المهاجرون من انتشار أقارب لهم في في كلّ من كندا، وأميركا، والسويد، وفنزويلا وأستراليا. لكنّ تلك الهجرة غلب عليها ذوو الكفاءات العلمية كأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والمحامين بفعل نقص أو ندرة فرص العمل ومحدودية الأجور بل رمزيتها حتى.

 

خلال الثمانينيات كانت نسبة المسيحيين في سورية نحو 9 في المائة، انخفضت خلال ربع قرن. ولم تكن النسبة هي التي انخفضت فقط بل العدد نفسه، إذ كان عدد المسيحيين في تلك الفترة 2.5 مليون، بينما الآن لا يصل هذا العدد إلى 2 مليون أو هو أقل بعشرات الألوف. والمسيحيون في سورية من سكان المدن، وترتفع نسبة المتعلمين بينهم بالمقارنة مع غيرهم من أبناء الطوائف الأخرى. وقد برز عدد منهم في صفوف النخبة المثقفة في المواقع السياسية والاجتماعية والفنية والثقافية والأدبية على حد سواء. ويمكن تصنيف نسبة كبيرة منهم في عداد الطبقة الوسطى من ذوي الياقات البيضاء والمهنيين والأكاديميين والبرجوازية التجارية والصناعية أيضاً، لكنّ الهيمنة من جانب النظام على الإدارة السياسية والقضاء والاقتصاد بشكل عام أدت إلى تضييق الخناق عليهم وعلى غيرهم.

 

“اكتمل النقل بالزعرور” أو تم “الانتقال من تحت الدلفة إلى تحت المزراب” كما يقال في الأمثال عندما انتشرت التنظيمات الإسلامية في سورية ما أدى إلى حالة من الرعب دفعت المسيحيين دفعاً إلى الهجرة، بعدما وجدوا أنفسهم بين “سندان” وضع النظام الاستبدادي وسياساته و”مطرقة” هذه التنظيمات. لكنّ هذه الهجرة إذا ما استمرت الأوضاع الحربية بين كرّ وفرّ يمكن الجزم معها أنّه لن يبقى مسيحيون أو أقليات، هذا إذا بقيت سورية كما نعرفها أصلاً.

 

*باحث وأستاذ جامعي

 

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رسالة إلى أسامة نصّار/ مرسيل شحوارو

      كان أسامة نصّار قد كتبَ من الغوطة الشرقية نصّاً عنوانه في القهر ...