الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سمير العيطة / المواطن أم الوطن، أم كلاهما

المواطن أم الوطن، أم كلاهما


سمير العيطة

طائرات إسرائيليّة تقلع من قاعدة أمريكية في ليبيا وتقضي على سلاح الطيران المصري، فتكون “نكسة 1967” والهزيمة الكبرى للمشروع الوطني العربي. ضباّط ليبيّون يغضبون ويطيحون بالنظام الملكي، وإغلاق القاعدة الأمريكية، وإقامة صناعات نفطيّة ذات شروط تعاقد مع الشركات الكبرى أفضل من تلك المبرمة مع باقي البلدان العربية [1].

مشهد نهاية نظام معمّر القذافي يذكّرنا لا محالة ببداياته. طائرات حلف الأطلسي تقصف مراكزه وقوّاته، وثوّار يلاحقونه ليقتصوّا منه. نزاع بدأ على النفط الليبي، ويريد المشاركون في “التحرير” استرجاع كلفة عمليّاتهم العسكرية منه [2].

إلى أين أخذتَ ليبيا يا معمّر القذافي؟ من مشروع وطني إلى بلدٍ رهنته كوطن وكمواطنين لوجودك وعائلتك. جنونك ليس فقط أنّك قتلت وسجّنت وعذّبت ومنعت عن أبناء شعبك “الحرية والكرامة”، بل هو أيضاً أنّك جعلتهم يحملون السلاح للدفاع عن حقوقهم ويتحالفون مع “الشيطان” فقط كي يتخلّصوا منك، وكي ترهن مستقبلهم لهذا الشيطان. جنونك أيضاً أنّك رهنت دولتهم لتحالفاتك القبليّة وشبكات استزلامك كي تجعل طريقهم إلى المساواة في المواطنة بعد زوالك رهناً للمجهول.

معركة ليبيا في مسار الربيع العربي هي الأصعب: خيار السلاح مقابل سلميّة ثورتي مصر وتونس؛ خيار الاستعانة العسكريّة المباشرة بالأجنبيّ مقابل وضع كلّ الأبعاد الإقليمية والخارجية جانباً؛ خيار عشرات آلاف القتلى والجرحى ضحايا الحريّة مقابل بضعة مئات؛ خيار تدمير مؤسّسات الدولة مقابل بقاءها ولو بالحدّ الأدنى لتأمين مرحلة ما بعد التغيير؛ خيار الشرذمة القبائليّة والحرب الأهليّة مقابل التوحّد في مواجهة الطغيان؛ وأخيراً خيار رهن السيادة للدول التي أعانت على “التحرّر” مقابل الإبقاء على هذه السيادة مصانة للعودة إلى سياسات تتبع توجّهات الشعوب. فهل ستسجّل دروس ليبيا نكسةً للربيع أم انطلاقة جديدة له؟

بالرغم من الإطاحة السريعة “بالرئيسين”، ما زال مسار ربيعي تونس ومصر طويلاً: ليس لأنّه ينبغي جعل تأسيس “الحرية والكرامة” في صلب منطق مؤسسات الدولة، خاصّة في صلب الدستور لصيانة المساواة في المواطنة وإبعاده عن المناداة بشروط “الأغلبية” في ظلّ هيجان التيّارات السياسية والفكرية في الشارع فحسب، بل أيضاً لأنّه يجب إعادة وضع المشروع الوطني لهاتين الدولتين في سياق رفض الهيمنة الخارجيّة ومواكبة تطلّعات الشعوب. إلاّ أنّ ما يحفظ الأمل هو أنّ المشروع القائم على المواطنة بقي سلميّاً، وأنّ الحريّات تفتّحت بعد التغيير على تطلّعات المساواة والمشروع الوطني بتلازمٍ أصيل.

يبقى ربيع البحرين واليمن وسوريا على مفترق طرق: اختارت ثوراتهم السلميّة لكنّها لم تعد تطيق قسوة القمع؛ واختارت ثوراتهم رفض التدّخلات الأجنبيّة في حين أضحت القوى الإقليميّة والدولية لاعبة في النزاع على الأقلّ سياسيّاً؛ اختارت الصبر على القتلى والجرحى والمعتقلين والإهانة مع أنّه من المستحيل ألاّ تدافع عن كرامتك وعرضك؛ اختارت الحفاظ على مؤسّسات دولتها، وخاصّة الجيش، مع أنّ كلّ جندي وضابط يجد نفسه أمام معضلة “إمّا أن تقتل أخاك أو أنّك سترفض الأوامر؟”، ووجد كلّ مواطن نفسه أمام معضلة مماثلة “إمّا أن تواجه من ينتهك حرماتك أو تستسلم؟”؛ اختارت النأي عن أيّ حربٍ أهليّة بالرغم من أنّ السلطة تلعب على التهييج الطائفي حفاظاً لبقائها وكذلك القوى الخارجية الكبرى وكثيراً من وسائل الإعلام؛ واختارت الحفاظ على سيادتها حتّى لا تكسب بعد “التغيير” حريات وتفقد وطناً.

رفض قادة سلطة هذه الدول التغيير، ووضعوا مواطنيهم ووطنهم رهينة لهم. إمّا أن نبقى، أو تضيع المواطنة ويضيع الوطن. شهورٌ مضت والرهائن صابرون، ومسلّحون بإرادةٍ لن تنكسر. لن نرهن الوطن للمواطنة، نريدهما سويّة. ولن نقبل بأن تكونوا، أنتم السلطة التي استباحت حقوقنا، أنتم الوطن، فالوطن هو أوّلاً وأخيراً للمواطنين.

يفقد بعضهم صبره. والإعلام الذي يحبّ استعراض المعارك المسلّحة والخطابات التهييجية، يدفع إلى الحسم… سريعاً. وما الحسم؟ ماذا بعد أن نشهد قادة السلطة “يرحلون”؟ هل يمكن لمرحلّة تحوّل أن تقوم بدون جيش وطنيّ موحّد يحمي مسارها (دون أن يتدخّل بها)؟ وهل يمكن للحريّة وللديموقراطية أن تأخذا طريقهما وتترسّخا في دساتير جديدة دون مؤسّسات دولة تبقى عاملة لتأمين حاجات الناس الأساسيّة؟ وهل من معنى لهذه الحريّات إذا ارتهن مستقبل البلاد لدولٍ تساعد على هذا… الحسم؟

خيارات صعبة أمام شعوب دول مفترق طريق الربيع العربي؟ الصبر والصبر مهما كان الإحباط؟ والاستمرار سلمياً في معركة الإرادة بالرغم من كلّ الصعوبات؟ وإنتاج القوّة الحاملة البديلة من الداخل عبر الفرز والعمل السياسي المضنيّ بالرغم من كلّ التدخّلات؟ أم الذهاب إلى… محاولة حسمٍ عسكريّة ودفع تدخّلات خارجيّة؟ بما فيها العسكرية، أو ربّما حربٌ أهليّة؟!

خيارات صعبة، ستكون فعلاً مفترق طرق. إلاّ أنّه حتّى تونس ومصر تتطلّعان، بل تحتاجان، إلى ربيعٍ عربيّ آخر يختلف في مساره عن “الثورة” الليبيّة. فالربيع هو للمواطنة والوطن كلاهما سويّة، وهو في الأساس معركة قيم أمام الإنسان والتاريخ.

* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك، ومؤّلف: Les Travailleurs Arabes Hors-La-Loi, L’Harmattan, 2011. ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com

 [1] جان-بيير سيريني: “النفط الليبي من يدٍ إلى يد”، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، نيسان/إبريل 2011، http ://www.mondiploar.com/article3…

[2] “Obama’s NATO war for oil in Libya”, 23/8/2011; “The Scramble for access to Libya’s oil wealth begins”, the New York Times, 22/8/2011.

لوموند ديبلوماتيك العربية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...