الرئيسية / صفحات مميزة / المعارضة السورية ومؤتمر القاهرة المرتقب –مجموعة مقالات-

المعارضة السورية ومؤتمر القاهرة المرتقب –مجموعة مقالات-

بين القاهرة والرياض/ فايز سارة

ثمة اهتمام عام بموضوعين أساسيين يتعلقان بالقضية السورية؛ أولهما مؤتمر المعارضة السورية المزمع عقده في القاهرة في نهاية الأسبوع الأول من الشهر القادم، والثاني مؤتمر حول المعارضة السورية، يجري الاستعداد لعقده في غضون شهر، يلي انعقاد مؤتمر القاهرة. ورغم أن الاثنين في دائرة الاهتمام السوري والإقليمي والدولي، فإن المؤتمرين مختلفان من زوايا مختلفة، رغم أنهما في صلب القضية السورية، ويعالجان موضوعين جوهريين من موضوعاتها.

مؤتمر القاهرة الذي سيعقد تحت اسم «المؤتمر الوطني للمعارضة من أجل حل سياسي في سوريا»، ثمرة جهد لمعارضين سوريين متنوعي الانتماءات السياسية والتنظيمية، عقدوا اجتماعًا لهم في القاهرة بداية العام، لرسم ملامح رؤية حول فكرة الحل السياسي، وبعد يومين من اللقاءات والحوارات، أصدروا بيانهم «نداء القاهرة من أجل سوريا» رسموا فيه توافقاتهم الأساسية حول الحل السياسي، وأكدوا ضرورة سعيهم لكسب تأييد سوري وإقليمي ودولي للفكرة القائمة على مرجعية جنيف والقرارات الدولية، التي تراجع الاهتمام بها بعد جنيف 2 في عام 2014. واتفقوا على عقد مؤتمر وطني للمعارضة، يرسم ملامح خريطة طريق للحل السياسي، تدفع المجتمع الدولي في هذا المسار في ضوء استمرار ترديات القضية السورية، وتواصل مسيرة الدم والدمار والتهجير، التي يتابعها النظام، وقد انضمت إليها جماعات التطرف والإرهاب وفي مقدمتها «داعش».

وطوال أربعة أشهر، تابعت اللجنة التي كلفها اجتماع القاهرة جهودها في الاتصال والحوار مع الأطراف السورية والعربية والدولية لتعزيز التوجه نحو الحل السياسي، كما أعدت في إطار عملها وثائق أساسية بينها خريطة طريق للحل السياسي، تضمنت برنامجًا عمليًا من الناحيتين الموضوعية والزمنية، أكد على الالتزامات الدولية المطلوبة. كما أعدت قائمة بالمدعوين من تنظيمات وجماعات سياسية ومدنية وتشكيلات عسكرية وفعاليات اجتماعية واقتصادية، تعكس الغنى والتنوع في المعارضة السورية. وبطبيعة الحال، فإن جهدًا كهذا، احتاج إلى مساعدة مصرية رسمية ومدنية، حيث عقد الاجتماع ويعقد المؤتمر من أجل تسهيلات لوجيستية، لا شك أن لها دورًا في إنجاح هذا الجهد المعارض.

وخلافًا لما أثير، وما زال يثار حول مؤتمر القاهرة لغايات سياسية، أغلبها لا يتعلق بموضوعات سورية، بل بالعلاقات البينية الإقليمية، فإن مهمته أساسها موضوع الحل السياسي، وليس خلق إطار سياسي جديد للمعارضة، ولا إيجاد بديل للائتلاف الوطني أو هيئة التنسيق، ولا خلق قيادة جديدة للمعارضة السورية، إنما خلق قوة مساعدة. وكلها أمور أكدها نداء القاهرة، وتتجه لتأكيدها مخرجات المؤتمر المقبل بحكم جدول الأعمال المرسوم، وحسب محتويات وثائقه، التي ستناقش وتقر من المؤتمرين في ضوء محتوى الدعوة الموجهة لهم.

أما في موضوع مؤتمر الرياض، فهو أمر آخر في محتواه وأهدافه، إذ هو في الأساس دعوة سعودية، هدفها مساعدة المعارضة السورية لإخراج القضية السورية مما آلت إليه أوضاعها، وتحقيق السلام، والمساعدة في الوصول إلى هدف السوريين في إقامة نظام جديد يخلف نظام الاستبداد الدموي، نظام يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، وتجددت الدعوة مع انعقاد القمة الخليجية الأخيرة، لتصبح دعوة خليجية بالمحتوى نفسه.

وما سيحدث في الرياض طبقًا لما رشح من معلومات، هو اجتماع لمعارضين سوريين يمثلون التنظيمات السياسية والمدنية والتشكيلات العسكرية وشخصيات فاعلة، ليناقشوا القضية السورية، وواقع المعارضة، ثم ينتخبون من بينهم قيادة تنفيذية، تمثل الجميع، وتتولى قيادة المرحلة الحالية بمستوياتها السياسية والعسكرية، وتكون الجهة التي ستتولى أعباء المرحلة المقبلة في حالة الوصول إلى حل سياسي، يمر بمرحلة انتقالية حسبما نصت عليه مرجعية جنيف والقرارات الدولية الخاصة بصدد سوريا.

وطبقًا للمعلومات، فإن مؤتمر الرياض، لن يتعرض للبنى القائمة في المعارضة، بمعنى أنه لن يؤسس بدائل لأي منها، ولن يكون عوضًا عنها، بل سيخلق إطار مشتركًا وفعالاً لتعاونها، وقيادتها في إنجاز مهماتها وتحقيق أهدافها المشتركة، والتغلب على التحديات والمشكلات، التي يطرحها الواقع السوري بتعقيداته وعلاقاته الداخلية والخارجية على السواء.

ومما لا شك فيه أن طبيعة مؤتمر الرياض ومهماته، التي تختلف عن طبيعة مؤتمر القاهرة ومهماته، تتطلب دعمًا ومساندة كبيرة، لا تقتصر على مساعدة المملكة العربية السعودية وأخواتها الخليجيات، إنما تحتاج أيضًا إلى مساعدة من دول إقليمية، تقع تركيا في مقدمتها إلى جانب دول عربية على رأسها مصر، ودول أخرى مهتمة وذات تأثير بالموضوع السوري مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وكله يفترض أن يتم خارج الخلافات البينية والكيديات السياسية، التي سادت في المرحلة الماضية من سنوات القضية السورية.

خلاصة الأمر في مؤتمري القاهرة والرياض، أنهما يكمل بعضهما بعضا، حيث الأول يمهد للثاني، والأخير يكمل بعض ما بدأه الأول، دون أن يذهب أي منهما في خلق بدائل لما هو قائم، بل وضع ما هو قائم في إطاره الصحيح، وتوظيف قدراته وطاقاته الإيجابية في خدمة القضية السورية، التي كانت ولا تزال بحاجة إلى جهود وعلاقات متكاتفة للخروج من آثارها الكارثية على الشعب السوري، وتداعياتها الإقليمية والدولية التي باتت تثقل دول الجوار والأبعد منها، وخصوصا في ثلاثة موضوعات رئيسية: مكافحة إرهاب النظام وحلفائه وجماعات التطرف. ومواجهة قضية اللاجئين السوريين وإغاثتهم، التي صارت ملفًا عالميًا ثقيلاً. ووقف عمليات الهجرة غير الشرعية، التي باتت تثقل ظهور السوريين ودول الاستقبال في آن معًا.

كاتب وصحافيّ سوريّ، وعضو الهيئة السيّاسيّة في الإئتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة حاليا ومستشار سياسي واعلاميّ لرئيس الإئتلاف

الشرق الأوسط

 

 

 

 

الرياض والقاهرة.. والجسم الذي يليق بالثورة السورية/ عمار مصارع

الفشل الواضح لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا في بحثه عن حلول «ترقيعية» تجاوزتها المعطيات الجديدة التي تحققت على الأرض، والمتمثلة في قلب الميزان العسكري لصالح الثوار السوريين، مضافاً إليه بؤس الأداء السياسي للمعارضة السورية المتمثلة بالائتلاف، والتمدد الذي حققته داعش بعد سيطرتها الكاملة على مدينة تدمر ومحيطها، كل هذا يجعل من المؤتمرين اللذين يجري التحضير لهما في القاهرة والرياض خلال الشهرين المقبلين محط اهتمام المتابعين لما يتوقع أن يصدر عنهما، خصوصاً وأن بعض التلميحات قد انتشرت بشأن نية الإعلان عن تشكيل جسم سياسي يسوق بعضهم أنه سيكون بديلاً عن التنظيمات التي أسست بعد الثورة، وأبرزها ائتلاف قوى المعارضة، والتي لم تستطع رغم كل الدعم الذي قدم لها، أن تكون جامعة وممثلة للثورة السورية.

معطيات كثيرة بعضها يتعلق بالظرف السياسي العام الذي تعيشه القاهرة، وبعضها مرتبط بالعلاقة بين تغير موازين القوى على الأرض، وطبيعة خطاب بعض المشاركين في مؤتمر القاهرة، هذا الخطاب الذي لم يستطع بناء موقف سياسي قادر على التعامل مع هذه المستجدات، ومن ثم صياغة خطاب متكامل.. هذا كله يحول دون استطاعة المشاركين في مؤتمر القاهرة الإعلان عن الجسم السياسي الجامع، الذي يمكن أن يكون بديلاً عن الأجسام السياسية المترهّلة التي ظهرت بعد قيام الثورة، وتصدّرت تمثيلها. مما يجعلنا نذهب إلى اعتبار مؤتمر القاهرة محطة، أو مقدمة يمكن أن يبنى عليها ويتم إنضاجها في مؤتمر الرياض الذي سيعقد بعد شهر رمضان.

في المقابل، وبعد ما حققته عاصفة الحزم واقتناع الجميع بأن السعودية أصبحت الجدار الأول في مقاومة المشروع الإيراني الطائفي في المنطقة، فإن الرياض أصبحت عاصمة للأمل لدى السوريين أيضاً، وهم لا ينسون أن الرياض ومنذ اليوم الأول للثورة أعلنت موقفاً لا لبس فيه منحازاً لمطالب الحرية والكرامة، وبقيت تالياً أكبر داعم في مختلف المراحل التي مرّت بها الثورة السورية سواء عبر الدعم الإغاثي والسياسي أو الدعم العسكري للفصائل التي كانت أكثر وطنية، وفي هذا السياق يمكن أن نتذكر الفترة التي ترأس فيها أحمد الجربا الائتلاف، والتي استطاع فيها الائتلاف بسبب الدعم السعودي الكبير، تحقيق الكثير من الإنجازات سواء على مستوى الحضور السياسي الذي أنتج بنود جنيف الأول، أو العسكري الذي شهد حضوراً للجيش الحر وقدرته على تحرير الكثير من الأراضي. وهذا كله يجعل حظوظ مؤتمر الرياض للمعارضة السورية بالنجاح، والخروج بنتائج عملية تنهض بالوضع السوري بصورة كبيرة، خصوصاً إذا ما تذكرنا أن الرياض ترتبط بعلاقات قديمة مع مختلف أطياف النسيج الاجتماعي السوري، وهي الأكثر قدرة على تسويق نتائج أي مؤتمر يعقد فيها وتأمين الدعم الدولي له، وهي الوحيدة اليوم القادرة على الوقوف على مسافة واحدة من مختلف أطياف المعارضة، بما فيها الاخوان المسلمون الذين لها موقف قديم منهم، بخاصة بعد تحسن العلاقة مع قطر وتركيا، وبروز قدرة السعودية على تجاوز الخلافات البينية معهما، واستعدادها للتنسيق معهما مستغلة الوضع الجغرافي الهام لتركيا والذي يمكنه المساعدة على احتضان اي نتيجة يمكن ان يخرج بها مؤتمر الرياض.

ولكن ما هو المطلوب من مؤتمر الرياض؟

خلال الخمسين شهراً الماضية لم تستطع الثورة السورية انتاج جسم سياسي معبر، اذ لم يستطع الائتلاف، رغم الدعم الشعبي والدولي الكبير، الذي رافق ولادته ان يكون الرافعة السياسية المعبرة عن هموم السوريين، وتطلعاتهم في الحرية والكرامة. ولم يستطع ان يكون ممثلا للقوى الفاعلة في المجتمع السوري والثورة السورية. لهذا يطمح السوريون ان لا يقتصر الجهد السعودي على احتضان مؤتمر ينتهي باعلان او خارطة طريق مل السوريون من كثرتهما، بل المساعدة على تأسيس جسم سياسي يليق بما وصلت اليه الثورة السورية، اذ ان الرياض هي العاصمة الوحيدة القادرة على تجميع اكبر عدد من السوريين الفاعلين كل في مجاله ومنطقته، بعيداً عن الشخصيات التي اهترأت وما عاد السوريون يثقون بها.. الرياض ترتبط بعلاقات قديمة لم تنقطع مع شيوخ العشائر السورية، ومع الشخصيات الدينية المعتدلة الوازنة والمحترمة من السوريين، اضافة الى قادة الفصائل العسكرية الفاعلة والمعتدلة ايضا، وللرياض علاقات جيدة مع رجال الاعمال السوريين الذين لم يرتبطوا بعلاقات مع النظام، ومع كثير من النخبة السورية التي لم تشارك في مهازل اداء المعارضة المتصدرة للمشهد السوري.

ان السعودية بثقلها الاقتصادي هي البلد المؤهل لقيادة مشروع مارشال سوري لاعادة اعمار سوريا بعد التهديم غير المسبوق الذي نتج عن غارات وبراميل النظام المتفجرة.. مشروع يعيد ربط الشراكة الاستراتيجية اقتصادياً وسياسياً مع دول الخليج بعد ان تغيرت قناعات السوريين بكل ارتباطاتهم قبل الثورة.

ان انعقاد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية على قاعدة ضرورة الخروج بخريطة طريق واضحة الملامح ومسايرة للحقائق الجديدة على الارض حيث يتراجع النظام وداعميه، ويحقق الثوار انجازات مبشرة، وقاعدة انه بات ضروريا تأسيس جسم سياسي اكثر تمثيلاً للسوريين، ومحكوم بهواجس وطنية واضحة.. جسم يمكنه ان يؤدي الى طرح مقترحات لهيئة سياسية تلبي متطلبات مؤتمر جنيف في التفسير الذي يلغي اي مشاركة للاسد وكل من ولغت يداه بالدم السوري.. مؤتمر الرياض في نهاية المطاف هو الفرصة الأخيرة لانقاذ البلد من فوضى غياب الفعل السياسي.

المسقبل

 

 

 

أسئلة دي ميستورا ومفاجأة موسكو/ منذر خدام

بعد أن فشلت مساعي السيد استيفان دي ميستورا لتجميد القتال في حلب، وهي فاتحة مساعيه لحل الأزمة السورية، يحاول في الوقت الراهن البحث عن مخارج أخرى للأزمة من خلال مشاورات يجريها مع سوريين في المعارضة والموالاة، وفي المجتمع المدني، ومع الدول المتدخلة والمؤثرة في الأزمة السورية، بطلب من الأمين العام للأمم المتحدة، وبدعم من مجلس الأمن كما جاء في نص الدعوات التي وجهها إلى محاوريه المحددين مسبقاً.

من المعلوم أن السيد دي ميستورا هو المفوض الثالث الذي يكلفه الأمين العام للأمم المتحدة كموفد أممي إلى سورية خلفاً لكل من كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، إذ استقال الأول بعد نحو ستة أشهر من مباشرته مهمته، في حين استقال الثاني بعد نحو سنتين من مباشرتها، وقد برر كل منهما سبب الاستقالة بعدم نضج الظروف لحل الأزمة السورية. ويبدو أن دي ميستورا كان على طريق تقديم استقالته لولا التدخل الجدي من بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة ومن مجلس الأمن وحثه على تغيير مقارباته للأزمة والشروع في إجراء مشاورات مع مختلف الأطراف السورية والدولية لتهيئة الظروف لانعقاد جنيف 3 للتوصل إلى حل سياسي للأزمة. وقد جاء تدخل بان كي مون ومجلس الأمن لدى دي ميستورا بعد تحقيق المعارضة المسلحة نجاحات على الأرض لتعديل موازين القوى العسكرية، وبروز مخاطر جدية تتعلق باحتمال انهيار الجيش السوري وبالتالي انهيار الدولة السورية، مع ما يجلبه ذلك من مخاطر على المنطقة برمتها.

في لعبة الصراع المسلح ثمة حقيقة سياسية باتت معلومة تفيد بأنه من غير المسموح به دولياً لأي طرف من أطراف الصراع تحقيق حسم عسكري واضح ، بل إنهاك قوى جميع الأطراف المتقاتلة لتقبل أخيراً بالحل السياسي التفاوضي. فليس خافياً أن قوى المعارضة المسلحة الأساسية يغلب عليها الطابع المتطرف الإرهابي، وهي ليست خياراً دولياً أو إقليمياً بديلاً للنظام، رغم تلقيها الدعم من بعض الأطراف الإقليمية والدولية، لكن من جهة أخرى ليس بقاء النظام الحالي برئاسة الأسد خيارها أيضاً، لكنها مع ذلك تخشى من حصول مفاجآت غير متوقعة من قبيل انهيار مؤسسات الدولة، وخصوصاً انهيار المؤسسة العسكرية، التي هم حريصون على بقائها ليس كلاحم لبقاء الدولة فقط، بل للمساعدة في القضاء على القوى الإرهابية التي استفحل خطرها في سورية وفي عموم المنطقة. في هذه الظروف الجديدة بدأ التحرك الدولي لإيجاد حل للأزمة السورية، وأعطيت التوجيهات لدي ميستورا ليغير اتجاه تحركه نحو استطلاع آراء السوريين والدول الإقليمية المؤثرة في الساحة السورية حول أفضل الحلول الواقعية للأزمة السورية.

في لقاءات دي ميستورا المبرمجة مع نحو ثلاثمائة شخصية سورية معارضة وموالية، ومن المجتمع المدني، إضافة إلى عدد من الدول المؤثرة في الداخل السوري، تلفت الانتباه طبيعة الأسئلة التي يوجهها ومساعديه إلى زوارهم في قصر الأمم المتحدة في جنيف، وهي بالتأكيد أسئلة مفكر فيها، وليست اعتباطية، أو من وحي اللقاءات. مثلاً غالباً ما يتم افتتاح بنك الأسئلة بسؤال حول رؤية الزائر للخروج من الأزمة، وفي الجواب عن هذا السؤال يتقرر أحياناً مدى استمرار اللقاء. بعض من زائريه يكرر الأسطوانة المعروفة حول ضرورة الحسم العسكري، وأن لا مخرج من الأزمة بغير ذلك. عند هذا الجواب يتدخل دي ميستورا أو أحد مساعديه ليذكر الزائر بأن لا حل عسكرياً للأزمة، ويطلب منه بديبلوماسية إذا كان لديه شيء مكتوب حول الرؤية المطروحة أن يسلمه، ومن ثم ينهي اللقاء.

ووفق ما أفادت به مصادر قصر الأمم المتحدة في جنيف فإنه أضطر إلى إنهاء لقاءات مع بعض السوريين بصورة تكاد تكون غير دبلوماسية عندما شعر بأن زائره جاء ليلقي ببيانات حربية فقط، أو بآراء هي أقرب إلى الشطح. لكنه في حالات أخرى كان يمدد زمن اللقاء مع بعض الوفود إلى أبعد من الوقت المحدد عندما كان يشعر بأن لدى محدثيه أراء سياسية واقعية، وتحليلات للأوضاع رصينة وموضوعية، وحلولاً مقترحة ممكنة.

شملـــت قائمــة أسئلة دي ميستورا وطاقمه طائفة من الأسئلة الجدية والمتنوعة التي تحيط بجميع جوانب الأزمـــة في سورية مثلاً: هل من احتمال أن ينهار النظام بصـــورة مفاجئة؟ ما هو مصير الأقليات؟ وما هي طبيعة المخـــاطر التي تتهددها؟ وما هو دورها في المستقبل؟ هـــل الشعب السوري يفضل إسقاط النظام أم وقف الحــرب؟ ما طبيعة النظام السياسي المنشود؟ ما هي حظـوظ تطبيق بيان جنيف؟ وما هي المداخل الواقعية إلى ذلك؟ كيف ترون هيئة الحكم الانتقالي؟ وما هي طبيعتها؟ وما هي الصلاحيات التي ينبغي أن تتمتع بها؟. هل رحيل الأسد شرط مسبق للتوصل إلى حل سياسي للأزمة؟ وفي حال بقائه، ما هي الصلاحيات التي سوف يحتفظ بها خلال المرحلة الانتقالية؟ هل تقبل بالأسد منافساً في الانتخابات المقبلة المحتملة؟ هل تفضل الدولة المركزية أم الدولة اللامركزية؟ ما هو رأيك بتجربة الإدارة الذاتية الكردية؟ وهل يمكن تطبيقها على مناطق أخرى في سورية؟ كيف يمكن معالجة مسألة التطرف؟ ما هو الموقف من المسلحين؟ وغير ذلك من قائمة طويلة من الأسئلة كان يختار منها دي ميستورا وطاقمه ما يتناسب مع طبيعة الزائر.

من المقرر أن تستمر لقاءات دي ميستورا مع سوريين وغيرهم إلى قبيل موعد تقديم تقريره الدوري إلى مجلس الأمن في شهر حزيران القادم. باعتقادي لن يكون تقرير دي ميستورا غير عادي، فمواقف جميع الفرقاء السوريين والدوليين من الأزمة في سورية معلومة. المفاجأة التي ينبغي توقعها سوف تحصل، في الأغلب الأعم ، في مكان آخر، في موسكو تحديداً، حيث يجتمع، لأول مرة، فريق من الفنيين والخبراء الأميركيين مع نظراء لهم من الروس للبحث في كيفية الخروج من الأزمة السورية، مع الحفاظ على الدولة السورية، ووحدة سورية، ومن ثم التفرغ لمحاربة التطرف والإرهاب. لكن حول ذلك سوف يكون لنا حديث آخر.

الحياة

 

 

 

 

الطريق إلى جنيف 3/ د. رياض نعسان أغا

قديماً قيل «كل الطرق تؤدي إلى روما»، لكنها اليوم تؤدي إلى جنيف، وما تزال وثيقة جنيف حول حل سياسي للقضية السورية معتمدة وقابلة للتنفيذ ويسعى «ديمستورا» بعد مشاوراته أن يمهد الطريق إلى جنيف 3. لكن النظام السوري يرفض القبول بها لأن فيها نهايته، وهو يقدم نفسه شريكاً أساسياً في محاربة الإرهاب، وبخاصة ضد تنظيم «داعش» على رغم أن النظام السوري سلمه الرقة وتدمر، واشترى منه النفط! والعجب أن تبدو «دولة داعش» قوية إلى درجة لا يتمكن التحالف الدولي من صدها أو إيقاف زحفها على رغم أن جيوشها كانت تتقدم مكشوفة في أرض خلاء وعلى مدى مئات الكيلومترات! وسيحتاج العالم بقواه الكبرى إلى سنين طويلة كي يحقق انتصاراً عليها، وهي تتحداه وتعلن أنها باقية وتتمدد!

والحقيقة أن ما يحدث بات أقرب إلى ما يسمى «التراجيكوميديا» وعنصر التراجيديا نراه في أبشع صوره في أفلام «قطع الروؤس» فقد اعتاد العالم على رؤية سياف يقطع الرؤوس! ولا يخفى على أحد أن وصول «داعش» إلى مقربة من حمص ربما يفتح له الطريق إلى دمشق حيث ينتظره «جيش الإسلام» المتأهب لقتاله، وقد تشترك «جبهة النصرة» في قتالهما معاً، وقد يكتفي العالم بالتورية الشهيرة «فخار يطبش بعضه»! والمهم أن مؤتمر جنيف 3 الذي يتم الإعداد له بدءاً من لقاءات باريس في مطلع يونيو القادم، لا يتضمن رؤية حل سريع لمشكلة «داعش» فمصيرها مؤجل لعقد قادم وربما لعقود حسب تصريحات قادة التحالف الغربيي! فهم غير مستعجلين، وربما هم مذعنون لتقبل ازدياد عدد الرؤوس التي ستقطع على أبواب حمص أو دمشق، وربما يفاجئنا «داعش» باحتلال حلب التي باتت ركاماً يسهل أن تتم السيطرة عليه، ولن يقبل «جيش الفتح» ذلك والأرجح أن يخوض معركة ضد «داعش».

والمجتمع الدولي يطالب بضمان مستقبل الأقليات وحمايتها، ولكن لا أحد يتكلم عن ضمان أمن للأكثرية المسحوقة التي دفعت ثمناً باهظاً لخجلها التاريخي من إعلان كونها تنتمي مذهبياً إلى السنة، وهي التي ابتعدت عن هذه التصنيفات المذهبية منذ الثورة العربية الكبرى على العثمانيين وأعلنت انتماءها إلى العروبة وإلى سوريا الدولة المدنية الجديدة يومذاك. وحين ثارت على الانتداب الفرنسي عززت انتماءها الوطني بتنوع وتعدد مذاهب وأعراق قادتها، واعتزت بأن فيهم إبراهيم هنانو الكردي وصالح العلي العلوي وفارس الخوري المسيحي ومنحت منصب قيادة الثورة السورية لسلطان باشا الدرزي. وحين اندلعت الثورة الراهنة كان أول نداء فيها «الشعب السوري واحد» وتعلق السوريون بوحدتهم ورفعوا علم الاستقلال، وأصروا على نبذ الطائفية والمذهبية والإثنية ولكنهم وجدوا جيوشاً تزحف من لبنان ومن العراق تحمل رايات الثأر التاريخي للحسين! وتصرخ بأن زينب لن تسبى مرتين! وكأن الثورة قامت ضد زينب! وتحول المشهد للأسف إلى صراع طائفي، وكان ظهور «داعش» مصنوعاً ومسرحياً، وبدت مهمته تقديم صورة قاتمة عن أهل السنة، وتصويرهم بأنهم قاطعو رؤوس! والمفارقة أن أكثر الرؤوس التي قطعت هي رؤوس أهل السنة في سوريا والعراق.

والمفجع اليوم أن يكثر الحديث في الأروقة السياسية الدولية عن التقسيم ضماناً لأمن طائفة، وهذا الحل سيكون سبباً لاستمرار الحرب وتصاعد العنف، فلن يقبل السوريون أن يروا بلدهم ممزقاً إرضاء لفئة أو لطائفة. وأية قسمة منصفة تبقى من سوريا بعد أن سيطر «داعش» على نصف مساحتها، وفيها الثروات الطبيعية كالنفط والغاز والفوسفات والماء والزراعة. ثم تقتطع منها محافظات حمص واللاذقية وطرطوس وقد تمتد من القلمون إلى البقاع وربما إلى الضاحية جنوب لبنان! وأعتقد أن من يرون المستقبل من العلويين لن يقبلوا بهذا الحل الذي يعزلهم عن شعبهم، وأما التخوف من الثأر والانتقام والقلق على أمن الأقليات فلن يجد مبرراً حين يتحقق حل عادل يرضي الشعب، وتبدأ مرحلة انتقالية تؤسس لدولة مدنية يشارك فيها السوريون جميعاً على مبدأ المواطنة دون تفتت طائفي أو عرقي، وهذا ما ستجتمع عليه القوى السورية كلها في مؤتمر الرياض الذي نتفاءل بأن يقدم رؤية عملية للحل.

الاتحاد

 

 

 

 

 

معارضة سورية في ضيافة السيسي/ غازي دحمان

يصر بعض من المعارضة السورية على ارتكاب الأخطاء والوقوع في فخ دوائر الاستخبارات الإقليمية والدولية، على الرغم من وضوح الأجندات وطبيعة الاستهداف، الذي تمارسه بعض تلك الدوائر ورهاناتها، التي لا تخفيها ضد ثورة الشعب السوري وتضحياته وآماله في التخلص من حكم نظامٍ بات أقرب إلى منطق العصابة، ولا يخفي تبعيته لمشروع معاد للسوريين والعرب عموماً. ماذا يفعل بعض أطياف المعارضة السورية في القاهرة، وما الذي ستضيفه للثورة السورية، ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ الإجابة عن هذه الأسئلة حق مشروع للشعب السوري، وواجب على الأطراف التي تتقاطر إلى القاهرة لحضور مؤتمرها، وتحت خيمة النظام المصري.

الجواب لدى هذه المعارضة، هو تشكيل هيئة سياسية للمعارضة السورية. حسناً، قد يبدو هذا الأمر مطلباً طبيعياً، بهدف تحسين أداء المعارضة، ورفع نسبة تمثيل مختلف أطياف الشعب السوري وتياراته، بل إن تصويب الأداء وتوسيع القاعدة التمثيلية للمعارضة أمر صحي، من شأنه إعطاء شرعية أكبر للجسم المعارض في مواجهة النظام الذي طالما ادعى عدم وجود بديل مناسب له، يكون قادراً على قيادة البلاد، والحفاظ على مؤسسات الدولة، ويمنع البلاد من الوقوع في لجّة الفوضى، حينما تحل ساعة رحيله، ولا شك أن هذا الأمر يبعث رسالة إلى القوى الكبرى، وخصوصاً الحليفة منها للنظام، بوجود معارضة جدية وقادرة على إدارة البلاد في اليوم التالي من سقوط النظام، وأن تصدر هذه المعارضة عن رؤية واضحة، تحدد موقفها من الأوضاع الداخلية وطبيعة الحكم وعلاقتها بالقوى الدولية المختلفة.

“لا يخفي نظام السيسي محاولاته توظيف الحدث السوري، في إطار صراع جيواستراتيجي أكبر ضمن صراعه مع تركيا”

لكن الإشكالية التي تقف في مواجهة كل ما سبق، أن هذا المؤتمر، في ظروف انعقاده وطبيعة القوى المشاركة فيه، والجهة التي يعقد تحت رعايتها، لن ينتج تلك المزايا المشار إليها، ولا هو أصلاً في وارد البحث عن قيم مضافة للعمل السوري المعارض، لا لعيبٍ في الأطراف المشاركة فيه، التي لا تعوزها الخبرة والدراية الكافية في الشأن السوري، بل لأن كل ما ستأتي عليها بياناتها وتفاهماتها وخلاصة مقارباتها كان قد ورد، سابقاً، في المواثيق المؤسسة لعمل المعارضة واتفاقاتها، وجزء كبير من القوى المشاركة، في مؤتمر القاهرة، اليوم، كان ضمن أطر الثورة وشارك، بدرجة أو أخرى، في مختلف الترتيبات والأعمال في الفترة السابقة.

ومن ناحية أخرى، لا تعاني المعارضة من إشكالية عدم وجود الأطر لديها، وهي موجودة وتحظى باعتراف عربي ودولي، ولديها رؤية واضحة لإدارة الحكم وموقف صريح من مختلف مكونات الشعب السوري، الممثلة بدرجة معينة ضمن هذه الأطر، كما أنها تمتلك أدوات تنفيذية لتسيير الأمور والإشراف عليها، وتشكلت، في هذا الصدد، هيئات متابعة، ورصدت ميزانيات، فضلاً عن التنسيق مع القوة الفاعلة على الأرض، من قوى عسكرية وهيئات مدنية، وكل ذلك يدفع إلى التساؤل عن حاجة الثورة والقوى السياسية الممثلة لها عن هيئات وأطر جديدة، فيما الوضع الطبيعي أن ينخرط الجميع في العمل على تحسين شروط الثورة وعملها، مما هو متوفر وعامل على الأرض.

ويثير موعد انعقاد هذا المؤتمر علامات استفهام كثيرة، في الوقت الذي تتغير فيه المعادلات على الأرض لصالح الثوار، إلى درجة تذهب معها تقديرات، حتى حلفاء نظام الأسد أن الأمور وصلت إلى مرحلة مفصلية، لم يعد معها ممكناً الحديث عن استمرار النظام الحاكم، على الأقل في مستوى التوقعات التي كان يتم البناء عليها، قبل شهور من هذا التاريخ، الأمر الذي يحتم على الثورة وقواها الفاعلة التوحد والتماسك وتوحيد الرؤى والمقاربات، في ظل حالة مثالية للمعارضة السياسية، حيث يميل ميزان القوى لصالحها، وتحتاج، في هذه الفترة، إلى تثمير هذا المنجز في الواقع السياسي، واستثماره بوصفه معطى إضافياً جديداً يدعم من موقعها، قوة بديلة، لا أن تذهب، بدل ذلك، إلى إظهار حالة من الانقسام والتشتت، ذلك أن مؤتمر القاهرة لن يفعل سوى إبراز الطابع اللاجدي والسلوك الفوضوي لدى المعارضة السورية، ويصب في مصلحة نظام الأسد والقوى الإقليمية والدولية الداعمة له، فضلاً عن تحطيمه سردية الثورة السورية، بوصفها ثورة شعب في سبيل الحرية والكرامة، وتحويلها إلى مجرد صراعات سياسية نخبوية، لا همّ لها سوى البحث عن الحصص والمزايا، وتفتقد للقيادة الفاعلة والقادرة على إدارة المرحلة، وإخراج سورية من دائرة العنف والصراع، ذلك أن العالم يتطلع، في هذه اللحظة بالدرجة الأولى، إلى وجود مثل هذه القيادة، ليبني على الشيء مقتضاه.

وتتمثل الإشكالية الأكثر خطورة في مؤتمر القاهرة في مكان انعقاد المؤتمر، واختيار مصر تحديداً، ولعل في استبسال نظام السيسي ودوائره وحماستها لانعقاد المؤتمر، وتقديم كل التسهيلات لحصوله، ما يؤكد المخاوف والشكوك في أهدافه والنتائج المتوخاة منه، ذلك أن نظام السيسي لم يخف، يوماً، عداءه الصريح للثورة السورية، وانحيازه إلى نظام الأسد، بقضه وقضيضه، وهو لم يخجل من مأساة الشعب السوري، وموقفه صريح ومعلن، سواء عبر إعلامه الذي يعتبر الثوار السوريين إرهابيين، أو من خلال دبلوماسيته التي سعت، عبر نشاطاتها، إلى إعادة تأهيل الأسد، أو حتى من خلال المساعدات العملانية التي تقدمها أجهزته الاستخبارية من استشارات ومساعدات تقنية، من دون أي وجل، وهو لا يختلف عن موقف إيران من الحدث السوري، إلا اللهم مراعاةً لبعض دول الخليج التي تكفلت دعم نظام السيسي.

حسناً، ما يهمنا، في هذا السياق، فهم اختيار مصر التي يحكمها السيسي، ومعرفة ماهية التقاطعات بينه وبين معارضة القاهرة، وماهي المخاطر المتأتية عنها:

أولاً: الذريعة التي تتبناها المعارضة، والتي يتغنى بها نظام السيسي، أن مصر تقدم المكان، ولا دور لها غير التنسيق والاستشارة، هي نوع من التلاعب على العقول، فمن أين لهم أن يتهموا المعارضة السورية الأخرى بأنها رهينة لأجندات الدول التي تستضيفهم، وفي الوقت نفسه، يسبغون صفة النزاهة على مضيفهم المصري؟

ثانياً: يفاخر نظام السيسي بحياديته تجاه الحدث السوري، ويعتبر تلك ميزةً يتمتع بها مقابل الأطراف الإقليمية، وهذه حالة لو افترضنا صدقها، فهي خطيئة كبرى وانحراف عن الدور الذي يجب أن تلعبه مصر، تجاه مأساة الشعب السوري، ذلك أن الحياد يعني وضع النظام والشعب في الكفة نفسها، ويحملهما تالياً نتائج المأساة، وهذا وضع يصعب تصوره في تاريخ الثورات، إذ لم يحصل أن جرى تحميل الشعب مسؤولية قهره وتشريده وموت أبنائه، هذه بدعة سيساوية، مع العلم أنه، في الممارسة العملية، لا يقف نظام السيسي على الحياد، بل يحاول بقدر ما تتيح له الظروف والإمكانات الوقوف مع نظام الأسد، والسؤال: هل معارضة القاهرة حيادية، أيضاً، بين الشعب السوري والنظام؟ هل تملك المقاربة نفسها، وتتبنى نتائجها التي لن تكون سوى القبول ببقاء نظام الأسد، طالما أن الجميع على الدرجة نفسها من الخطأ؟

“لم يخف نظام السيسي، يوماً، عداءه الصريح للثورة السورية، وانحيازه إلى نظام الأسد، بقضه وقضيضه، وهو لم يخجل من مأساة الشعب السوري”

ثالثاً: يحاجج نظام السيسي بأن بقاء الأوضاع في سورية على ما كانت عليه أيام استقرار نظام الأسد يشكل الوضعية المثالية للأمن القومي المصري، ويعلن صراحة أن تغيير النظام ووصول قوى جديدة للحكم من شأنه التأثير على الأمن المصري، لاعتقاده بوجود قنوات تغذية بين القوى الثورية السورية، أو بعض مكوناتها، والمعارضة الإسلامية المصرية، ولا يثق النظام المصري في القوى المدنية السورية، ويعتبرها مجرد واجهات للإخوان المسلمين، فهل معارضة القاهرة تملك التصورات نفسها عن القوى الثورية في سورية، ولديها المواقف نفسها؟

رابعاً: لا يخفي نظام السيسي محاولاته توظيف الحدث السوري، في إطار صراع جيواستراتيجي أكبر ضمن صراعه مع تركيا التي يعتقد أنه بصدد تطويقها بالأعداء، من جهة قبرص واليونان وأرمينيا، وأنه لم يبق سوى القوس السوري، ليطبق عليها بشكل كامل!، وبالتالي، هو يسعى إلى إفشال الثورة السورية، وطيها تحت جناح نظام الأسد، لاستثمار جهود سورية في معاداة تركيا. ومن جهة أخرى، لتفريغ الزخم الذي تقوده تركيا والسعودية وقطر على جبهات المعارك ضد نظام الأسد، فهل توافق معارضة مؤتمر القاهرة على السير في ركب الأحلام “الأحقاد” الجيواستراتيجية لنظام السيسي، والأهم هل تدرك أنها تساهم في ضعضة الزخم الثوري السوري بالفعل؟

كان من فائدة التسريبات التي جرى بثها لكواليس نظام السيسي، أنها كشفت سلوك هذا النظام، وأظهرته نظاماً مافياوياً لا يملك استراتيجية ولا رؤية واضحة، وليس لديه منطق سياسي، وأيضاً بينت مدى اعتماده نمطية التفكير المؤامراتي تجاه خصومه المحليين، وحتى حلفائه الإقليميين، وإذا تراكب ذلك مع عدائه للثورة السورية وانحيازه لنظام الأسد تحت حجج وذرائع واهية، عندها، يحق التساؤل بتعجب: عن أي دبس تبحث المعارضة السورية من حضن السيسي؟، ذلك فضلاً عن سؤال ذي طبيعة أخلاقية، عن ماذا يجمع معارضة تدّعي تمثيل ثورة مع طاغيةٍ، يحكم بالحديد والنار، ويحاول قتل ثورة شقيقة؟

 

 

 

المعارضة السورية الوطنية جمعيات لحقوق الإنسان؟/ قاسم عزالدين

تستعد «المعارضة الوطنية» السورية («هيئة التنسيق» وتيار «قمح» وبعض «الائتلاف» والمستقلون) لجولة جديدة في القاهرة بعد مبادرة ديمستورا، وتعوّل على ما بات يُعرف بالنقاط العشر لـ «الانتقال السلمي للسلطة». في هذا الإطار، تأمل «هيئة التنسيق» استغلال أزمة «الائتلاف» للعودة معه إلى ما عجزت «الهيئة» عن إنجازه وقت عزّ الاعتراف بـ «الائتلاف» ممثلاً وحيداً للمعارضة السياسية. فهي تتوخّى مشاركة «الائتلاف» وقت الحصاد يوماً من الأيام، حين يتسنّى لقوى «المجتمع الدولي» تقاسم حصص الحل السياسي (الفدرلة أو الأقلمة أو ما يُسمّى الديموقراطية التوافقية بين «المكوّنات» الطائفية…). بيد أن فريقاً من جمع القاهرة (تيار «قمح» وبعض الشباب والمستقلّين) يراوده حلم بأن زمن «الائتلاف» قد فات أوانه، وأن بعض الدوائر في «المجتمع الدولي» (في البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي ومصر وموسكو) قد تبارك صيغة «معارضة سياسية» (على شكل مؤتمر وطني) بموازاة «ائتلاف» دول الخليج وتركيا وفرنسا، لمواكبة «الحلّ السياسي» الذي تفكّر بتداوله، إثر استنزاف القوى الإقليمية واهتراء بلدان المنطقة. وعلى هذا التمايز بين طرفي «هيئة التنسيق»، دبّ الخلاف بشأن «اجتماع باريس» من وراء ظهر تيار «قمح»، الذي اتهم الهيئة بالتراجع عن «النقاط العشر» التي خرج بها جمع القاهرة.

لكن أزمة «المعارضة الوطنية» (ولا سيما «هيئة التنسيق» وتيار «قمح») لا تختلف في جذرها عن أزمة «الائتلاف»، حيث التوافق (كل من جانبه وغاياته وتحالفاته) على أن مأساة سوريا هي أزمة استبداد السلطة في قمع الحريات الخاصة والعامة، فيتراءى لها إنهاء «مأساة» إبعاد «المعارضة الوطنية» عن السلطة، مدخلاً لإعادة بناء ما تسميه «دولة ديموقراطية» في سوريا. والمفارقة أن هذه «المعارضة الوطنية» استمدّت بعض شرعيتها السياسية الحالية، كما استمدّ بعض «الائتلاف»، من نضالات سابقة لبناء دولة «وطنية» (شيوعية، يسارية، اشتراكية، قومية…) لكنها تخلّت عن هذا الرأسمال النضالي الرمزي، في تبنّيها أساطير مضحكة ــ مبكية لما يُسمّى «الانتقال الديموقراطي». وهي تصورات ذهنية بتأثير ثقافة «المجتمع الدولي» الذي تربّى «الديموقراطيون الجدد» على خدمة استراتيجياته في تبنّي أساطير الحريات وحقوق الإنسان، سبباً لانهيار الدول أو مدخلاً لإعادة بنائها، كما تذهب «النقاط العشر» ومقولاتها.

هذه النقاط التي يتوهّم جمع القاهرة بمعجزاتها لما يُسمّيه «مرحلة انتقالية»، تتلخص بنقطة واحدة هي الركون الى ما يسمى «المجتمع الدولي» في انتقال السلطة، بحسب مرجعية «جنيف 1» التي يختلف الروس والغرب على تفسير معنى هيئتها الانتقالية للسلطة أو في السلطة. وماعدا المطالب الإنسانية في تلك النقاط، فالحديث عن وحدة الأراضي السورية وغيرها هو من باب غناء «ميلو دراما» بمصالح «المجتمع الدولي» واستراتيجياته الجيو ــ سياسية. ولا ريبَ في أن هذه المقاربة «للحل الانتقالي» الذي ترجوه «المعارضة الوطنية» لا تزن في وقف المأساة السورية مثقال ذرّة، كما يعرف القاصي والداني. لكن هذه المعارضة يروق لها أن تتسمّر عند تصوراتها البدائية الأولى لانفجار الأزمة في سوريا والمنطقة، ولا يخطر لها مساءلة معتقداتها (شأنها شأن «الائتلاف» ومعظم المعارضات العربية) بعد المتغيرات الهائلة في أحداث سوريا والأحداث الإقليمية والدولية. إنما تجدُّ السعي وراء معتقدات «ديموقراطية» غيبية سادت في ثقافة «المجتمع الدولي»، وهو ما يلبي بمعيّته توزيع الفتات الذي تطمح إليه معظم المعارضات والنخَب لسدّ رمقها من جوع المكانة والنفوذ في السلطة.

في مجرى التحوّلات الليبرالية ـ النيوليبرالية لإلغاء دور الدولة «الوطنية» الاقتصادي ـ الاجتماعي والجيوسياسي والدفاعي ابتداء من منتصف السبعينيات، تحطّمت «الدول الوطنية» التي نشأت بدورها في المنطقة العربية و «العالم الثالث»، إثر انهيار الامبراطوريات السابقة وولادة منظومة دولية جديدة في الحرب العالمية الثانية. فالدول العربية التي ولدت في هذا الخضم الكوني (ومن ضمنها سوريا)، عجزت عن توفير مقوّمات «الاستقلال السياسي» في توحيد الجغرافيا السياسية العربية وسوقها القومية، برغم محاولات بعضها (الناصري والبعثي والقومي) في سياق مرحلة حركات التحرر الوطني. كما عجزت عن دمج الدولة في حقلها الإقليمي الجيو ـ سياسي لبناء الحد الأدنى من تبادل التبعية في المنظومة الدولية وحفظ «سيادتها» الشكلية. وفي إطار تحوّلات المنظومة الدولية النيوليبرالية منذ منتصف السبعينيات، انساقت منطقتنا العربية إلى ما يُسمّى «الانفتاح والسلام»، ثم إلى «ولادة النظام العالمي الجديد» مع احتلال العراق، فانهارت الدولة العربية (كما انهار غيرها مــــن البلـــدان الضعيفة) تحت وطأة التحوّل إلى نموذج جديد، أساسه إلغاء دور الدولة في تمثيل الجامع المشترَك الأعلى بين مصالح الفئات الاجتــــماعية المتضاربة المصالح. وأخذ هذا النموذج في مساره مجـمل عوامل الاستقــــرار الموروثة في نشــاطات الحياة التضامنية «المتخــــلّفة» وفي أشـــكال الصراع الســـياسي الســـابقة، فباتت للـــنموذج المعولَم طقوس وآداب شـــائعة تمجّد استهلاك أفكـــاره وحاجاته، على ما يطقطق معـــظم «الخبراء والمفكّرين» بسبّحاتهم.

في سياق جهود «المثقفين» وأشباههم لتقديس نموذج الخراب العظيم، يسري تنزيه النموذج عن تحطيم دور الدولة بإشاعة أساطير عن شيء في مخيال، ليس في التاريخ ولا على كوكب الأرض، يُسمّى «دولة المواطنَة» القائمة على الحرية الفردية وحقوق الإنسان في مواجهة الاستبداد. فهذا الوهم المحدَث، حمله انقلاب دراماتيكي جائر على ثقافة «حقوق الإنسان والمواطَنَة» منذ الثورة الاجتماعية والجيو ــ سياسية الفرنسية (العام 1789)، لمصلحة ثقافة الحريات الفردية في الثورة الدستورية الأميركية أثناء استقلال استعمار أبيض جديد عن الاستعمار الأم (1783). وبينما كانت الحريات الخاصة والعامة بحسب نموذج الثورة الفرنسية، حقوقاً في مجرى دمقرطة منظومة الدولة الناظمة لمصالح الفئات الاجتماعية والمنظومة الجيو ـ سياسية، باتت الحريات الفردية واختيار السلطة بحسب الهرطقة الأميركية، أوّل المطاف وآخره لما بات يُسمّى «الدولة الديموقراطية».

في إطار هذا الانقلاب لمصلحة عولمة النموذج الأميركي ومصالح حرية الرأسمال في القضاء على دور الدولة الاجتماعي والجيو ـ سياسي، تسري أقاويل معظم المعارضات العربية التي تتخيّل الدولة شأناً ذهنياً ومحليّاً بين السلطة والمعارضة، على ما تزعم «المعارضة الوطنية» السورية وغيرها. فهذه المعارضة تتخيّل الأزمة في سوريا معضلة في شكل الحكم بين السلطة والمعارضة، ضمن حدود الجغرافيا ـ السياسية السورية التي تعتقدها وليدة الدهر وخلود الأزل. وهي لا تحلم «بالمجتمع الدولي» خشبة خلاصها للسلطة فحسب، بل تحلم كذلك بما تسمّيه «اليوم التالي» (يوم بداية المرحلة الانتقالية) اعتماداً على وصايا «الهيئات الدولية» ووعودها العرقوبية في «إعادة الإعمار» ورعاية «الديموقراطية الناشئة» في إطار نموذج الخراب. في هذا المسار، تشير ثقافة «الديموقراطيون الجدد» في المستعمرات القديمة ـ المتجددة، بأن علّة مجتمعات «السكان الأصليين» هي التخلّف الثقافي الموروث المتأصّل في طبائع الاستبداد التي ينبغي محاربتها بالندب والحوربَة. لكن انقلاب «المجتمع الدولي» على ديموقراطية الدولة الناظمة للمصالح واتخاذه «القيَم المدنيّة» منظومة دولة مزعومة، فتح أبواب جهنّم أمام التذابح على أفضلية المعتقدات والثقافات الموروثة أو المحدثَة في تنظيم الشؤون والشجون. فهذا التذابح الذي تبدو قشرته السميكة الملتهبة امتداداً لتاريخ طائفي أو عرقي وقبلي «متخلّف» قديم، هو في حقيقة الأمر احتراب عصبوي «حديث» على فُتات النفوذ والمكانة في ظروف راهنة، وعلى فُتات الثروة التي تتركها استراتيجيات ومصالح المنظومة الدولية. فانهيار الدولة العربية «الحديثة» تحت وطأة تحوّلات كونيّة، نسخت الحدود الوليدة وأدوات الدولة «الوطنية» الهشّة المقتبَسة عن مرحلة «إزالة الاستعمار»، فانفجرت «الغابة» الحديثة (هوبس) في احتراب دموي لا قعر له ولا وعاء.

على مستوى الجغرافيا ـ السياسية العربية (بل على مستوى جغرافيا المستعمرات السابقة)، ينفجر تذابح «السكان المحليين» في أنابيب نموذج الخراب الذي يتحكّم بأدنى شأن من شؤون أحوال العمران وسبُل المعاش وتوزيع فَتات الثروات، ومتغيرات الجغرافيا ـ السياسية والأمن الإقليمي… وفي هذا المجرى، يتراءى لمعظم «النُخب» الثقافية والسياسية والاجتماعية سراب إدارة شؤونهم بأنفسهم في أنابيب النموذج، إذا قوّموا «المواطنين» أو السلطة المحلية «بالوعي» ونشر القيَم المدنية أو الدينية «الصحيحة». لكن المفاضلة بين القيَم والمعتقدات احتراب يُغذّي بعضه بعضاً، ليؤجّج النحر والانتحار في سبيل مكانة كل جماعة طائفية وعرقية مقابل الأخرى. أو يغطي توسّع نفوذ دول إقليمية في الفراغ الجيو ـ سياسي العربي. وعلى مستوى الجغرافيا ـ السياسية العربية والإقليمية، يمكن تغيير ضغط البخار في اتجاه حلول للأزمة في سوريا أو ليبيا واليمن والعراق. فعلى هذا المستوى، تضرب استراتيجيات نموذج الخراب كل بلد في انهياره وفي إعادة تركيب «دول» مفتتة في سلطات من «المكوّنات» الطائفية والاثنية. وعلى المستوى الأوسع، تنمو «القاعدة» و «داعش» الذي يحاول مشروعه الفاشي ــ الهمجي ملأ الفراغ الجيوــ سياسي بذبح الفقراء المتضررين من فراغ الدولة، وبتقاطع المصالح مع القوى الإقليمية والدولية المستفيدة من هذا الفراغ.

في مواجهة مخاطر تهديد الوجود والبقاء، لا مناص من البحث عن رؤى بناء الدولة على أنقاض دولة انقضى أجلها في مسار تحوّلات المنظومة الدولية. وهي رؤى تنظيم المصالح «الوضيعة» في نقل التذابح على جنس الملائكة إلى صراع سياسي وفكري وحتى عسكري، على منظومة العمران والمعاش. لكنه الصراع الأكثر أخلاقية ورقيّاً الذي يفتح الأفق نحو مشروع اندماج إقليمي يضمن تبادل المنفعة وتبادل توسّع النفوذ بين بلدان المنطقة، أساساً في تفكيك نموذج الخراب وبناء علاقات ندّية شبه متكافئة في المنظومة الدولية. كما أنه المشروع الأكثر عملانياً في مواجهة جماعات القاعدة و «داعش»، بموازاة قتاله ميدانياً دفاعاً عن أرواح المدنيين الأبرياء وما بقي من أثر إنساني للتراكم الحضاري في منطقتنا.

جمعيات حقوق الإنسان لها مكانتها في الدفاع عن الحريات الشخصية والعامة، كما نُخب الوعظ الديني والمدني. لكنها ليست قوى سياسية تبحث عن مشروع وقف الانهيار وإعادة البناء، في قتال «داعش» وفي إنتاج رؤى وآليات بناء الدولة في حقلها الإقليمي. فلكل مقام مقال، ولكل زمان دولة ورجال.

السفير

 

 

 

الإرهاب في تلاوينه!/ ميشيل كيلو

غالباً ما تستخدم لفظة الإرهاب لوصف حالة عامة لا تمييز فيها، تضع ألوانه جميعها في سلة واحدة وتحت صنف واحد وكلمة واحدة.

ومع أن هناك بلا شك مشتركات بين أصناف الإرهاب، إلا أنه ليس متفقاً بعد على تعريف موحّد له، لذلك يفهمه كل من يتعرض له أو يهتم به انطلاقاً من خبرته الخاصة فيه، فالإرهاب هو تارة ما يوجه من عنف إلى طائرات مدنية، وأخرى الاعتداء على قطار ركاب مدني، أو اقتحام مصرف ونهبه، أو اغتيال أشخاص لا علاقة لهم بصراعات يسقطون ضحايا لها، أو عنف غير مبرر يستخدم لفرض وجهات نظر سياسية أو خيارات أيديولوجية… الخ. ومع أن في كل فعل إرهابي عنفاً يستخدم من دون مسوغ ضد أبرياء لا علاقة لهم بأسبابه، فإن للإرهاب انماطاً تختلف اختلافًا شديدًا في حجمها ومداها، وطابعها ومواقف الجهات التي تتعامل معه. لتوضيح ما أريد قوله، أطرح السؤال التالي: هل يتساوى عمل إرهابي تقوم به عصابة من الأشقياء أو الخارجين على القانون أو المتطرفين المذهبيين ويؤدي إلى مقتل أسرة، مع عمل إرهابي يقتل جيش رسمي خلاله مواطنين عزلاً، بما يمتلكه من خبرة عسكرية منظمة وتدرب عليه من أسلحة فتاكة وخطط حربية؟ هل يتساوى العمل الأول مع الثاني، مع أنهما ينضويان كلاهما تحت مصطلح ومفهوم الإرهاب؟

أؤكد هذا التمييز للرد على من يدْعون إلى مشاركة النظام في الحرب ضد الإرهاب، مقابل قبوله تقديم بعض التسهيلات الإنسانية للشعب، كأن إرهابه من نوعية أفضل من نوعية الإرهاب الجهادي الذي يتبناه «داعش» وأخواته، أو كأن انتصاره على الإرهاب بمعونة كارهي الإرهاب التكفيري هؤلاء سيسقط الإرهاب ويخلص الشعب السوري منه.

يتنكر هذا التمييز بين إرهاب «داعش» المرعب وإرهاب النظام الذي يبدو كسلوك عنيف وحسب، لما كان المطالبون بالحرب ضد الإرهاب الى جانب النظام الأسدي يقولونه بالأمس القريب حول صلات الأخير العضوية والوجودية بتنظيمات الإرهاب، وكيف كانوا يتهمونه بحق بالوقوف وراء تخلقها وفبركتها، كي تحرف الثورة عن مسارها كثورة من اجل الحرية، وتسهم معه في تحويلها إلى اقتتال طائفي مفتوح، تنفيذاً لممارسات إرهابية أنتجت البيئة المناسبة لولادة ما نراه اليوم من تنظيمات مذهبية تأسست في سجونه، وخاصة منها سجن صيدنايا، قبل أن يخرجها منه كي تنتشر وتمتد إلى المجتمع، وتنجز تحولاً خطيراً في هوية الحراك، أعتقد بحق أنه سيدعم سعيه للقضاء على المشروع الثوري، وتحقيق تغيير انقلابي في الموقفين العربي والدولي من الثورة. أليس من السذاجة الاعتقاد بأن مساعدة النظام ضد الإرهاب الأصولي سيجعله نظاماً غير إرهابي، رغم أنه غارق في الإرهاب حتى ذقنه؟

نعرف جميعاً أن محاربة الإرهاب الـ«داعشي» تتطلب معركة متشعبة، أوسع وأطول بكثير من المعركة ضد الإرهاب الأسدي. في الحرب ضد «داعش»، لا يكفي السلاح وحده، ولا بد من إصلاح روحي/ فكري عميق يصحح علاقة المسلم العادي بدينه، تزيح فيه المحمدية القراءة الطالبانية للإسلام، التي تشوهه وتجعله عدوا للبشرية ولحضارتها، رغم ما لعبه من دور رئيس في إنتاجها. المعركة مع الإرهاب الاسدي سياسية / عسكرية، اما مع الارهاب التكفيري، فهي أشد تعقيداً وتنوعاً وأطول أمداً. وفي حين سيتوقف الإرهاب الأسدي بالقضاء على نظامه، لن يتوقف الارهاب التكفيري بالقضاء على «داعش» أو القاعدة، ومن دون تجفيف مصادره الايديولوجية والروحية واسبابه الدنيوية، وأهمها الاستبداد الاسدي ذاته. الا يحتم هذا الواقع منح الاولوية في جهودنا للقضاء على الاسدية، لما سيحدثه موتها من تبدل جذري في البيئة الضرورية لمحاربة الارهاب التكفيري، وتحول في علاقات القوى معه لصالح ثورة حرية، إن حطمت الجهة السياسية التي أنتجه، صار التخلص منه أسهل، بما أن غياب الإرهاب الأسدي سيمكننا من توحيد وزج كافة قوانا في المعركة ضده.

لا بد من مقاومة التوجه الذي يريد وضعنا وراء الأسد في مكافحة الإرهاب التكفيري، لأن دعمنا قد يضعف التكفيريين، لكنه يقوي حتماً نظاماً إرهابياً مجرماً إلى أبعد الحدود قتل وجرح وشرد الملايين من شعبنا، سيحسن بدعمنا له موقعه في المعركة ضد الثورة وسيعزز قدرته على دعم الإرهاب. بالمناسبة، تملي اعتبارات استراتيجية وحسابات عملية اعطاء الاولوية للقضاء على إرهاب النظام، من دون التخلي عن محاربة الإرهاب التكفيري. نحن هنا حيال اولويات تحتم البدء بالاسهل قبل الانتقال إلى الاصعب، والالتزام بما يمليه التناقض العدائي مع النظام، وهو ما زال التناقض الرئيس، الذي يتوقف انتصار الثورة على حسمه لصالحها، ويسهل حسمه انتقالنا إلى حسم التناقض الآخر مع التكفيريين.

لا يجوز التعاون مع النظام في أي أمر، ما لم يتخلَ أركانه عن الأسد وحاشيته ويوافقوا على تطبيق وثيقة جنيف واحد، التي تجعلهم شركاء في نقل بلادنا إلى النظام الديمقراطي العتيد. إذا حدث هذا، تبدلت طبيعة معركتنا وصار علينا وضع أيدينا في أيدي شركائنا هؤلاء، وأنهينا صراعنا معهم، وتعاونا على ترسيخ النظام الجديد، الذي سيخوض من مواقع فكرية تنويرية وإنسانية معركة إخراج النزعات الأصولية من عقول ونفوس السوريين، بقدر ما سيخوضها باحترام المواطن وحقوقه، إلى جانب خوضها بالسلاح.

المستقبل

 

 

 

اجتماع القاهرة وخطأ خلق بديل لـ”الائتلاف السوري”!/ صالح القلاب

لأن هناك دعوة من المملكة العربية السعودية لاجتماع واعد، إنْ ليس لكل فلمعظم تشكيلات وقوى ورموز المعارضة السورية، المعتدلة بالطبع، فإنه ليس ضروريًا قطع الطريق على هذه الدعوة وعلى هذا الاجتماع بدعوة أخرى واجتماع آخر في القاهرة، وهو الاجتماع الذي تم الإعلان عنه قبل أيام قليلة والذي قيل على لسان أحد منظميه إن نحو 200 شخصية من المعارضين السوريين سوف يحضرونه، والواضح وهذا معلن وليس مجرد تكهنات أنَّ الهدف الرئيسي هو إيجاد بديل لـ«الائتلاف» الذي مقره في إسطنبول والمعترف به، كما هو معروف، من قبل أكثر من 100 دولة من بينها الكثير من الدول الكبرى على أنه يمثل الشعب السوري.

لم يكشف النقاب بعد عمَّن ستوجه إليهم الدعوة لحضور الاجتماع الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية بموافقة بل بمباركةٍ قطرية وتركية لكن كل التقديرات وكل المعلومات تؤكد أنَّ التركيز سيكون على «الائتلاف» السوري وعلى الجيش الحر وعلى القوى المقاتلة الفاعلة على الأرض، إنْ المنضوية فيما سمي «جيش الفتح» في مناطق إدلب وجسر الشغور والقلمون، وإنْ المسيطرة فعلاً في الجبهة الجنوبية وفي منطقة القنيطرة في هضبة الجولان.

هذا بالنسبة لاجتماع المملكة العربية السعودية. أما بالنسبة لاجتماع القاهرة، فإن الواضح أنَّه مجرد نسخة جديدة لاجتماعات ولقاءات سابقة شهدتها العاصمة المصرية على مدى الأعوام الأربعة الماضية وإن الواضح أيضًا أنه مجرد لقاءٍ مكرر من اللقاء الأخير الذي تم في العاصمة الروسية والذي هناك إجماع من قبل المستضافين والمضيفين على أنه لم يحقق أي إنجاز وأنه كان مجرد قفزة في الهواء مثله مثل كل الاجتماعات السابقة التي تداخلت فيها الألوان التي شهدتها موسكو.

لقد كان بالإمكان أن يُفهم اجتماع القاهرة، الذي لا شك في أن الجديد فيه هو الإعلان عن تمسكه بـ«المرحلة الانتقالية» على أساس (جنيف 1)، على أنه رديف لاجتماع السعودية ومكملٌ له، لو لم يبادر «المُنظِّمون» إلى الإعلان عن بديل جديد لـ«الائتلاف السوري» تحت اسم «الحركة الوطنية السورية» ولو لم يُشِدْ أحد هؤلاء المنظمين بالجيش العربي السوري الذي يستحق مثل هذه الإشادة وأكثر لو أن انحيازه كان لشعبه، الشعب السوري العظيم، ولو أنه لم يتحول إلى «ميليشيات» طائفية ومذهبية لم تتورع عن ارتكاب مذابح ومجازر بالبراميل المتفجرة وبالغازات السامة وبالأسلحة الكيماوية، ولو أنها لم تُلحق كل هذا الدمار والخراب المرعبين بأهم وأكبر المدن السورية ومن بينها حلب وحمص وحماه ودرعا.. وأيضا العاصمة دمشق.

إنَّ المفترض أن تكون هذه المرحلة، على أساس تجارب ثورات العالم الناجحة كلها، مرحلة انتقالية تلتقي خلالها كل قوى الثورة المقاتلة وغير المقاتلة على برنامج الحد الأدنى وأن يكون هناك استبعاد لكل عوامل الافتراق وتقريب لكل عوامل الوحدة والتلاقي، إذ إن هذه المرحلة من أخطر المراحل وإذْ إن الموقف الذي يجب أن تتلاقى عنده كل هذه التشكيلات والتنظيمات الفعلية وشبه الفعلية هو تفاني الجميع في الحفاظ على الوحدة الوطنية وتفاني الجميع في الحؤول دون انهيار الدولة السورية كدولة وتفاني الجميع في ضرورة الإسراع في بناء «الجيش العربي السوري» من جديد وبعيدًا عن مراكز القوى الطائفية التي كانت آفة فعلية وأوصلت هذا الجيش العريق فعلاً إلى ما وصل إليه، حيث أصبح في السنوات الأخيرة مجرد شراذم «ميليشيات» مذهبية.

ليس تشكيكًا في اجتماع القاهرة، الذي كان خطأ فادحًا أن يبادر منظموه إلى الإعلان عن أن تنظيم «الوحدة الوطنية السورية» الذي ينوون تشكيله، سيكون بديلاً لـ«الائتلاف الوطني السوري»، ولكن ألمْ يكن من الأفضل يا ترى، بدل كل هذا الاستقطاب الشديد وبدل كل هذا التشرذم، أن تنصبَّ الجهود كلها في اتجاه إنجاح الاجتماع أو المؤتمر الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية بدعم من تركيا وقطر، وبخاصة أن المفترض أنَّ هناك توافقًا إنْ ليس اتفاقًا على أنَّ «جنيف 1» هي المنطلق وهي الهدف وأنه لا مكان لبشار الأسد ونهائيًا في المرحلة الانتقالية المنشودة وأنه أيضًا لا مكان لـ«داعش» ولا لأي من التنظيمات المتطرفة لا في هذه المرحلة ولا في مستقبل سوريا التي يجب وبالضرورة بعد كل هذه التضحيات وكل هذه التجارب المريرة أن تكون دولة ديمقراطية ولكل أبنائها ولكل مكوناتها الاجتماعية والسياسية.

إن هذه مسألة في غاية الأهمية لكن الأهم منها هو أنْ يدرك أصحاب مؤتمر القاهرة أن طرق الحلول التي يقال إن الروس والأميركيين يحاولون التوصل إليها لن تكون آمنة وسالكة ما لم يتم التخلص أولاً من «داعش»، وثانيًا من كل التنظيمات المتطرفة. وهذا في حقيقة الأمر يتطلب التقاء كل القوى المعتدلة العسكرية وغير العسكرية على برنامج الحد الأدنى ويتطلب الحفاظ على «الائتلاف الوطني السوري» وعلى التشكيلات والهيئات المدنية والمسلحة المنبثقة عنه كالجيش الحر وكجيش الفتح.. والحكومة الوطنية فالمعركة مع هذا النظام لم تنتهِ بعد وهي من المنتظر ألا تنتهي طالما أنَّ إيران لم تتخلَ عن تطلعاتها التمددية والاستحواذية في هذه المنطقة وطالما أن روسيا مستمرة في استخدام مشكلة سوريا كورقة في لعبة الصراع في أوكرانيا بينها وبين الغرب الأوروبي والولايات المتحدة.

وهنا فإن السؤال الذي يجب أن يواجهه منظمو مؤتمر أو اجتماع القاهرة الجديد إلى أنفسهم قبل وبعد تشكيل «الحركة الوطنية السورية» هو: هل هم قادرون يا ترى بإمكانياتهم المتواضعة وببياناتهم وبرامجهم وأوراقهم على الحلول محل التشكيلات المسلحة مثل «الجيش السوري الحر» وكل التنظيمات المنضوية في إطار «جيش الفتح» ومن بينها منظمة «النصرة» التي يقال إنها ستبادر، حتى قبل الذهاب إلى المؤتمر الآنف الذكر الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية، إلى الإعلان عن عدم وجود أي علاقات لها لا تنظيمية ولا غير تنظيمية لا بـ«القاعدة» ولا بأي من التنظيمات المتطرفة والإرهابية الأخرى.

وهكذا فإن الأفضل أن تكون «الحركة الوطنية السورية» المزمع تشكيلها في اجتماع القاهرة الجديد جزءًا من الإطار السياسي للتشكيلات العسكرية (المعتدلة) المقاتلة على الأرض التي من المفترض أن يتم البدء بتوحيدها ودمجها بعضها بالبعض الآخر ومن الآن، لتكون نواة للجيش العربي السوري الجديد الذي يجب أن يتولى الحفاظ على وحدة سوريا وعلى تآخي كل مكوناتها السياسية والطائفية ويمنع وبالقوة أي عمليات ثأرية وأي استهداف لأي من هذه المكونات وبخاصة الطائفة العلوية التي يجب أن تكون لها مكانتها ويجب أن يكون لها دورها في المرحلة الجديدة في سوريا الجديدة وعلى قدم المساواة مع المكونات الأخرى.

إنه لا شك في أن منظمي اجتماع القاهرة يعرفون، استنادًا إلى تجاربهم واطلاعهم وثقافتهم السياسية، أنَّ نظامًا كنظام بشار الأسد، ارتكب كل هذه الجرائم ولا يزال يحظى بدعم إيران وروسيا، لا يمكن إلزامه بالانصياع إلى حقائق الأمور وإلى القبول بحلِّ (جنيف 1) وبالمرحلة الانتقالية المتفق عليها إلا بالقوة وهذا ما يجعل دور التشكيلات المسلحة (المعتدلة) التي تحقق الآن انتصارات فعلية وفي كل الجبهات رئيسيًا وضروريًا الآن وفي المراحل المقبلة وإلى أن تستقر الأمور وتصبح الأوضاع مهيأة وملائمة لإجراء انتخابات حرة وديمقراطية.

إنه على منظمي اجتماع القاهرة أن يتجنبوا أي محاولات إلغائية لما هو موجود ولمن سبقهم وبخاصة «الائتلاف الوطني السوري» الذي يحظى باعتراف أكثر من 100 دولة على أنه ممثل الشعب السوري، ثم وإن عليهم أن يتذكروا أنه إن تركت الثورة الجزائرية المجيدة الساحة النضالية للقوى المدنية وللكفاءات السياسية والاجتماعية فإن المؤكد أن اجتراح الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية ربما كانا سيتأخران إلى عقدٍ أو عقدين من السنوات على الأقل!!

الشرق الأوسط

 

 

 

 

عن حياد القاهرة في دمشق/ محمد برهومة

رفض وزير الخارجية المصري سامح شكري في مقابلة تلفزيونية، تصريحات رئيس ائتلاف المعارضة السورية خالد خوجة، عن وقوف مصر على الحياد بين المعارضة السورية والنظام. ويردّ الوزير المصري على خوجة بأن القاهرة سبق أن استضافت في كانون الثاني (يناير) مؤتمراً للمعارضة السورية، وهي تستعد في 8 و9 حزيران (يونيو) المقبل لاستضافة مؤتمر «القاهرة – 2» حول سورية.

في كل الأحوال، هناك مساحة ملتبسة في شأن موقف مصر من بقاء الأسد، وثمة من يقول أن القاهرة متوافقة مع موسكو حول هذا الأمر، ولا نعثر على موقف رسمي مصري صريح ومباشر ينفي ذلك. الموقف المصري يميل إلى التمييز (على رغم ما في ذلك من صعوبات وإشكالات معقدة) بين الدولة والنظام السوريين، وكما يقول الوزير شكري: «شخص الرئيس بشار الأسد شيء ومؤسسات الدولة السورية شيء آخر، ويجب النظر إلى الفرق بينهما، فبقاء شخص بعينه في السلطة يعني الشعب السوري ولا يعنينا، ما يهمنا بقاء مؤسسات الدولة». والحقيقة أن هذه المقاربة تنسجم عربياً مع موقف الأردن والإمارات وتونس وربما الجزائر، وهي قد تفسّر تصريحات الرئيس الأميركي، باراك أوباما، بأن حلّ الأزمة السورية قد لا يحدث في ولايته، وهذا ربما يقدّم، كذلك، تفسيراً لسبب قصف الولايات المتحدة قبل أيام موقعَ لـ «جبهة النصرة» في إدلب، إذ كانت الرسالة المبطنة للقصف تقول: «لا ينبغي للنصرة، وتالياً لجيش الفتح، أن يتمددا نحو دمشق والساحل حتى وإن بدا النظام وحلفاؤه غير قادرين على منع ذلك». يبدو هذا خطاً أحمر أميركياً لا يلغيه ما يقال عن استعداد الولايات المتحدة لدعم إنشاء مناطق حظر جوي على طول الحدود السورية – التركية. واشنطن لن تشعر بالتناقض في مواقفها في سورية ما دامت تنسجم مع فكرة أوباما حول «التوازن الاستراتيجي» في المنطقة، وعدم اقتراب الجهاديين من دمشق والساحل.

مصر ستحاول إقناع من يحضر مؤتمر «القاهرة – 2» من المعارضين السوريين، وليس من ضمنهم «الإخوان المسلمون»، بأن تحقيق تطلعات الشعب السوري المشروعة للتغيير يتم من خلال الحفاظ على وحدة اﻷراضي السورية ومؤسسات الدولة فيها وعلى رأسها الجيش، ورفض الربط بين رحيل الأسد عن الحكم، وانزلاق البلاد إلى الفوضى. تلك هي أولويات مصر في سورية، وهي ما ستحاول عرضها في «القاهرة – 2» الذي تؤمّل مصر بأن يخرج عنه ميثاق وطني وخريطة طريق ولجنة سياسية تتابع مخرجاته.

* كاتب أردني

الحياة

 

 

مصر: خلافٌ بين الخارجية والاستخبارات على سوريا/ ربيع حداد

في “النوستالجيا العروبية”، حنين إلى مصر؛ التي يعتبرها العرب حاضنتهم، والجميع يحاول استمالتها للاحتماء بظلال مواقفها الداعمة. ومع ثورة 25 يناير 2011، استبشر العرب بمصر الخير من جديد. تسلّم الاخوان المسلمين للسلطة وما تلاه من تصرّفات أخوانية أدت إلى إسقاط الإسلام السياسي لنفسه، وشكّلت إحدى المحطات المضيئة بتاريخ مصر. فالنكسة عادت بعودة العسكر؛ وبعد ثورتين عاد العسكر بخطاب قديم، وأحبط بنهجه طموحات الشعب المصري. لكن حنين العرب غلب الواقع، والعاطفة تقوى على العقل في السياسة، لذلك يبقى الجميع مراهناً أو منتظراً لموقع مصري متميز تجاه القضايا العربية، وسوريا هنا تتصدّر الواجهة، لاسيما في ضوء معلومات تفيد بأن هناك صراعاً مصرياً-مصرياً حول الوضع السوري.

تحاول مصر السيسي منذ فترة، الدخول على الخطّ السوري، تريد صنع دور لنفسها في صوغ الحلّ السياسي للأزمة السورية. في شهر كانون الثاني 2015، استضافت القاهرة مؤتمراً للمعارضة السورية، خرج بنقاط عديدة، أهمها التركيز على الحل السياسي والمرحلة الإنتقالية. وفي السياق العام، لا تخرج المقررات عن المزاج الدولي حول سوريا، لكن في التفاصيل المهمة، تشذّ القاهرة عن الإجماع العربي، لاسيما بشأن الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي تعتبره دول كثيرة كممثل أساسي للمعارضة السورية. في ذلك المؤتمر لم توجّه الدعوات إلى الإئتلاف كجسم سياسي، بل كأفراد، وحين اقترح الإئتلاف أسماء معينة رفضتها القاهرة، من هنا بدأ الخلاف.

تعتبر مصر أن الإئتلاف خاضع لسيطرة الإخوان المسلمين، ولذلك لا تريد مشاركته، وتريد فرض الأشخاص المشاركين. حالياً تعمل الدوائر المصرية على عقد لقاء جديد، للمعارضة السورية، من دون الإئتلاف، بين 8-9 من شهر حزيران/يونيو المقبل. القاهرة عملت على توجيه دعوات فردية لأعضاء من الإئتلاف، فما كان منهم إلّا رفض الدعوات باعتبار أن هيئته السياسية رفضت المشاركة. وتبدو هذه المساعي المصرية، والتي يعتبرها معارضون سوريون خارجة عن الإجماع العربي، هادفة إلى تحقيق اختراقات في صفوف الإئتلاف.

في المؤتمر الجديد، هناك من يسعى، داخل مصر، إلى استنباط جسم سياسي بديل عن الإئتلاف، العنصر البارز فيه سيكون المعارض السوري الإشكالي هيثم منّاع، وتشير مصادر “المدن” إلى ان الجهود تنصب لإنجاح المؤتمر الذي لن يخرج بجديد على صعيد المقررات، بل سيعيد تكرار الموقف الثابت والداعي إلى الحلّ السياسي في سوريا، والمرحلة الإنتقالية من دون التطرّق إلى مصير بشار الأسد. ويتلاقى هذا الكلام، مع ما يدور في الكواليس عن أن الجسم الجديد الذي تسعى القاهرة إلى رعاية نشأته لن يكون معارضاً لمشاركة الأسد في المرحلة الإنتقالية.

وفي هذا السياق، تشير معلومات “المدن” إلى أن هناك خلافاً داخل الإدارة المصرية حول سوريا، وتعتبر المصادر أن هناك اختلافاً في وجهات النظر بين الخارجية المصرية وبين الإستخبارات حول الملف السوري، مضيفة أن “الإستخبارات المصرية لم تقطع الإتصال أبداً بالإستخبارات السورية، وهي تريد بقاء الأسد في موقعه، فيما تعتبر الخارجية المصرية أنه لا بد من البقاء مع الإجماع العربي، لأنه لا يمكن لمصر مجابهة العرب”.

وقد شكّلت التسريبات التي تحدّثت عن سعي القاهرة لإنشاء جسم بديل عن الإئتلاف صدمة في الأوساط السياسية العربية، خصوصاً أن الائتلاف يتمتع باعتراف دولي لن تستطيع القاهرة تأمينه للجسم الجديد، كما يؤكد أحد المعنيين العرب بالملف السوري. وفي الوقت الذي أكد فيه المناع بأكثر من مناسبة موضوع الجسم البديل، التزمت مصر الصمت بداية، هذا الضياع عزّز الشكوك حول المؤتمر، ليعود مصدر في الخارجية المصرية وينفي هذا الأمر، وهو ما تعتبره مصادر متابعة دليلاً على الصراع الداخلي المصري، لا سيما أن العديد من المسؤولين المصريين يؤكدون أن الإجتماع المقبل لن يخرج بجسم بديل لكنه قد ينتج كتلة سياسية وازنة، ستكون مؤثرة في مجريات الأمور.

وتذهب المصادر أكثر من ذلك، لتشير إلى أن الصراع ليس مصرياً-مصرياً فحسب، بل هناك اختلاف في وجهات النظر بين مصر ودول الخليج، خصوصاً بين مصر والمملكة العربية السعودية وقطر. ففي وقت تنحصر فيه الأولويات المصرية بمحاربة الاخوان، يأتي التصدي لمشروع الهيمنة الإيراني في سلّم أولويات دول الخليج. أما الأخوان فهم الكفلاء بإسقاط أنفسهم كما حصل في مصر في سنة واحدة، والمدخل لذلك لا يكون إلّا بإسقاط نظام الأسد.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...