صفحات العالم

المعضلة السورية القاتمة

 

أسامة عبد الرحمن

تدور في سوريا رحى حرب طاحنة تدمر كل شيء، وقد خلفت الأعداد الكبيرة من الضحايا والنازحين واللاجئين . وبتواصل العنف والعنف المضاد تزداد هذه الأعداد وتمثل مأساة إنسانية كبيرة، في وقت تمثل فيه سوريا مأساة تاريخية، حيث دمرت الحرب الدائرة معالمها الحضارية والثقافية والعلمية، وأهلكت الحرث والنسل .

إن الثورة السلمية التي رفعت مطالبها المشروعة في الديمقراطية والحرية والكرامة والعدالة وسيادة القانون واستقلال القضاء ومحاربة الاستبداد والفساد، هي ثورة لم تتخذ العنف سبيلاً ومطالبها نبيلة وعادلة، لكنها ووجهت بالقمع من قبل آليات النظام وقوته الأمنية والقمعية، ودخل على المشهد وضع تمثل في انشقاق بعض قوات النظام التي صارت تقاتل قوات النظام . وهنا كانت نقطة البداية في العنف والعنف المضاد . ودخلت أطراف أممية ودولية على المشهد .

وبدا في وقت من الأوقات أن الحرب الدائرة في سوريا، هي حرب بالوكالة عن دول تصطف إلى طرف أو تصطف إلى الطرف الآخر، وصرح أمين عام الأمم المتحدة في أغسطس/آب ،2012 أن النزاع في سوريا تحول إلى حرب بالوكالة بين لاعبين إقليميين ودوليين .

هذا الوضع خرج بالمشهد في سوريا عن نطاق الثورة السلمية، وبدأت رحى الحرب تأكل الأخضر واليابس والبشر والحجر، وغطى ضجيج هذه الحرب على الأصوات السلمية المطالبة بالديمقراطية والحرية والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان . وتطور المشهد إلى وضع أكثر قتامة حين تكونت مجموعات متطرفة بعضها مرتبط بالقاعدة واستقطبت أعداداً متطرفة من خارج سوريا، حيث بدأت الحرب تشهد أعمالاً انتحارية . . وخلق ذلك ردود فعل بدت متناقضة لدى المؤيدين للمعارضة، بين دعم الطرف المناوئ للنظام وفي الوقت ذاته محاولة استبعاد الجهات المتطرفة التي تقف في صف مناوأة النظام . وبدا الوضع شائكاً ومعقداً إلى أبعد الحدود . ودخلت المبادرات السلمية في متاهة تفضي إلى متاهة، وبدا الحل السياسي صعباً أو مستحيلاً، مع أن اليقين بعدم إمكانية الحسم العسكري قد جعل الحل السياسي هو البديل الوحيد للخروج من المأزق . رغم صعوبة هذا الحل، أو ربما استحالته في ظل المواقف المتشددة أو المتشنجة أحياناً .

إن الأطراف الإقليمية والدولية التي دخلت على خط الصراع في سوريا لها مصالحها . ومعروف أن هذه الدول تهمها مصالحها في الدرجة الأولى، وأن تقاطع هذه المصالح لبعضها مع الثورة السلمية ومطالبها المشروعة في سوريا، يهيئ لها الموقف الذي تساند فيه هذه الثورة السلمية، أو تساند فيه القوات المنشقة عن النظام، ولكنها تجد حرجاً كبيراً في مساندة الجماعات المتطرفة التي تقف معها في مواجهة النظام .

وهكذا تختلط الأوراق، ويبدو التأرجح أو الغموض في بعض المواقف . وهكذا أيضاً تبدو هذه الأطراف المساندة للمعارضة غير موحدة بالفعل، وإن كانت إلى حد ما موحدة في القول . وهناك بعض أطراف أخرى تساند النظام من منظور مصالحها أيضاً وإن حاولت التغني بالقانون الدولي وسيادة الدول .

لقد دخل المشهد السوري في إطار صراع المصالح بين قوى دولية وإقليمية، في وقت تحترق فيه سوريا تحت وابل القصف والقصف المضاد والعنف والعنف المضاد . وطال الأمر في انتظار الانفراج في الموقف الدولي المثقل بالمصالح للوصول إلى حل سياسي تدخل فيه الأطراف الإقليمية أيضاً وينهي الحلقة الجهنمية للدمار الذي يأتي على كل شيء في سوريا، ويخلف الأعداد المتزايدة من الضحايا والنازحين واللاجئين . . ويكاد يمحو سوريا التاريخ والحضارة والثقافة الإنسانية .

وإذا كان النظام مستبداً إلى أبعد الحدود وقمعياً إلى أبعد الحدود وما ارتكبه من أعمال قمعية تصل إلى جرائم حرب، فإن بعض الجهات المناوئة له ارتكبت جرائم أيضاً وشوه المتطرفون المتشددون صورة المناوأة الحقيقية بوجهها المدني السلمي ووجهها العسكري أيضاً .

وهكذا بدا المشهد بالغ التعقيد وغير معروف المآل، وأصبحت الآمال في سقوط النظام مشوبة بخشية من صعود نظام للمتشددين فيه نصيب، وهو ما يطمس بريق الآمال، ويبث الرعب والخوف من قدوم نظام ليس للديمقراطية فيه نصيب، وهو ما يناقض كل ما رفعته الثورة السلمية من مطالب مشروعة في الديمقراطية والحرية والعدالة والكرامة وسيادة القانون واستقلال القضاء ومحاربة الاستبداد والفساد .

إن إسقاط النظام مطلب مشروع، غير أن صعود متشددين إلى الحكم في أعقاب سقوط النظام هو وبال على الثورة السلمية وعلى كل شيء في سوريا . ويبقى الشعب السوري هو الضحية وهو الذي يقدم يومياً الكثير من الضحايا .

الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى