الرئيسية / كتاب الانتفاضة / روزا ياسين حسن / المعارضة السورية: كل يغني على ليلاه: روزا ياسين حسن

المعارضة السورية: كل يغني على ليلاه: روزا ياسين حسن

 

روزا ياسين حسن

قبل أيام قليلة وجّهت القيادة المشتركة للجيش السوري الحر رسالة مفتوحة إلى جماعة الإخوان المسلمين السورية، تحمّلها فيها مسؤولية تأخر انتصار الثورة السورية وتشرذم المعارضة، كما تحذّرها من صدام عميق وكبير بين الجماعة وبين مجمل القوى المدنية والثورية والوطنية والعسكرية والسياسية أيضاً في الشارع السوري.

هذا البيان، رغم أني أجده إيجابياً بالعموم لجهة فضح الأساليب الملتوية التي تعمل بها بعض قوى المعارضة الدينية، إلا أنه يعكس حالة التشرذم الواضحة بين فصائل المعارضة السياسية، بالإضافة إلى حالة التشرذم، التي تتضح يوماً بعد يوم، على مستوى الكتائب المسلحة والجيش الحر. لكن جماعة الأخوان المسلمين ردّت على البيان آنف الذكر بقولها إن القيادة المشتركة لا تمثل الجيش الحر، بل لا تمثل شيئاً، وما حمله بيانها هو جزء من جملة اتهامات تطال الجماعة من قبل من يحابي النظام السوري. انتهى البيان بجملة تقول: “إنّ كلّ ما يجري من محاولات للنيل من الجماعة، هو مخطط فاشل وسخيف يحاول عرقلة مسار الثورة. كل من يتواطئ مع هذا المخطّط سيكون عليه علامة استفهام حول مواقفه البعيدة عن التحالف الوطني”!.

هذه الجملة الأخيرة تلخّص المشكلة الأساس التي تعاني منها مجمل فصائل المعارضة السورية، وإن أتت على لسان الأخوان المسلمين هذه المرة، فإما أن يكون الآخر متماثلاً معها وإلا فهو عدو، أو حليف مفروض إلى حين. هذا الأداء يماثل تماماً أداء الأنظمة الديكتاتورية، تلك التي تكاد أن تولّد، مع طول زمان الطغيان، معارضات تشبهها إلى حدّ بعيد، تجهل ما الذي تعنيه ممارسة الفعل الديمقراطي كطرف سياسي بجانب الأطراف الأخرى المختلفة، كجزء من مشهد سياسي متعدد وليس طرفاً وحيداً في الساحة. وربما كان انتفاء الفعل السياسي، وبالتالي انتفاء لتراكم تجارب ذلك الفعل، هو الذي أدى إلى افتقاد النضج السياسي وثقافة الحوار في أوساط المعارضة السورية. هذا لا يعني التوحّد أبداً في قالب واحد وشكل محدد بعينه، فهذا أشد خطورة من الشرذمة، ولكن يعني الوحدة، بمعنى وحدة الصف وتقارب الموقف والهدف في مثل هذه الظروف الكارثية التي تمرّ فيها سوريا، التي لم تستطع المعارضة حتى الآن أن ترقى بأدائها إلى حد التضحيات الجسيمة التي دفعها الشعب السوري وهو يدخل السنة الثالثة للثورة.

أحادية النظرة التي تكتنف رؤى المعارضة جعلت القوى المكونة للائتلاف السوري المعارض تصرّ على إعلان الائتلاف كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري، رغم أن ثمة العديد من القوى والشخصيات المعارضة غير موجودة أو ممثلة في الائتلاف، وذهب مقعد سوريا كدولة في جامعة الدول العربية إلى الائتلاف، كما سميت سفارة سوريا في قطر باسم: سفارة الائتلاف، قبل أن تعلو الانتقادات والاحتجاجات على ذلك من قبل الشارع فعاد الائتلاف واسمها: سفارة سوريا في قطر. رغم أن حصول المعارضة على مقعد سوريا من بين براثن النظام السوري هو خطوة مهمة سياسياً حققها الائتلاف إلا أنها غير مكتملة وأحادية الفعل. بناء على ذلك وجه العديد من السياسيين والنشطاء والمثقفين بياناً يطالب بتوسيع الائتلاف ليضم كل أطياف المعارضة والثورة كي يستحق أن يكون الممثل الحقيقي للشعب السوري ولمقعد سوريا في المحافل الدولية.

أما النزعة الفردانية فهي آفة إضافية من آفات المعارضة السورية تتكثّف في أبشع صورها في مهاجمة المعارضين لبعضهم البعض في حال الاختلاف في الآراء أو المواقف، معظم هذه الخلافات لأسباب شخصية، ويأتي الهجوم على شكل شتائم واتهامات وتعيير ونبش للتاريخ الشخصي، الأمر الذي لا يفعله مثلاً رجالات النظام مع بعضهم، فيظهر الأمر على أنه محاولات لتضييق الطيف الواسع في رؤية فردانية مغلقة. على سبيل المثال كان من الواضح منذ البدايات محاولات جماعة الأخوان المسلمين السورية لفرض الهيمنة على الشارع، سواء من خلال بعث الأموال أو الأسلحة للكتائب التي تخضع لها دوناً عن غيرها، أو لبعض التنسيقيات والمجالس المحلية دون غيرها أيضاً. ذلك المال كان كفيلاً إلى حدّ بعيد بفرض رغبتها في إطلاق الأسماء الدينية على الكتائب المقاتلة، بدل الأسماء الوطنية أو حتى المناطقية، على سبيل المثال.

ثم بدأت محاولات الهيمنة على المجلس الوطني ثم الائتلاف. جملة من الممارسات يلمسها من هو داخل الجسم السياسي أو خارجه، من إقصاء وتهميش للقوى والشخصيات الأخرى، كأن الجماعة تعدّ لتحقيق حلمها بمستقبل شبيه بحاضر المعارضة الدينية في مصر وتونس، لذلك فقد راحت محاولات ركوب الثورة السورية من قبلها يتضح منذ مؤتمر إنطاليا الأول- أيار 2011 حين كانت مترددة بداية في الانتماء إلى جسم معارض للنظام السوري لكنها بعثت مندوباً عنها إلى المؤتمر، من ثم زادت من محاولات استغلال اتصالاتها على الأرض وعقدت بعد أقل من شهر مؤتمراً في بروكسل، غالبيته من الإسلاميين، وكانت رسالة مبكرة إلى عموم المعارضة والشارع بأن جماعة الأخوان المسلمين بدأت عملها. ترافق كل ذلك بدعم واضح من وسائل الإعلام التي تؤيد القوى الإسلامية في عموم العالم العربي. بالمقابل كانت المعارضة الوطنية والعلمانية واليسارية، للأسف، متشظية ضعيفة وقليلة الخبرة في هذه المجالات، وجزء كبير منها معطّل الفاعلية، ولم تستطع أن تحتل موقعاً منافساً لا في الشارع ولا في الأوساط السياسية، فغاب الدور الحقيقي للمعارضة الوطنية المدنية الديمقراطية في المشهد السياسي للثورة.

أما الشخصنة فهي ثالث المشاكل التي تعاني منها المعارضة السورية، وربما ليست آخرها، تتكثف أيضاً في مواقف فردية غير جماعية، وفي آراء فردية تؤكد على الرأي الشخصي أكثر منها على رأي المعارضة ككتلة مؤثرة قوية. لست هنا أهاجم أحقية المرء في عرض رأيه الشخصي، لكن في الأوقات والمناسبات الملائمة لذلك. فتتحول الآراء والمواقف لبعض رجالات المعارضة إلى استعراضات أكثر منها مواقف يعتد بها، هذا ما يجعل المعارضة تتضح أكثر كقوى وشخصيات وأحزاب متشرذمة مفتتة كل من فيها يغني على ليلاه، ويؤسس لما يريد ولسوريا التي يريدها.

ربما تكون كل تلك المشاكل التي تعاني منها المعارضة السورية، والتي ترسّخ شرذمتها وتفككها، سبباً إضافياً في إطالة عمر النظام السوري، كما في إطالة أمد معاناة السوريين التي لا تكاد تنتهي، والأهم في تفكيك صف الثورة وإضعافها، ثم في فتح الباب لتصير البلاد فسحة يتحارب عليها من هب ودب.

موقع 24

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

61 − 55 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...