صفحات سوريةفاضل الخطيب

المنافسة على كسب الذلّ في الجبل…

 


فاضل الخطيب

(تقضي الرجولة أن نمد جسومنا، جسراً فقل لرفاقنا أن يعبروا).. كانوا الجسر الذي صنعوه في نضالهم من أجل الحرية، الحرية التي اغتصبها لاحقاً الحزب الواحد، الحزب الذي اختطفه لاحقاً الطاغية الأسد. الرجولة ضعفت كثيراً وضاع جلّها –إن لم أقل أنها ضاعت على أعتاب قصر الوريث، وفي جيوب مخابراته التي قحطت القيم والأخلاق في الجبل..

أعتقد أن المسئولية الأخلاقية على الدرك الذي نحن فيه الآن تقع على بعض رجال الدين الذين يتفرجون أو يباركون القتلة. أعتقد أن الجبل مقبل على تغيير أخلاقي جذري، سيلفظ المتواطئين على قيم الإنسانية والكرامة. أعتقد أنه سيسقط “وجهاء” كثيرون وسيصبحون مع مخابرات النظام وعملائه صفحة بائسة واضحة واحدة.. مسئولية مثقفي الجبل مضاعفة، وحتى الآن غالبيتهم متفرجة أو متواطئة.. سيكون الثمن غالياً داخل الجبل وعلى مستوى سوريا كلها، الثمن مادياً وإجتماعياً. مع الأسف ثمن التخاذل أكبر من مكاسب الصمت..

الجريمة الكبرى التي ارتكبها النظام هي تشويه كل جميل، حتى الروح، حتى المحبة.. أن يسحب منك محبة الأهل، أن يسحب من الأهل محبة الإبن، أن يستبدل دمعة الحزن والفجيعة بفرح الجريمة، أن تصبح أم الشهيد محبة لقاتل ابنها.. لا أعرف حجم الجريمة الأخلاقية التي عملوها، ولا أعرف حجم العهر “الجبلي” الجبان الذي يشارك فيه بعض رجال الدين و”وجهاء” وزعران ومتفرجين محسوبين على الجبل. أي عهرٍ وصلوا إليه! أي سقف للخيانة الوجدانية والروحية والنفسية والمذهبية يساهمون في صنعها وتجذيرها!. كيف يقف المجرم زغرودة بين الدمعة والدم؟..

نقلت وسائل إعلام تابعة للنظام (وقفت السيدة فرنجية شميط والدة الشهيد خلدون شرف بين الجموع المحتشدة لوداع الشهيد وزغردت، ثم حملت صورة الرئيس بشار الأسد وبدأت تهتف بالروح بالدم نفديك يا بشار). وقال ما يُشبه هذا الكلام أخته وأخوه وزوجته وأبوه وجيرانه!. لا أتمنى تلك الوقفة لبؤساء الجبل، لا أتمنى لهم هذا “الكبرياء” البائس المريض، لا أتمنى لهم ولا لغيرهم هذه الزلغوطة!

كيف يمكن تفسير ذلك من وجهة نظر علم النفس؟ لا حاجة إلى طبيب نفسي حتى نرى حجم التشويه الذي فعلوه في النفوس، حتى أجبروا الأم الثكلى أن تزغرد فرحاً والأخت والأب والزوجة كذلك يفرحون بفجيعتهم/ن، وكل ذلك فداءً للطاغية وتزكية لجرائمه!..

كم أنتم مجرمون! كم تتمنى أمهات وأخوات وزوجات الشهداء أن تزغرد أم بشار وماهر الأسد وأخته وزوجته فرحاً بقتلهم! كم أنتم مجرمون! حتى دمعة أمٍ ثكلى اغتصبتموها وجعلتم منها زغاريد فرح! تعرفون كيف تستطيع العيش غداً وما سيدور في نفس أم وأخت خلدون وأكثر من 1500 خلدون حتى الآن؟ وكيف ستعود تصنع من زغاريدكم حقداً لا يُمكن استئصاله في “سبعة أجيال”؟! مجرمون أنتم أيضاً يا بعض أبناء الجبل الذين تباركون وتساهمون بتحويل الدمع والدم إلى زغاريد فرح للوريث. هل صارت صلاة الجنازة هتافات لبشار؟ هل صارت بعض عمائم الدين طاقيات طلائع؟ هل عباءة عبد الله الأطرش تحمل شيئاً من تراث سلطان؟.. كان الثوار يبيعون طحين خبز أطفالهم من أجل شراء خرطوش أيام ثورة الاستقلال الأولى، واليوم بعض أحفادهم وأبناءهم يستجدون ويستعطون العلف من القصر. ومازالوا يرددون الجوفيات.. أيها العقل، ويا إله العقل، من رآك؟!..

الويل لكم من أطفال اليوم عندما يكبرون ويقفون غداً أمامكم يسألون، أو على قبوركم يلعنون التراب الذي ضمّ بقايا العظام المتواطئة. بئس الحليب والعلف، العلف الذي وراءه تركضون، وبه تُرتشون وتسكتون..

من يستطيع الحفاظ على بقايا روحه الجبلية صار في عهد الأسد بطولة!. لقد سرقوا منا حتى أرواحنا وحتى الأحلام، ولم يتركوا غير الكوابيس وزغاريد الجنائز!.

هل تكفينا وتحمينا أخلاقياً شعارات وهتافات الرخص المخابراتي في زمن الكرامة والحرية؟ هل تكفينا وتحمينا أخلاقياً وتشبعنا روحياً أكياس العلف وهوبرات السفهاء الراقصين على أصوات نحيب الأمهات الثكالى؟ هل تكفينا وتحمينا أخلاقياً مبررات الكذب البائس عن البديل الأسوأ وهي اسطوانة مشروخة بائسة كاذبة لإعلام النظام البائس؟ أي شجاعة حين تحتمي شوارب الرجال بجزمات رجال المخابرات؟ تكذبون على كل العالم، لكنكم لا تستطيعون الكذب على أنفسكم!

يبدو أن بعض أزلام النظام ومخابراته في الجبل سبقوا أكثر المتشددين تشدداً سلفياً. شطارة وبؤس ورائحة المخابرات على أحدهم وبعض صحبه تصرخ عن نفسها، حيث يكتب/ون باسم مستعار عن قرب عهد الخلافة الإسلامية. يغرف هذا المتستر -المعروف وصحبه من كنز خلافة الوريث الأسدي. اقترح عليه/م مسلّة أخرى للخيطان المهترئة، لأنه حتى أكثر المتشددين الإسلاميين في سورية لا يطرحون مثل تلك الأفكار. الشيء الأكيد أن عصر التوريث قد ولّى وإلى الأبد..

كان الرجال يتنافسون على الكرامة وعزة النفس، وأنتم تتنافسون على الذلّ والإذلال والولاء لأكبر مجرمي وطننا! إنها مرحلة امتحان حقيقي للرجال، وقريباً سيقرأ كل امرئ نتيجة درجة علاماته في عيون الأطفال والأمهات الثكالى، في دفاتر تلاميذه وطلابه، سيجدها على جذوع تفاح الجبل، وبين دوالي العنب، سيقرأها عبق الحبق الحزين محل لافتات وصور الذين فرّطوا بالأرض وشوّهوا وسلبوا القيم، سيقرأوها بين فناجين القهوة المرة، وعلى بازلت الجبل الصامت خجلاً حتى اليوم…

أكررها: أيها العقل، ويا إله العقل، من رآك؟!..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى