الرئيسية / صفحات سورية / المعارضة السورية، مفاهيم وأجندات ومراكز

المعارضة السورية، مفاهيم وأجندات ومراكز


محمود عباس

 البحث في واقع الثورة السورية وما ورائها، وما يخلق من على محيطها، يقودنا إلى مواجهة مباشرة مع تيارات سياسية معارضة تتناقض مفاهيمها وأهداف الثورة، منها القوى الإسلامية السياسية، وبعض القوى القومية المدعية بالليبرالية والعلمانية، جلهم من الخارج، والداخل الثوري براء منهم، معظمهم من الذين ينفثون في روح الثورة مفاهيم عدمية ملغية للآخر بمطلقه، يخدمون وبشكل مباشر أجندات وغايات لا تخدم الثورة، أقل ما يقال عنهم أنهم أصحاب مصالح ضحلة ومتمرغة في الذات الأنانية، كما وتخدم أجندات دولية ومنظمات عالمية همها الأول مصالحها في المنطقة بكل سوياتها ومجالاتها. والتي أدت إلى صراع فاضح بين القوى المعارضة الخارجية، ولم تشذ عن شقها المعارضة الكلاسيكية في الداخل، وبدأت تتوضح وجه الصراع الحقيقي، بين القوى العلمانية والإسلام السياسي والتيار المحاور. تقف وراء كل منها قوى دولية باحثة عن مصالحها ما بعد سقوط النظام في سوريا، أو المحاورة مع النظام على نوعية السلطة القادمة. المعارضة بهذا التشرذم ينشرون ثقافة عرجاء في أجواء الثورة، كما وستخلق الأداة التي ستمكن السلطة من استعمالها لضرب الثورة في الداخل والتأثير على خاصيتها النوعية التي تسير عليها.

 المعارضة السورية الوطنية كانت حتى الماضي القريب ضائعة في أروقة العالم الخارجي تبحث تائهة عن غاية تجمعها أو سند تحميها، وعندما وجدت نفسها تقف على بنية صلدة بثورة داخلية وقوى دولية خارجية، قصرت المسافة وتقلص الزمن، أنبثقت الرؤوس من بين الركام، تبحث عن القيادة أو الشهرة، رغم أن الثورة لا تزال في طورها الأول، وتحتاج إلى الوحدة والتلاحم بين أطراف المعارضة في الخارج لتتمكن من جلب المساعدة الدولية على هيئة متماسكة وبقرارات جدية واضحة، لكنها بالعكس تتنازع فيما بينها، والسلطة تعبث بالوطن والمواطن حسب النزعات الإجرامية التي تشتهر بها الشبيحة وقوى اللاأمن السورية.

 مجموعة من المعارضة أسست ” المجلس الوطني الانتقالي السوري ” وآخرى شكلت ” المجلس الوطني السوري” وثالثة في الداخل أتحفتنا ب ” المجلس الوطني الموسع ” وما تبقى ينتقدون الجميع ويتهمونهم! بعضهم مرتبطون بالإسلام السياسي التركي الليبرالي الذي بدأ السيد أردوغان يمزجها بالعلمانية مؤخراً تمشياً مع الرأسمالية العالمية، وهي في باطنها تهدأة للداخل الإسرائيلي وحماته، وآخرون يحتمون بالإتحاد الأوروبي المناوئ لإسلامية أردوغان، والثالث الدمشقي مخلفات مؤتمر سمير أميس في دمشق. وأقسام رئيسة من الحركة الكردية تقف بنفس المسافة من بعض الأطراف، بسبب نزعاتهم الإلغائية والإقصائية، والإنتقائية في التجمعات، إضافة إلى الصمت الملغوم من قبل بعض أطراف المعارضة عن البحث في القضية الكردية ما بعد إسقاط السلطة، مع ذلك بدأت القضية الكردية تظهر، ربما بعد قناعة بعض أطراف المعارضة العربية السورية بأن الكرد هم الجزء الذي لا يمكن أن تكتمل الثورة السورية بدونهم.

 الكل من في المعارضة يسمي نفسه بال ” وطني ” والكل بال ” مؤقت ” والجميع يتراشقون بالإتهامات، والإنتماءات الفكرية الخاطئة أو الإملاءات الخارجية، والكل يدعي بدعم الشارع الثوري والمجموعات الشبابية في الداخل، ويودون أن يحصلوا على شرعيتهم، ولا يعتبرون أنفسهم البديل، ما الذي ومن الذي يشرذمهم؟! ما نفهمه نحن من كل هذا إنها لعبة الأيادي الخارجية الباحثة عن مصالحها ما بعد سقوط النظام، مع أنبثاق نزعة السيطرة والقيادة في القادم من الزمن، وهي من أمراض الثقافة التي يتمرغ فيها المجتمع السوري، إلى جانب الصراع الإيديولوجي والذي لا تعكس ماهية الثورة ومآلها ومفاهيمها. فهل ستتمكن هذه المعارضة وهي بهذا التشرذم والتباعد عن ماهية الثورة الداخلية من إزاحة السلطة السورية الفاشية؟!

 معارضة تتشرذم على مفاهيم متضاربة ضحلة غارقة في الذاتية، منهم من يطالبون بالدعم الخارجي والبعض يرفضه وآخرون لا يرفضون التحاور مع السلطة في حالات معينة. والجميع على قناعة بأن السلطات الدكتاتورية في شرقنا، أمثال سلطة الأسد السورية وقبلهم القذافي وعلي صالح، لا يمكن إزالتهم بدون أندماج عدة عوامل مع بعضها منها العامل الخارجي، أي الاستقواء بالخارج وبكل مجالاتها لإسقاطهم، خاصة نموذج السلطة السورية الفاشية المسيطرة على جميع القوى السياسية والعسكرية في الوطن، والتي لا تتهاون بإستخدامهم، وخاصة العسكرية منها بشكل واسع وبأشرس سوياتها بدون رادع من الضمير الإنساني أو الوطني.

 تلام القوى الإسلامية المعارضة بشكل رئيس وفي جميع الثورات بالكثير من التهم، وفي الثورة السورية توغلت بشكل أوسع، سخرت إعلام قوي، وبذرت جماعات خارجية أموال طائلة لهم لإقامة مؤتمرات واجتماعات عديدة، أغلبها داخل تركيا، ليطرحونهم على الساحة الوطنية كأصحاب للثورة، في الوقت الذي كان ذكر أسمهم من على الإعلام الخارجي يعد تشويهاً لمفاهيم الثورة، وتمزيقاً منسقاً لهيئاتها الداخلية، وقد بدأت تظهر سلبيات وجودهم المكثف هذا على المحافل الخارجية، كعامل مساعد على تباعد المعارضة السورية لا على تقاربها، وأنبثقت حساسيات جانبية بين قطاعات متعددة من المعارضة من وراء تلك المؤتمرات المشهورة بإقصائيتها لقوى محددة كالقوى الكردية، تلك التي لها تمثيل في الشارع الكردي، كما كان الفاعل المؤثر الذي أبعد العديد من قوى الطوائف الأخرى غير الإسلامية من جبهة المعارضة إلى تشكيل تجمعات منافسة أو أصبح البعض مراقبين للمسيرة. إلى أن شكك البعض بأن الغاية من نشاطاتهم هذه خدمت وتخدم بشكل غير مباشر مماطلات السلطة وتشديدها على الجوانب الإصلاحية في التعامل مع المعارضة الشبابية.

 بعض هذه المفاهيم التي تبث من خلال الإعلام وفي المحاورات والمؤتمرات، ستؤدي في القادم من الزمن ” أن لم تحد من أنتشارها، إلى نهوض ثورة في رحم هذه الثورة، أغلبها لتغيير أفكار الدعاة المتشددون للذات الدينية والقومية المجردة.

 التحليلات المتعددة الشمولية وبالمطلق لمواقف الأخوة المسيحيين ” رغم تقاعس الأغلبية منهم، الواضح والفاضح تجاه الثورة الشبابية، والتي لمواقف بعض التيارات الإسلامية دور مميز فيها ” دون التمييز بين طوائفهم، ومثقفيهم، وتياراتهم السياسية، بل أخذهم بمجملهم كمسيحيين، ليس فقط كمعارض للثورة أو متصالح مع السلطة بل دين مخالف للدين الإسلامي، يخلق التشويه بمطلقه لأحد أهم مفاهيم الثورة، مفهوم إلغاء الحدود، ولا نعني الحدود الجغرافية وحدها، بل أختراق وتقارب الثقافات، والأديان، والمفاهيم، وتقريب القوميات على بعضها من مبدأ الشمولية في العدالة وقبول الآخر كما هو لا كما نرغبه نحن.

 كما أن النظرة العروبية المميزة، والمحاطة بمفاهيم الأنا المطلقة، ومفهوم ألغاء الآخر الذي لا ينفصل عن التعصب السابق قوله، وأخضاع غير العربي إلى مقاييس معينة، تعد مفاهيم لتشويه روح الثورة. يشارك مفاهيم التيار الإسلام السياسي هذه، البعض من المعارضة العلمانية العربية، ويتلاقون معهم بالتحليلات والطروحات المشوهة ذات النظرة الأحادية الجانب للقضية الكردية التي لم تتجاوز بمجمله إطار مفاهيم البعث المترسخة. وذلك تمشياً مع أجندات خارجية وبالأخص مصالح الدولة التركية وحزب العدالة والتنمية، والتي دعمت من أطراف المعارضة الخارجية. علماً بأن هذه المفاهيم مرفوضة بمطلقه من قبل قوى الثورة الحقيقية شباب الثورة السورية، الذين سيكون لهم القول الفصل في القادم من الزمن. فالوطن للكل، ويجب أن يكون الوطن نقطة التماسك بين القوى المعارضة السورية ويكونوا ممثلي شباب الثورة بالفعل لا بالمهاترات.

الولايات المتحدة الأمريكية

ايلاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...