الرئيسية / صفحات العالم / الممانعة في الخارج لا تحمي الداخل

الممانعة في الخارج لا تحمي الداخل

 


أمين قمورية

لو اقتصر الأمر في سوريا على تحركات محدودة في مدينة درعا ومحيطها لكان يمكن الأخذ بنظرية المستشارين والاعلام الرسمي بأن ثمة “مؤامرة خارجية” تحاك ضد “آخر قلاع الصمود العربي في وجه اسرائيل”.  لكن خروج الاحتجاجات من المنطقة الحدودية الجنوبية المحاذية للاردن واتساعها لتشمل عدداً كبيراً من المدن السورية، من اقصى الجنوب الى أقصى الشمال مرورا بالعاصمة دمشق، اسقط المقولة الرسمية عن تورط “طابور خامس” و”مندسين”، وأثبت ان المشكلة، كانت وستبقى مشكلة داخلية لن يفيد معها الاتكاء على عناوين “الممانعة” ضد “المؤامرات الخارجية” لمواجهة مطالب الداخل او لايجاد مبررات لتهدئة خواطر الناس.

شباب سوريا مثل شباب مصر وتونس واليمن وليبيا والبحرين، يعانون ما يعانيه أترابهم من كبت للحريات وتهميش وظلم وبطالة وفقر وحرمان حق التعبير والعمل السياسي والنقابي، ولم يعد يفيد الهروب من مواجهة هذه المشكلات بتصدير المشكلة الى الخارج او الهروب الى خارج الحدود، ولم يعد تعظيم “الدور القومي” لسوريا يكفي لإطعام فقراء الريف والضواحي السورية او شفاء غليل التواقين الى العدالة والمساواة واستعادة الكرامة.

اعتراف النظام بواقع الناس الغاضبين خطوة اولى ضرورية لسلوك طريق الحل وامتصاص الصدمة. وقد اثبتت الانتفاضات المتلاحقة من تونس الى مصر الى اليمن ان العلاج بالجرعة لم يعد يشفي، فالمطالب تتصاعد ويعلو سقفها بعد كل محاولة ممانعة أو مماطلة من الحكم أو هروب إلى الأمام مرة بالتهديد والوعيد ومرة بإغداق الوعود. وثبت أن ما كان ممكناً أن يقبل به الناس في الأمس والتف عليه الحاكم لن يعود مقبولاً من الناس في اليوم التالي. اما استخدام القوة فليس من شانه الا زيادة الغضب ونقل الحوار الى الشارع وتشريع الابواب على كل أنواع التدخلات الخارجية… وهكذا دواليك الى ان ترتفع سقوف المطالب الى حد اقتلاع سقف النظام مثلما حصل في تونس ومصر.

حركة الاحتجاجات في سوريا لا تزال في بدايتها، ولا يزال في امكان النظام استيعابها، ليس بالقمع الذي يولد غضباً، بل بتطبيق فوري لرزمة واسعة ومقنعة من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، اولها الرفع الفوري لحال الطوارئ التي اثبتت حرب تموز اللبنانية انه يمكن مقاومة اسرائيل من دونها، وثانيها توسيع قاعدة المشاركة في الحكم، لانه ثبت ان الديموقراطيات الحقيقية هي الضمان الأهم للاقليات الخائفة على مصيرها وهي وحدها التي لا تتمناها اسرائيل لاعدائها، وثالثها محاربة الفساد المتفشي الذي يشوه صورة اي نظام فكيف اذا كان هذا النظام يعتد بصفة كونه نظام الممانعة العربي الوحيد؟

واذا كانت مصر هي مصعد العالم العربي وقاطرته، فإن سوريا هي مصعد المشرق العربي وقاطرته. واذا كان نجاح الثورة في مصر بعد تونس تردد صداه من المحيط الى الخليج ومن شانه ان يغير وجه المنطقة ويقلب الموازين فيها، فلا بد للحراك الذي تشهده المدن السورية ان يكون له التأثير عينه ليس على سوريا فحسب بل على كل بلاد الشام، بدءا بلبنان وصولا الى العراق ومرورا بالاردن وفلسطين، وربما اكثر، على المنطقة برمتها.

لكن ان تغيرت سوريا سلما وبآلية داخلية شيء، وان تغيرت كما تتغير ليبيا شيء آخر تماماً. فالمتحفزون للتدخل في اللحظة السورية التي يعتقد البعض انها “لحظة العمر”، عليهم ان يحذروا، لأن نار الفوضى والاضطراب في سوريا لن توفّر بلهبها احداً في المنطقة وقد تمتد سريعاً الى لبنان والاردن والعراق وفلسطين ومن يدري ربما الى تركيا وأبعد.

لذا فان الحل الأفضل هو ان يعيد النظام النظر في مقاربته لمسالة التغيير المطلوبة لإعادة تموضعه على خريطة المنطقة تجنيبا لسوريا والجيران في الهلال الخصيب شرّ الأسوأ، إذذاك يمكن ان نرى نموذجاً للتغيير العربي غير النماذج التي شاهدناها حتى الآن في الدول الأخرى. أم أن الأوان فات؟!

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...