الرئيسية / صفحات العالم / المنطقة وسوريا: الوهم والخيال والواقع

المنطقة وسوريا: الوهم والخيال والواقع

 


عبدالله بن بجاد العتيبي

ما تقوله الأزمات العربية – لا الثورات- الجديدة لنا هو أن الجميع حائر يفتّش عن مخرج ما، إما وهماً أو خيالاً أو واقعاً، فإلى الوهم هرب القذّافي حيث العين التي أعلن إيمانه بها، وحيث السحر الذي تعرضه قناته الرسمية، وإلى المؤامرة الخارجية لجأ الرئيس الأسد حسب تصريحاته، وإلى المهدي المنتظر اتجهت دعايات وشعارات بعض القوى الإقليمية، وإلى الواقع انحاز مجلس التعاون الخليجي.

هذا في تصرّف الأنظمة، أما في الشقّ الآخر حيث المحتجّون والمعترضون الذين يحبذون اسم الثورة، فلديهم كذلك أحلام وخيالات بأن دولهم ستكون بين طرفة عينٍ وانتباهاتها إحدى الدول المتقدمة، ليغيب الفساد عن النظام وتنتهي مظاهر التخلف عن المجتمع، ويختفي معها الاهتراء الاقتصادي والتقهقر الثقافي، والتطرّف الديني، وهذه خيالات تقابل تلك الأوهام.

هكذا هي لحظات الأزمات التاريخية والتحوّلات الكبرى، تدع الحليم حيراناً، من القمة إلى القاع، ومن النخب إلى الأفراد، ومن الساسة إلى المجتمعات، فالعاجزون عن قراءة المشهد يهربون لأوهامهم أو خيالاتهم، وكمثال، فعن الثورة الفرنسية 1848 يقول مارك تروغوت: “بدت مذهلةً حتى بالنسبة إلى أفضل العارفين”.

أما في الواقع وما يجري فيه، فإن مواقف مجلس التعاون الخليجي الجديدة بدأت تعبر عن رؤية واقعية، فهذا المجلس كان في الماضي يغيب طويلاً ثم يحضر في لحظات الأزمات، واليوم، يستطيع المراقب أن يرصد توحّداً لهذا المجلس يعبّر عن قوة إقليمية قادرةٍ على الفعل والتأثير في محيطها والعالم.

يبدو المجلس مؤمناً بأنك حين تكون قوياً ونافذاً ومؤثراً يجب أن تُعنى بحماية مصالحك، وأن تُقنع العالم بقوّتك وتأثيرك، وأن تُعلن هذا عبر مواقف سياسية واضحة وتصريحات داعمة في مواجهة سعي الآخرين للنفوذ على حسابك والحرص على مصالح تناقض مصالحك، ومواقف المجلس الجديدة يمكن قراءتها بسهولةٍ تجاه البحرين واليمن وليبيا، حيث اتخذت مواقف سياسية متقدمة ومختلفة، وقد ميّز المجلس بوضوح بين دولة عضوة فيه حيث البحرين وواجب “درع الجزيرة”، وبين اليمن حيث العمق الاستراتيجي جنوباً وبين سوريا حيث العمق الاستراتيجي شمالاًً، كل هذا يتمّ بأسلوبٍ تقوده دبلوماسية متفقة ومتحالفة تتسم بالمرونة والعقلانية، ويبقى الحكم على الموقف من ليبيا لا يحمل إلا تفسيراً مصلحياً محضاً.

في أحداث المنطقة، يبدو الحدث السوري اليوم طاغياً لحضوره في كل الموازنات الدولية الكبرى، والنزاعات الإقليمية ومحاورها المعروفة، كما في الشؤون الحقوقية والإنسانية العامة.

كان يوم 15 أبريل يوماً دامياً في طول سوريا وعرضها، وكان يوم 22 أبريل أشدّ وأنكى، ويمكن رصد التغير بين التاريخين فثمة انتشار جغرافي للاحتجاجات وتزايد في الأحداث وتصاعد في الشعارات المرفوعة، وصل بعضها كما نقلت بعض وسائل الإعلام إلى إطلاق الشعار المشهور حديثاً في العالم العربي وهو “الشعب يريد إسقاط النظام”.

كانت هذه الاحتجاجات تناوش دمشق العاصمة في 15 أبريل ودخلتها في 22، وإن لم تصل بعد لحجم الاحتجاجات في المدن الأخرى، ويبدو النظام في سوريا وكأنّه يتّجه للتركيز بشكلٍ أكبر على العاصمة وتأمينها من امتداد الاحتجاجات إليها، ويبدو تعامل النظام مع هذه الاحتجاجات تعاملاً أمنياً بامتياز بمعنى غياب الأفق السياسي أو الإصلاحي العام عن رؤية المشهد كاملاً لدى صانع القرار.

لم تزل خطابات الرئيس ومواقف النظام في سوريا تأتي متأخرةً عن المسار العام للأحداث، وكانت جميعاً تتجنّب المسألة الأهمّ، احتجاجات عريضة ومطالبات مستحقة بالإصلاح والتغيير، وتركيز على التفكير الأمني والحلّ العسكري، ذلك أن ذاكرة النظام وتجربته الطويلة ترتكز على أسلوب واحد في مواجهة الشعب ومطالبه المستحقة، وهو أسلوب القمع الأمني والعسكري، ويبدو تعاملها مع ما يجري اليوم في الداخل عاجزاً عن استيعاب المشهد وأكثر عجزاً في التعامل معه بسبب عدم القدرة عن الانعتاق من الذاكرة والتجربة، ما يوحي بشيء من التشتت في رؤية الأولويات الوطنية والمطالبات الشعبية.

إنّ من الخطير على سوريا أن تدير سياستها الداخلية والخارجية عبر الأمن وحده، فالأمن عنصر أساسي ورئيس في خدمة السياسة وضمان الاستقرار، ولكنّه حين يتعدّى دوره ويتجاوز مجاله ويخضع السياسة لحكمه تحدث المشكلة، فالسياسة تعتمد على المصالح والتوازنات وعلى المرونة والأخذ والعطاء وتوظيف كل الإمكانيات لخدمة الأهداف الكبرى داخلياً وخارجياً حيث توحيد الجبهة الداخلية بكافة الطرق والعمل على بناء التحالفات الخارجية التي تخدم الدولة بشتى السبل، ولكن التفكير الأمني يختلف كثيراً لأن أولوياته بطبيعتها مختلفة عن أولويات السياسة.

ما يجري اليوم في سوريا، يؤكد أنها تدار بعقلية أمنية نفعتها عقود طويلةً في الماضي لا برؤيةٍ سياسيةٍ واعيةٍ تتعامل مع الواقع وتستوعب المتغيرات، ومن الجيد في هذا السياق الإشارة إلى الكتاب المثير الذي كتبه عبدالحليم خدّام، أحد أعمدة النظام السوري السابق، والذي كان آخر مناصبه نائب الرئيس السوري، والكتاب نشر تحت عنوان “التحالف السوري الإيراني والمنطقة” يقول خدّام: “كان أكثر ما يقلق حافظ الأسد الخوف على النظام، وكان خوفه متقدماً على القضايا الأخرى في تلك المرحلة، بما في ذلك القضايا ذات الصلة بالوحدة الوطنية”، والسؤال هنا هل لا زال هذا النوع من التفكير يسيطر على قرار الأسد الابن؟ وهل جدّ جديدٌ في الأولويات أم أنّ الأمر لم يزل كما هو؟

مواجهة سوريا للاحتجاجات اتسمت بعدة سماتٍ تجدر ملاحظتها بعناية وهي مواجهة أبرز عناوينها الفشل، إن في القراءة أو في التعامل، في القراءة حسبت أنّ شعارات المقاومة ستحميها، وأن انخراطها الكلّي في محور المقاومة مع بعض الدول الإقليمية سيكفيها، أما في التعامل فأنّها سعت تصاعدياً للتقليل من شأن الاحتجاجات ومحاولة تجاهلها ثم سعت لقمعها حتى لا تنتشر، ثم سعت إلى إدانة هذه الاحتجاجات بكل سبيل، فمرة ربطتها بنائب سياسي لبناني معارضٍ لها، ومرةً ربطتها بقدوم أسلحةٍ عبر الحدود مع العراق، وأخيراً صعّدت باعتبارها المحتجين قطّاع طرقٍ ومخربين وسعت أكثر لتصويرهم بأنهم مسلحون وإرهابيون، وأخيراً تفتق ذهنها عن السلفيين، لتبرر بهذا ضربهم عسكرياً كما تملي عليها ذاكرتها وتحتم عليها تجربتها وتحرضها عليه الدولة الكبرى التي تتحالف معها.

لم ولا ولن يوجد نظام سياسي بلا شوائب وأعطاب ونواقص تكبر وتصغر باعتبار عدة عوامل، والنظام الأبقى والأقوى هو المسارع للملمة الشوائب وإصلاح الأعطاب وتكميل النواقص، وفي زمنٍ تتراكض فيه خيول التقدّم والتغيّر والتطوّر يلزم الأنظمة أن تكون على مستوى تسارع الزمن وشروط الواقع ومستلزمات التطوّر، ومن دون هذه الوصفة ستنتشر الشوائب وتتفشى الأعطاب وتتضخم النواقص لتصل لما لا يحمد عقباه، ولا أدلّ على هذا من تعامل النظام السوري مع شعبه، فقد اكتفى في مواجهة كل الشوائب والأعطاب والنواقص بالتسويف والوعود ولا شيء أكثر، وهكذا يجري في اليمن بشكلٍ أو بآخر.

في مواجهة النظام السوري للتغيّر ينسى أنّه “كلما تغيّرت الأمور استقرت” من ديوان السياسة، العروي، ص36. وهنا يجدر الحديث عن أن قدرة أي نظامٍ سياسيٍ على التطوّر والمرونة هي ضمانة الاستقرار الحقيقية.

أخيراً ففي المعادلة السورية أمر جدير بالعناية، وهو أن النظام يرى في البطش الدموي خلاصه، وقطاعات من الشعب ترى في الثأر والانتقام مفازاً، والوضع هناك بحاجةٍ للغة الواقع والعقل حيث الأصلح والأنفع.

الاتحاد

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...