الرئيسية / صفحات مميزة / الموقف الأميركي من الثورة السورية –مقالات مختارة-

الموقف الأميركي من الثورة السورية –مقالات مختارة-

سورية في منظور أوباما/ غازي دحمان

على مدار خمس سنوات مضت، انتقلت سورية في إدراك إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، من موقع إلى آخر، مرّة جرى وضعها في قلب العالم، وصارت البؤرة التي تحدّد سلامه واستقراره، ومرّة صارت على هامش العالم، وحينذاك لم يكن ثمّة داع سياسي وأخلاقي للتمييز بينها وبين الكونغو. وأخيراً، تاهت، ولم يعد يعرف أوباما نفسه أين صارت. ربما تحتاج إدارته هذه الديناميكية الإدراكية المتطوّرة دائماً، لتتمكن من ترتيب سياساتها وقراراتها، سورية عائمة في فضاء غير محدّد أفضل من سورية محدّدة المعالم يمكن بسهولة قراءة أبعاد كارثتها، وتظهير الالتزامات الواجبة تجاهها، لكن سورية، وفق هذه الشاكلة، تصبح قضية كلاسيكية “ثورة حريّة” من تلك القضايا التي عاينتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولم تنطو على فرص استراتيجية خلّاقة، تساعد واشنطن، في نقلتها إلى زمن مختلفٍ، في عالم العلاقات الدولية.

ثمّة من تسرّع، وأطلق على هذا النمط من خليط السياسات “غياب الرؤية الإستراتيجية”، بحيث تتقزم الإستراتيجية إلى جملة سياساتٍ غير مترابطة، وغير هادفة، في الوقت نفسه. ويلّطف بعضهم هذا التوصيف بالقول بـ “ضبابية الرؤية الإستراتيجية”، وهي حالة صانع القرار المرتبك تجاه قضيةٍ، وعدم قدرته على تحديد الخيار المناسب للتعاطي معها. وفي الواقع، يستحيل وضع إستراتيجية واضحة مع غياب وجود حالة ثبات يمكن الانطلاق منها، بحيث يمكن وضع ركائز الإستراتيجية تلك، وإمكانية تطويرها وفق مقتضيات تطوّر الحالة نفسها.

ليست سورية في منظور إدارة أوباما جغرافيا ولا ديمغرافيا، هي قطع من أزمات عديدة، يجري التعامل مع كل واحدة بشكل منفصل. مرّة تكون على شكل أزمة سلاح كيماوي يهدّد أمن إسرائيل، ومرّة أخرى على شكل أزمة لاجئين، تهدّد بتفكيك الاتحاد الأوروبي. وفي كل الحالات، رفض الإدراك الأميركي توصيف الحالة السورية على أنها قضية أمن قومي، بقدر ما هي التزام تجاه شركاء خارجيين، يمكن لإجراءات بسيطة ومحدّدة أن تعدل من آثار التداعيات التي تنتجها. وحتى تلك الإجراءات تشمل مروحة واسعة من التصرفات التي لا تستدعي تدخلاً أميركياً مباشراً، مثل تكيف أوروبا مع أزمة اللاجئين، وإيجاد الحلول المناسبة ذاتيا، أو كأن تنسق إسرائيل عسكرياً مع روسيا.

هذا الشعور بعدم الإلحاجية هو ما يظهر السياسة الأميركية بمظهر القادر على إدارة الأزمة بدم بارد، يصل إلى حد التجريب والتدرب السياسي والمساومة البعيدة الأمد، بل تحوّل سورية إلى مختبرٍ لفحص توجهات العالم في المرحلة المقبلة، ومعرفة أنماط القوة، وطبيعة الإستراتيجيات التي يفكر بها الخصوم. على ذلك، بقدر ما تصبح سورية بالنسبة لروسيا مختبراً لنماذج الأسلحة الحديثة لديها، تعتبر واشنطن سورية أيضاً مختبراً لمعرفة فعالية السلاح روسيا في أي حرب قادمة، واكتشاف ما تخبئه من أسرار عسكرية، إن على مستوى تقنيات الأسلحة، أو على مستوى الخطط والإستراتيجيات.

وفق ذلك، تبدو سورية في مدرك إدارة أوباما جغرافيا محمولة على سفينة أو طائرة. وفي

“اكتشف أوباما أن التدخل الروسي علامة على ضعف الأسد!” الحالتين، هي ذات طبيعة متحركة ومتنقلة، مرّة تصبح على تماس التخوم الأوروبية، عندما تشتكي أوروبا من أزمة المهاجرين. حينها تضع تلك الجغرافيا رحاها بالقرب من أوروبا، ومرّة تصبح على الحدود الروسية، وعلى مشارف موسكو، عندما يتم تفهم السلوك الروسي إزاءها. وحينها، تغدو سورية واحدةً من دول آسيا الوسطى التي تقع في الحرم الروسي، ومرّة تحط على حدود الكونغو وتتأفرق أزمتها، فيطلب أوباما من الذين ينتقدون تراخيه عن التدخل التفريق بين أزمة الإنسان في الكونغو وأزمة نظيره السوري، وبالتالي، عدم إمكانية تفضيل أحد عن الآخر، والتدخل لصالح هذا وعدم التدخل لصالح ذلك.

ولعل ما يسلط الضوء على حقيقة أن سورية هي جغرافيا متحركة، تغيب، أحياناً، عن مراصد إدارة أوباما، اكتشاف الرئيس أوباما نفسه، أخيراً، أن التدخل الروسي علامة على ضعف الأسد! أو كأنه ليس من البديهي أن يتم هذا التدخل نتيجة ضعف الأسد. وليس رفاهية تمارسها روسيا، على الرغم من أن سكان جبال الإكوادور وصل إليهم، منذ فترة بعيدة، أن نظام الأسد متهالك، ويستعين حتى بأفراد يتم جمعهم من مخيمات الأفغان في إيران، ومن جبال باكستان، والمغامرين العراقيين الباحثين عن ساحاتٍ لتنفيس احتقاناتهم، وهذا يثبت أن أوباما غائب عن تفاعلات الميدان السوري، ومنذ عشية الليلة التي أنجز فيها الاتفاق مع بوتين، لتسليم الأسد سلاحه الكيماوي.

وأيضاً، ما يؤكد هذه الحقيقة دراسة نشرها مركز أبحاث بروكنجز تكشف أن أوباما يصم آذانه عن كل ما يخص سورية، ولا يعطي فرصة لمستشاريه، لتنبيهه بالمتغيرات الخطيرة التي تحصل في ذلك البلد، وإنه ينطلق من افتراضات أولية وتبسيطية للأزمة، ويرفض بشكل مطلق مغادرتها، أو بناء بدائل منطقية لها.

ومن الواضح أن سورية ستبقى دائمة التنقل، ولن تحظى بأي شكل من أشكال الإقامة، ما دامت إدارة أوباما باقية، بل إنه سيفرض على أي إدارة قادمة التعاطي معها بهذا الخليط نفسه من الإجراءات والسياسات، وربما شكّل هذا الأمر أحد المحركات التي تنطلق منها الحملة الروسية الإيرانية الأخيرة على سورية، حيث تتسارع الخطى، لجعلها حقيقة خارج إمكانية القدرة على التعاطي، بعد أن يتم تشكيلها بمقاسات وتصاميم خاصة.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

واشنطن وتحدي الحلفاء/ علي العبدالله

لم يترك الحلفاء(السعودية، الإمارات، قطر) لواشنطن منفذا للتملص، فالعروض التي قدموها تنسجم مع توجهاتها المعلنة في الحرب على الإرهاب ومع مطالباتها الدائمة لهم، باعتبارهم سنّة ودورهم رئيس وحيوي في تقويض صورة “داعش”، بزيادة مساهماتهم في مواجهة الأخير، ولكنها(العروض) تنطوي على إحراج كبير لواشنطن لان انخراط هذه الدول في الحرب على الإرهاب يأتي من بوابة المعارضة من جهة ولأنه سيؤدي، بطريقة أو بأخرى إلى إعادة صياغة المشهد السياسي السوري على الضد من التوجهات الروسية الإيرانية التي مالت إليها، وخاصة التدخل الروسي، الذي تبنت استثماره لا مواجهته، من جهة ثانية،  وجاء تأكيد هذه الدول على العمل من خلال التحالف الدولي، وبقيادة أميركية، ليزيد في إحراجها والضغط عليها لدفعها لأخذ مواقف أكثر جذرية من الصراع في المنطقة، من جهة ثالثة، وتسببت موافقتها المبدئية على الموقف السعودي بزيادة الفجوة مع تركيا، التي كانت رفضت طوال عام ونصف العام طلباتها ودعواتها لإقامة منطقة آمنة وحظر طيران، والتي تنسق الآن مع السعودية للمشاركة في الحرب على الإرهاب واستثمار ذلك في استعادة دورها في سوريا الذي حاولت واشنطن وماتزال الحد منه، من جهة رابعة.

وقد زادت عملية جس النبض، لها ولموسكو، التي بدأتها تركيا بقصف مواقع حزب الاتحاد الديمقراطي في ريف حلب الشمالي، وقوات النظام السوري في ريف اللاذقية، في رفع درجة حرجها ما دفعها إلى مطالبة القوات التركية بوقف إطلاق النار، لم تستجب تركيا لدعواتها، ومطالبة حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي خسر جزءا كبيرا من تعاطفها بعد افتتاحه ممثلية له في موسكو، بعدم استغلال الظرف والسيطرة على مزيد من الأراضي.

مع التسليم بوجود عقبات كثيرة أمام التدخل السعودي الإماراتي القطري التركي البري في سوريا، ومحاولة واشنطن الالتفاف على الموقف من خلال طرح مهمات قتالية محدودة مثل العودة إلى المشاركة في عمليات القصف الجوي لمواقع “داعش”، وأخرى تدريبية، تدريب البيشمركة والقوات الشعبية السنّية في العراق والمعارضة السورية، إلا أن إصرار هذه الدول على ارسال قوات برية سيضع واشنطن في مأزق ليس لعدم رغبتها في الانخراط في الحرب وإرسال قوات برية إلى سوريا فقط بل لأن التدخل البري العسكري ينطوي على مخاطرة كبيرة فالروس والإيرانيون لن يسمحوا بأيّ حال بانتشار قوات تركية – عربية على الأراضي السورية، حتى لو لم تقترب قوات هذه الدول من مواقعهم ولم تشتبك مع قواتهم، حيث سيتم قتالها في حلب وحوض الفرات، وسيعتبرونه بمثابة التفاف على ما يعتبرونه نصراً عسكرياً يوشكون على تحقيقه، لأنه سيعزز موقف الجيش السوري الحر ويساعده على التقدم ضد “داعش” وحلفاء موسكو وإيران (قوات سوريا الديمقراطية وقوتها الرئيسة وحدات حماية الشعب) ما يثير مخاوف من صدام مباشر بين الطرفين(ايران حذرت السعودية وهددتها من جهة واعلنت عن استعدادها لارسال طائرات ودفاع جوي الى سوريا اذا ما طلبت دمشق ذلك من جهة ثانية، ولكنها عادت ودعت، بعد أن بدأت الطائرات السعودية بالوصول الى قاعدة انجرليك، الى تعاون ايراني سعودي في محاربة “داعش”)، وهذا سيدمر كل ما بناه الرئيس الأميركي في السنوات الماضية من خلال الاتفاق النووي مع إيران والعمل على إعادتها إلى المجتمع الدولي وتحولها إلى قوة استقرار ما يتيح إقامة توازن جيوسياسي جديد في الإقليم قائم على دعامتين: دعامة سنّية (السعودية) ودعامة شيعية (إيران) يتيح لواشنطن التفرغ لمواجهة تحديات أخرى في أقاليم أخرى(الصين في شرق آسيا، وروسيا في شرق اوروبا).

وقد زاد التمادي الروسي، ان عبر التوسع في القصف واستهداف المدنيين والمشافي او تكرار خرق الحدود التركية، في تعقيد المشهد وخطورته ما دفع واشنطن الى مطالبة حلف الأطلسي الى التحرك للعب دور في المسرح السوري عن طريق ارسال قوات الى بحر ايجة وارسال طائرات اواكس(هذا النوع من طائرات الرصد والمتابعة ليس ضروريا لمحاربة “داعش”، لكنها ستكون رئيسية في أي مواجهة مع موسكو في سورية) ومطالبته(الحلف) موسكو بالكف عن اختراق حدود تركيا ورد موسكو المتحدي ومطالبتها له بالوقوف على الحياد في المواجهة بينها وبين انقرة، موقف اعتبره المحللون محاولة روسية لعزل تركيا عن حلفائها او اختبار لرغبة الحلف في دخول مواجهة عسكرية للدفاع عن تركيا، خاصة وبوتين يرى في تحركات الحلف وتمدده خطرا على الامن القومي الروسي.

واضح ان هدف التحرك السعودي التركي، السياسي والعسكري، التصدي للروس والايرانيين ومنعهم من تحقيق حسم عسكري على حساب مصالح العرب والاتراك، وسعي السعودية لتقويض الاقتصادين الروسي والايران من خلال الابقاء على انتاج النفط كبيرا وعلى اسعاره منخفظة جزء من هذه المواجهة، ما يضع الادارة الاميركية في مواجهة تحدي ارضاء الحلفاء في ضوء حاجتها الماسة اليهم في حربها على “داعش” وتخفيف معاناة السوريين من خلال عملية سياسية تبدأ برفع الحصار وادخال الاغاثة للمناطق المحاصرة والحد من الهجرة الى اوروبا، وهذا لن يكون ممكنا دون تلبية مطلبها باجراء عملية تغيير حقيقية في سوريا والزام النظام وحلفاءه بالقبول بعملية انتقالية تقود الى نظام جديد. وقد دعا الدبلوماسيان الاميركيان نيكولاس بيرنز و جيمس جيفري في مقال لهما تحت عنوان “الدواعي الدبلوماسية لقيام الولايات المتحدة بإنشاء منطقة آمنة في سوريا” نشراه في جريدة الواشنطن بوست يوم 5/2/2016 الى تغيير الموقف الاميركي بقولهما:” نحن نعتقد أن الرئيس أوباما لم يعد قادراً على تجنب تقديم قيادة أميركية أكثر قوة لعكس هذه الموجة العاتية من المعاناة والعنف في بلاد الشام. فالمصالح الاستراتيجية الأميركية فضلاً عن واجب الولايات المتحدة الإنساني كأقوى دولة في العالم تحتم على واشنطن إجراء تغيير في الاستراتيجية، وفي الأفكار أيضاً”. وأضافا:”لا بد من الإشارة إلى أن هناك فوائد متعددة للمنطقة الآمنة. إذ ستشكل الطريقة الأكثر فعالية لدعم المدنيين السوريين والحد من تدفق اللاجئين إلى البلدان المجاورة وإلى أوروبا. كما ستعزز من قدرة الولايات المتحدة على العمل بشكل وثيق مع تركيا، حليف واشنطن الإقليمي الرئيسي في “حلف شمال الأطلسي” (“الناتو”)، التي طالما دعت إلى مثل هذه الخطوة. ولأول مرة، ستقيّد هذه الخطوة العمليات الهائجة لسلاح الجو السوري، وهو أكبر قاتل للمدنيين في الصراع السوري. ومن شأنها أيضاً أن تعيق استخدام القوة العسكرية من قبل روسيا وإيران وحزب الله ضد المقاومة”.

غير ان موقف الادارة الرسمي مازال يكرر مواقفه الدبلوماسية السابقة بعبارات فضفاضة غير محددة الاهداف، هي أقرب إلى الخداع والتضليل منها إلى الموقف الحقيقي، في محاولة واضحة للابقاء على جوهر موقفها حول التوازن الجيوسياسي في الاقليم واستثمار التدخل الروسي لتسويقه.

وهذا يستدعي موقفا عربيا تركيا مختلفا ينطلق من رفض التضليل الأميركي والتحرك بصورة مستقلة لحماية المصالح المشتركة، والا فإنّ النتائج ستكون كارثية في حال تحقيق الرؤية الروسية الايرانية للحل في سوريا.

المدن

 

 

 

 

الخبث والسذاجة والغرور في سياسات واشنطن السوريّة/ حسن منيمنة

ما الذي يدفع شخصيات عالمية، ذات مستوى ذهني مرموق، ومدعومة بنصح فرق بحث وعمل لا حدود لإمكاناتها المتاحة، إلى الإصرار على عقد اجتماع، كمحادثات جنيف-3، بين نظام دمشق والمعارضة، على رغم بداهة الواقع الذي لا مفرّ منه، وهو أنه يستحيل على أي من الطرفين القبول بالحد الأدنى الذي يشترطه الآخر لمجرد الشروع في المفاوضات؟ فلا النظام على استعداد للتنازل، خصوصاً وقد منحه التدخل الروسي فرصة استعادة زمام المبادرة ميدانياً، ولا المعارضة قادرة أو راغبة في الاستسلام، وهو ما يشكّله مجرد القبول باستمرار النظام، الذي يبدو أنه توقع الجهة المفترض بها أن تكون الداعمة لهذه المعارضة، أي الولايات المتحدة.

ثم ما الذي يدفع وزير خارجية القوة العظمى الوحيدة، أقلّه وفق المعطيات الموضوعية، الى أن يرضى، على هامش لقاءات ميونيخ، باتفاق لوقف الأعمال العدائية في سورية وفق شروط تفرّغ الاتفاق من محتواه، حتى قبل أن ينتهي تجاذب أطراف الحديث في شأنه؟

طبعاً، الميل في معظم القراءات العربية هو إلى اعتبار هذه الخطوات دليلاً على خبث الولايات المتحدة. فواشنطن تزعم التزام المواقف المبدئية حول ضرورة إسقاط النظام السوري لما ارتكبه من جرائم لا يمكن معها إعادة تأهيله. غير أنها أعادت ترتيب أولوياتها ليصبح القضاء على «داعش» شرطاً مسبقاً لفعل الإسقاط، بل أوضحت طبيعة جهودها ليتحول السعي إلى القضاء على «داعش» مهمة طويلة الأمد تكاد أن تكون مستعصية وفق اللاءات التي أُعلنت، أي لا قوات برية أميركية، ولا عمل خارج إطار الشرعية الدولية، ولا تمكين للمعارضة القائمة.

فالموقف المبدئي، وإن كرّره الرئيس باراك أوباما في خطابياته الفذّة، جرى تسويفه تباعاً إلى حد التبديد. في المقابل، يبدو أن واشنطن وجدت حزماً غير معتاد في حديثها مع المعارضة، عند إصرارها على مجاراة المسعى الروسي وتحميل فصائل المعارضة مسؤولية الكارثة الإنسانية التي يُعَدّ لإنزالها بحلب، بل في دعمها المشترك مع روسيا لفصائل كردية من شأنها تكرار ما سبق أن أقدمت عليه من تبديل في التوزيع السكاني للمناطق التي تسيطر عليها، من دون أن تتأكد قدرتها على تحقيق ما تتوقعه واشنطن منها، أي إنزال كامل الهزيمة أو بعضها بـ «داعش». فهل من وسيلة غير توجيه الاتهام بالنفاق والخبث لتفسير ما يبدو كأنه اندراج أميركي في التوجه الروسي، مع الحفاظ على تمايز غير ملموس للتمويه بأن الخطاب والرؤيا لا يزالان على ما كانا عليه من معايير؟

لا يمكن، بل لا يجوز استبعاد فرضية الكذب والخديعة. ولكن ثمة تفسيرات أخرى قد تكون أكثر انسجاماً مع الوقائع، وأكثر فائدة في السعي إلى التفاعل مع المواقف، وإن لم ينطوِ أي منها على ثناء للأداء الأميركي في الموضوع السوري.

ولا بد لتقويم موقف واشنطن من تأطيره بالرؤية السياسية العامة لأوباما، والتي اعتبرت أن الحكومة السابقة، أي إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، ورّطت الولايات المتحدة بحروب لا جدوى منها. فإفراط بوش يقتضي التراجع وإن بدا في ذلك تفريط، وأية عواقب سلبية تقع مسؤوليتها مباشرة على فعل التوريط البوشي، لا فعل الانسحاب الذي حققه أوباما. فسورية، على رغم جسامة ما شهدته، لا تعني أوباما، ولا تعني عموم المواطنين في الولايات المتحدة. والطرح الواثق الذي يتكرر هو أن على الولايات المتحدة أن تكف عن تولي دور شرطي العالم، وليعالج هذه المشكلة الأدنى فالأدنى، أي حكومات الشرق الأوسط ثم أوروبا.

في إطار هذا التصوّر، على المعني بالشأن السوري، خصوصاً من يعتبر هذه القضية ذات خطورة بديهية، أن يدرك أن اعتباراته لا تجد صدىً ثابتاً في واشنطن. فسورية شأن غيرها من القضايا، على هامش الاهتمام، وإن عانت من تضخّم إعلامي دوري. وحين تكون القضية قليلة الأهمية، تكون معالجتها عرضة للآراء الآنية. ومن يصرّ على أن من الصعب تصديق أن أميركا لا ترسو على برّ في الموضوع السوري، عليه أن يستعرض التذبذب والتخبط والتنطح والتنصل في سائر مواضيع سياستها الخارجية، بل حتى في المسائل التي يزعم فيها الرئيس الأميركي الوضوح والثبات، كالشأنين الإيراني والكوبي، فخر إنتاج عهد أوباما. ومن يشكّك في اتهام الديبلوماسية الأميركية بالعبثية، عليه أن يراجع تحديداً الملف الفلسطيني- الإسرائيلي الذي خصّص له معالي الوزير الرحّالة جون كيري، فائق الجهود من الجعجعة التي لم تشهد طحناً، وما كان لطحنها أن يتحقق أصلاً وفق التباعد القطعي بين الجانبين.

ثمة توجّه في المنهج الأميركي يعتبر أن استمرار الشكل يبقى ذا فائدة وإن غاب المضمون، لما يتيحه من إقامة علاقات بين الأطراف المتنابذة، ومن الاستفادة من فرص قد لا تكون ظاهرة لحظة الشروع بالتواصل. غير أن عائدات هذا المنهج لا بد أن توازن بتكاليفه على غير صعيد، واستدعاؤه يبدو بالتالي اعتذارياً. هل هي سذاجة أميركية أم تفاؤل أميركي؟ أم إصرار منهجي على الحفاظ على الشكل؟ هل هي نتاج اللامبالاة، أو السذاجة، والتي على رغم عظمة هذه القوّة العظمى لا يمكن إهمال احتمالها؟

يبقى تفسير آخر، وإن انحدر إلى مستوى القراءة النفسية، وهو التفسير بالغرور. فقد قال الرئيس الأميركي إن التدخل من شأنه أن يجعل الاحتجاج السوري حرباً أهلية، ولكنْ ألم يكن اندلاع الحرب الأهلية مدعاة لإعادة النظر؟ وأشار الى أن الدور الأميركي يطلق العنان للحركات الجهادية، ولكنْ ألم يكن استيلاء هذه الحركات على الثورة السورية سبباً كافياً لإعادة تقويم؟ وهو لفت إلى أن العمل الأميركي يمكن أن يوسّع الأزمة إلى أبعاد تطاول المنطقة والعالم، ولكنْ أليس تحوّل سورية ساحة حرب عالمية مصغّرة دافعاً للتساؤل عن صوابية الرؤية؟

الجواب في كل هذه الحالات يبدو بالنفي. فالاعتذاريون حاضرون لتبرير التخلّف وللتصفيق للتنصّل باعتباره شجاعة ووضوح رؤية.

ومهما كانت الأسباب والدوافع والمبررات، فالرسوب الأميركي في سورية ليس شأناً عرضياً، بل أمر يتطلب إعادة تقويم للقصور، بشقّيه الموضوعي والمعنوي. وتبقى المأساة السورية، في غياب الإقرار الأميركي والدولي بالمسؤولية، مفتوحة أمام مزيد من الموت والدمار.

الحياة

 

 

أميركا إذ تسـلَّم سورية للروس والإيرانيين/ عبدالوهاب بدرخان

جاء يوم، خلال الأسبوع الماضي، كان الوضع الميداني في مناطق ريف حلب الشمالي كالآتي: الطائرات الروسية تقصف مواقع المعارضة على مدار الساعة، متجنِّبة مواقع مجاورة لتنظيم «داعش»، فيما كان هذا الأخير يهاجم أيضاً المعارضة بالتزامن مع هجمات من قوات «وحدات حماية الشعب» الكردية ترفدها أعداد من مقاتلي ما تسمّى «قوات سورية الديموقراطية»، ومن جانب آخر كانت بعثة رمزية تابعة للنظام تواكب ضباطاً وجنوداً من «الحرس الثوري» الإيراني ومقاتلين من ميليشيا «حزب الله» اللبناني وميليشيات عراقية وأفغانية في هجوم ضخم ضد فصائل المعارضة…

سبعة أطراف، بما فيها روسيا و «داعش»، تلتقي ضد هدف واحد: تصفية المعارضة وإنهاء ثورتها على نظام بشار الأسد. ولا يحرّكها التقاء المصالح فحسب، بل ارتباطها جميعاً بمحرّك أرضي واحد: إيران. لكن ما جعل هجماتها وتقدّمها ممكنين، هو عنصر حاسم واحد: طائرات روسيا. وقد تمتّعت هذه الطائرات وتلك الهجمات بغطاء ديبلوماسي قوامه القبول الأميركي بـ «سحق» المعارضة عسكرياً كي يمكن سحقها سياسياً. فباراك أوباما، مثل فلاديمير بوتين، لم يقتنع يوماً بأن هناك شعباً ثار للتخلّص من الظلم والاستبداد، بل انشغلا معاً في إدارة الصراع واستكشاف إمكانات استغلاله، أوباما لتسهيل التوصل الى اتفاق نووي وقد حصل عليه، وبوتين للبحث عن مساومة يخرج منها رابحاً في… أوكرانيا ولم يحصل عليها بعد.

وفي هذه المساومة يعرض بوتين رأس الأسد لكنه يطالب بثمنه، مدفوعاً مسبقاً. «ثمن الأسد» ليس في سورية بل خارجها، ووفقاً لمسؤول أوروبي بارز فإن لبوتين أربعة مطالب: الاعتراف بضمّ شبه جزيرة القرم الى روسيا، تسوية غربية – روسية لتقاسم أوكرانيا، اتفاق حصري على تزوّد أوروبا بالغاز الروسي، ورفع العقوبات الأميركية والأوروبية. ويمكن إضافة مطلب خامس يتعلّق باستجابة شروط روسيا على مشروع «الناتو» نشر درع صاروخية في أوروبا… لم تستجب أميركا وأوروبا لمطالب بوتين، ولو كانت الحرب متاحة في أوروبا لكان سارع إليها بلا تردد، بالنظر الى أهمية أوكرانيا استراتيجياً لروسيا.

قبل أن تصبح العقوبات أكثر إيلاماً، رأى بوتين الالتفاف على مأزقه بالذهاب الى حرب في سورية واستخدامها للضغط والتصعيد استدراجاً للمساومة. لكنه لمس أن ليس لدى الغربيين في سورية ما يقايضون به في أوكرانيا، حتى أنهم وافقوا على بقاء الأسد، بل لم يهتموا لتهديده بالإجهاز على المعارضة. قال للروس أنه ذاهب الى ضربة استباقية لإرهاب «داعش» قبل استفحاله ووصوله الى موسكو، لكنه استهدف المعارضة، ثم راح يستفز تركيا ليتحرّش بـ «الناتو»، ارتكب جرائم تطهير عرقي، ضاعف أعداد اللاجئين لإقلاق الأوروبيين، نسف مفاوضات جنيف ومزّق القرار 2254، مؤكّداً توجّهه الى حل عسكري، ثم أرسل وزيره الى ميونيخ حاملاً عرضاً لـ «وقف إطلاق النار» علَّه يسمع من نظيره الأميركي ولو تلميحاً بصفقة ما في شأن أوكرانيا والعقوبات. وبعد تفاوض ماراتوني، ظهر جون كيري وسيرغي لافروف ليلاً ليقولا أن لديهما «اتفاقاً»، وليعاودا الظهور نهاراً فيقولا أنه «اتفاق» غير قابل للتطبيق.

على رغم هول المأساة الإنسانية، والقتل العلني المباشر والدمار غير المسبوق، ليست هناك اليوم أي مرجعية دولية يمكن أن تُستحثّ للنظر في جرائم الاحتلال الروسي لسورية. أصبح بوتين شريك الأسد في جرائمه بل تجاوزه. وكما سكتت واشنطن على جرائم النظام وإيران، فإنها لا تضيق الآن بارتكابات روسيا. هكذا كان منطق/ لا منطق النظام الدولي دائماً، ولطالما اعتبرت روسيا خلال الأعوام الخمسة الماضية أنها في صدد «إصلاح» هذا النظام، وأسهبت في انتقاد السياسات الأميركية وتجريمها، إلا أنها في تجربتها السورية بدأت من أسفل المستنقع الأميركي.

هذه مرحلة تفجّر التناقضات والمصالح والأكاذيب في أكثر لحظات المحنة السورية خطورةً، فالأوراق والأدوار اختلطت الى حدّ تساوي نظامين مارقين في سورية وإيران مع دولتين كبريين في دفع الأزمة الى الفوضى والانسداد… بل الى أجواء «حرب عالمية» أو «حرب باردة جديدة». وإذ تبقى المسؤولية أولاً على عاتق واشنطن وموسكو، فإن الوضع السوري بات صادماً في إظهار تواطؤهما أو «تفاهمهما» على الأهداف، ثم في توظيف هذا التواطؤ لمصلحة نظامَي الأسد والملالي، لتكون المحصلة استعداداً لتفكيك سورية ولقتل شعبها وتبديد قضيته. هذه ليست مجرد لعبة مصالح، بل هي جريمة العصر بتوقيع دولتين عُظميين لم تتعلّما شيئاً من تبعات أخطائهما في أفغانستان، ولا من دروس العراق وليبيا والصومال. والمؤكّد أن الأخطاء التي ترتكبانها، في ما تسمّيانه بحثاً عن نهاية للصراع في سورية، تمهّد لتصدير الصراع الى مجمل الإقليم، في انقياد أعمى وراء «التحالف الشيطاني» بين الشحن المذهبي الإيراني والإرهاب «الداعشي».

لم يعد سرّاً أن الأميركيين سلّموا بفكرة استبقاء بشار الأسد، تأسيساً على أن تدخّل الروس جاء لحسم الموقف الميداني لمصلحته، والحجة المعلنة من الجانبين هي الحفاظ على الدولة ومؤسسات الجيش والأمن. لكن هذه كانت الكذبة التي استند إليها الروس والأسد والإيرانيون، وقد غذّتها أميركا ولمّعتها لتعترف في نهاية المطاف، وبسذاجة مصطنعة، بأن الخيار ضاق جداً: فإمّا الأسد وإمّا «أبو بكر البغدادي». لم تسأل مَن صنع «البغدادي» لأنها تعرف، ولا مصلحة لها في كشف الحقيقة. كانت تقول وتكرّر أن الاسد هو الإرهابي الأول، ثم تبنّت النتيجة التي قالها الأسد وكرّرها: هذا شعب من الإرهابيين. وهكذا سلّمت أميركا أيضاً بضرب المعارضة، معتدلة أو غير معتدلة، مدنية أو مقاتلة، على أيدي الروس أو سواهم. غضّت النظر عن وجود إيرانيين وعراقيين ولبنانيين وأفغان وباكستانيين، ولم تستسغ وجود مقاتلين سوريين على أرضهم في «جيش الإسلام» أو «أحرار الشام». اتّضح الآن أن أوباما وإدارته وجنرالاته لم ينزعجوا من جرائم الأسد وشبّيحته، ولا من مجازره وبراميله واستخدامه السلاح الكيماوي، ولا من اقتلاع السكان وإفراغ المدن والبلدات، ولا من تدخلات إيران وميليشياتها… بل كان شعب سورية مصدر الإزعاج الوحيد لهم.

عملياً، كانت واشنطن حسمت أمرها بتسليم سورية الى نظامَي روسيا وإيران، المشابهَين لنظام الأسد، وتوقّعت من حلفائها، لا سيما السعودية وتركيا، أن يستسلموا لهذا الواقع، وأن يتفرّجوا على الأسد والإيرانيين وهم يحاربون «داعش» بعدما صنعوه واستخدموه الى أن انتهت صلاحيته، بل توقّعت أن يقبل حلفاؤها بإخراجهم من المعادلة السورية. لم تلتفت أميركا الى التداعيات السيئة لخيارها، لم تعِ أنها تساعد إيران على تصدير الاضطراب الى عموم المنطقة. فسلوكها في ما سمّته حرباً على الإرهاب، أو على «داعش»، يُظهر أنها كانت تقيّد حلفاءها الإقليميين وتضلّلهم، الى أن ينجح الروس في إيصال قوات النظام والميليشيات الإيرانية لمؤازرة أكراد «وحدات الحماية» ومقاتلي «قوات سورية الديموقراطية» في دخول الرقّة. وعلى رغم استعداد السعودية والإمارات وتركيا لإرسال قوات برّية لمقاتلة «داعش»، واصلت واشنطن التلكؤ في دعم هذه المبادرة، فهي لا تمانع في سورية ما تستبعده في العراق، حيث رفضت دخول ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية الى مناطق السنّة.

يخفي صمت واشنطن فيما التوتر الإقليمي يتصاعد على نحو خطير، أن التواطؤ مع روسيا وإيران بلغ حدّاً من التهوّر يتخطّى تجاهل مصالح السعودية وتركيا الى التآمر الفجّ على هذين الحليفين ودورَيهما. أكثر من ذلك، هناك مبالغة فادحة في السعي الى إلغاء الشعب السوري، خصوصاً بعد انكشاف أن القوة البرّية (الأكراد والملتحقين بهم) التي سلّحتها واشنطن وعوّلت عليها ضد «داعش» إنما هي نقطة التقاء الأميركيين والروس والأسد والإيرانيين. فاللافت في أحداث الأيام الأخيرة، أن هذه القوّة تركت الجبهة مع «داعش» لتدعم الهجوم الروسي – الأسدي – الإيراني على فصائل المعارضة.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

أوباما يمهد لسقوط حلب/ حسان حيدر

عندما أسقط سلاح الجو التركي في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي قاذفة روسية خرقت الأجواء التركية آتية من سورية، لم يأت رد الفعل والتحذير من العواقب والتهديد بتدفيع تركيا الثمن من موسكو فقط، بل كانت واشنطن هي من «وبخ» أنقرة على الحادث وذكّرها بأن القرار بحصول أي مواجهة مع الروس في الموضوع السوري، وتوقيتها، تتخذه أميركا وحدها، بغض النظر عن «متطلبات الأمن القومي» التي تذرع بها الأتراك.

ومع أن الأميركيين انبروا علناً للدفاع عن الموقف التركي، ودفعوا «حلف شمال الأطلسي» إلى إعلان حمايته الأجواء التركية من أي رد روسي محتمل، إلا أن واشنطن أدركت أن أنقرة حاولت عبر إسقاط القاذفة التمرد على التفاهم المبرم بين الولايات المتحدة وروسيا حول إعادة رسم مناطق النفوذ في سورية، أو ما تمكن تسميته «المحميات الدولية» على الأراضي السورية، وإعلان عدم التزامها به.

هذا التفاهم الذي يطبق حالياً، ينص على تقديم كل من موسكو وواشنطن ضمانات بـ «ضبط» حلفائها ومنعهم من خرق «الحدود» التي اتفق عليها إلى حين جلوس كل الأطراف إلى طاولة المفاوضات بعد انتهاء المعركة مع «داعش»، للتوصل إلى حل سياسي يعيد توحيد سورية أو يبقيها مقسمة.

ويبدو أن مناطق شمال غربي سورية، بما فيها حلب، تقع ضمن حدود «المحمية الروسية» التي ترسم الآن وتتطابق تماماً مع «الدويلة العلوية»، مع بعض الإضافات التي تهدف أساساً إلى تأكيد «تحييد» تركيا ومنعها من تهديد «الكيان» المزمع، عبر إقامة «منطقة عازلة كردية» بضمانات أميركية – روسية مشتركة.

في المقابل حصل الروس من بشار الأسد على اتفاق وزعوا نصه يؤكد أن القرار العسكري، وتالياً السياسي، للدويلة المفترضة، صار بيدهم وليس بيد دمشق أو الإيرانيين، في ما اعتبر ضمانة روسية قدمت إلى الأميركيين بعدم السماح لهذين الطرفين بخرق التفاهم.

وجاء تصريح باراك أوباما الأخير عن أن التقدم الذي يحققه الروس في منطقة حلب لا يغير الكثير طالما أن «ثلاثة أرباع سورية لا تزال خارج سيطرة» دمشق وموسكو، ليمهد الطريق أمام القبول بسقوط حلب ووصل منطقتي الانتشار الكردي في الشمال السوري، على رغم المعارضة التركية. وترافق ذلك مع إعلان «البنتاغون» اقتناعه بصعوبة تطبيق فوري لاتفاق ميونيخ لوقف إطلاق النار الذي يفترض أن يسري اليوم أو غداً.

لكن، ما الذي تحققه أميركا من الاتفاق مع الروس، ولماذا تسمح لموسكو باستعادة دور في المنطقة كان تقلص إلى حد التلاشي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟

تواصل الولايات المتحدة تأكيد أن القضاء على «داعش» أولوية تتعلق بأمنها القومي، وتكثر تقاريرها الاستخباراتية عن التهديد الذي يمثله التنظيم الإرهابي واحتمالات شنه اعتداءات داخل الأراضي الأميركية خلال هذا العام. لهذا، كانت في حاجة إلى طرف يستطيع مساعدتها في تحقيق وقف إطلاق نار بين المعارضة والنظام في سورية، في ظل عدم قدرة أي منهما على حسم المعركة لمصلحته، وحشد كل القوى لقتال «داعش».

وجدت واشنطن في موسكو ضالتها، ووجدت هذه مصلحة مباشرة في لعب الدور المنشود. لكن، من الواضح أن الأميركيين سجلوا نقطة استراتيجية لمصلحتهم عندما دفعوا روسيا إلى التورط مباشرة في الحرب السورية، وفي الوقت نفسه ربطوا قدرتها على مواصلة دورها بقرارهم.

وبمعنى أوضح، فإن الأميركيين يستطيعون في حال استنتجوا بأن موسكو لم تعد تلتزم التفاهم، أن يقرروا متى وكيف يجبرونها على التفكير في التراجع أو الانسحاب، بمجرد سماحهم بتسريب ولو عدد محدود جداً من الصواريخ المضادة للطائرات إلى المعارضين السوريين.

ويضاف إلى ذلك أن الكلفة المالية الباهظة للانتشار الروسي التي تحدث عنها أوباما، وإصرار الأميركيين على إبقاء أوروبا العقوبات الاقتصادية مفروضة على موسكو في الملف الأوكراني، يتيحان للأميركيين ورقة ضغط قوية على بوتين، على رغم تأكيدات الأخير أن تورطه في سورية «مجاني» تقريباً.

الحياة

 

 

 

أوباما السوريّ «يمينيّ» أم «يساريّ»؟/ حازم صاغية

ينتقد بعض الأوساط سياسة باراك أوباما في سوريّة، أو بالأحرى لا سياسته، بصفتها تعبيراً عن نزوع إمبرياليّ. وفي حدود ثنائيّة اليمين واليسار، وإن ضاقت شبكة المعارف التي تفيدنا بها هذه الثنائيّة، لا سيّما في الولايات المتّحدة التي لم تؤخذ بهذا التقليد «الأوروبيّ» أصلاً، فإنّ الإمبرياليّ «يمينيّ» أساساً، وإن ظهر في التاريخ الغربيّ الحديث ساسة «يساريّون» صُنّفوا أيضاً إمبرياليّين. وفي الحالات كافّة، ولأسباب لا تتّسع لها هذه العجالة، يبقى من السهل دائماً تنسيب ما هو مرفوض أو مكروه إلى يمينيّة ما.

لكنْ يبقى من الصعب ربط النهج القائم على التخلّي والانكفاء بالإمبرياليّة وميلها الاقتحاميّ الراسخ. أمّا تقاسم مناطق النفوذ في العالم، بوصفه من السمات الملازمة دوماً للتوسّع الإمبرياليّ، فلا يستقيم مع ترك سوريّة، وربّما الشرق الأوسط برمّته، في عهدة بلدين كروسيّا وإيران.

في المقابل، ولا سيّما في الولايات المتّحدة وأوروبا الغربيّة، ثمّة نقّاد يأخذون على سياسة أوباما السوريّة أنّها «يساريّة». أمّا الذين منهم لا يستخدمون هذا المصطلح تحديداً فيستخدمون المواقف والأفكار التي اصطبغ بها تاريخيّاً اليسار الغربيّ، والأميركيّ خصوصاً، لا سيّما عدم التدخّل الخارجيّ.

فالرئيس الأميركيّ، تبعاً لهذا النقد، إنّما صدر عن البيئة الثقافيّة العريضة هذه، كما أتى بمساعديه ومستشاريه منها. وأكثر ما يلحم أطراف هذه البيئة الافتراض أنّه كلّما اتّجهت الولايات المتّحدة إلى الخارج، اتّجهت وهي تحمل الشرّ الذي يصيب أهل هذا الخارج قبل أن يرتدّ خسائر على الداخل الأميركيّ نفسه. أمّا «المحافظون الجدد» في ظلّ ولايتي جورج دبليو بوش فقدّموا العدوّ الذي يستقي أوباما حقائقه ممّا هو نقائض أفعالهم.

وإذا كان هذا التقليد قويّاً في الولايات المتّحدة، لا تقتصر ريادته على نعّوم تشومسكي وإدوارد سعيد، فإنّ حرب العراق إنّما رفدته بالتصليب والبلورة. وهنا يُلاحَظ الفارق الكبير بين «الاتّعاظ» «اليساريّ» لباراك أوباما بحرب العراق، بصفتها الدليل الذي لا يُدحض على ضرورة الانكفاء عن المنطقة، و «الاتّعاظ» «اليمينيّ» لرونالد ريغان بحرب فييتنام، حيث راهن على تبديد «عقدة فييتنام» الأميركيّة عبر اندفاعة أكثر هجوميّة تستأصل، في ما تستأصل، هذا الميل إلى اللطم والاعتذار. فأميركا، والحال هذه، لم تفعل إلاّ الخير ولن تكون مؤهّلة لغير صنع الخير.

وكائناً ما كان الأمر، يُخشى أن نكون اليوم أمام احتمالين هما أقرب إلى مصيبتين:

– أن تكون الولايات المتّحدة، بـ «يمينها» و «يسارها»، في صدد الإجماع على موقف انعزاليّ، أقلّه في ما خصّ منطقة الشرق الأوسط التي تجعلها التحوّلات النفطيّة، انهياراً للأسعار وتطويراً للبدائل، منطقة «غير مفيدة».

– وأن تُترك المنطقة المذكورة لروسيا وإيران اللتين لا تملكان الرغبة في لمّها ونقلها إلى الاستقرار، كما تفتقران إلى القدرة على ذلك حتّى لو رغبتا فيه. والحال أنّ القدرات المتواضعة للبلدين، وطبيعة السلطة فيهما، وتركيبها وأفكارها، لا تسمح إلاّ توقّع المزيد من الحروب الأهليّة والتفتّت.

وفي هذه الغضون، تتوالى الكارثة السوريّة فصولاً، وتمضي استباحة حلب قدماً، وهي صاحبة الاسم الحصريّ للفصل الراهن.

الحياة

 

 

 

يوم سعيد للأسد/ محمد أبو رمان

“لو كنت مكان الأسد لكان هذا اليوم سعيداً لي، لأنّ الحكومة الأميركية صرّحت أنّها لن تقاتل لإسقاطي”، تلك هي النتيجة التي وصل إليها السيناتور الأميركي، ليندي غراهام، في استجوابه، قبل أشهر قليلة، في لجنة الشؤون العسكرية في الكونغرس، كلاًّ من وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، وأكبر رتبة عسكرية في الجيش الأميركي، الجنرال جوزيف دانفورد.

حاصر غراهام المسؤولين الأميركيين بأسئلة محددة دقيقة عن الاستراتيجية الأميركية في سورية، وحشرهما في الزاوية، لم يعطهما فرصة المناورة، ليصل بعد ذلك إلى خلاصةٍ مهمةٍ جداً، من الضروري أن نقرأها جيّداً وهي “الأسد آمن ومطمئن طوال اليوم! هذا ما يحصل يا سادة، هذه الاستراتيجية فاشلة تماماً، روسيا وإيران وحزب الله سيقاتلون دفاعاً عن رجلهم، ولن نقوم بفعل أي شيء لمساعدة أهل سورية الذين يريدون تغييرها إلى الأفضل عن طريق التخلص من الديكتاتور في دمشق”.

ثم يسأل السيناتور وزير الدفاع بوضوح: هل تتوقع بطريقة ما يا سيادة وزير الدفاع (آشتون) كارتر أن نقاتل لدعم مجهود يهدف إلى إسقاط الأسد؟ أي أننا سنقاتل إلى جانب الناس الذين يريدون إسقاط الأسد في سورية؟ هل يمكن أن يحدث ذلك على المدى البعيد؟ وعندما يحاول الوزير التهرّب من الجواب، ينتهي إلى نفي أي احتمال لتقديم دعم عسكري لإسقاط الأسد، ينهي غراهام المقابلة بالقول: ما قمتم به أيها السادة، بمشاركة الرئيس (أوباما)، أنكم سلمتم سورية لروسيا وإيران، وقلتم للناس الذين ماتوا بمئات الألوف، إننا نهتم بحل سياسي أكثر مما يمكن أن يحصل بعد ذلك.

ذلك الاستجواب، قبل أشهر، كان على درجةٍ كبيرة من الأهمية، لأنّه يفضح الاستراتيجية الأميركية بوضوح، ويخرج من سياقات الكلام الدبلوماسي المعلّب الذي تتقنه الإدارة الأميركية مع العرب. لكنّنا قد نكون تجاوزنا، بدرجةٍ كبيرةٍ، تلك التوضيحات اليوم، عبر ما تمّ تسريبه من لقاء جمع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بناشطين سوريين، أخيراً على هامش مؤتمر لندن لمساعدة اللاجئين، ملخّص ما قاله إنّ المعارضة السورية ستتعرض للإبادة خلال ثلاثة أشهر، ستكون أشبه بالجحيم، نظراً لما يخطط له الروس في القصف الجوي ضد المعارضة السورية.

ما تراه بعينيك ليس كما تسمعه بأذنيك، فالقصف الهمجي العنيف (أو استراتيجية الجحيم) بدأ بالفعل، وهنالك تقارير وكلام يأتي من المعارضة السورية في شمال حلب، يصف ما يحدث اليوم بأنّه غير مسبوق أبداً في حجمه ونوعه ودمويته، ما دفع عشرات الآلاف من السوريين إلى النزوح إلى الحدود التركية، وأحدثَ ضغوطاً شديدة على الحاضنة الشعبية في حلب على المعارضة لإيجاد مخرج من الأوضاع الكارثية الراهنة.

النظام والروس والإيرانيون يستخدمون استراتيجياتٍ تضع الجميع أمام خيارين؛ الإبادة الكاملة عبر القصف الذي لا يميز مدنياً أو عسكرياً، طفلاً أو رجلاً كبيراً، والتجويع حتى التركيع، كما حدث، ولا يزال، في ريف دمشق، أو التهجير القسري بالتدمير الكامل للمناطق المستهدفة.

بالعودة إلى تصريحات كيري والموقف الأميركي، صدر تصريح عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، يحاول فيه التلاعب بدلالة ما قيل، فلم ينف ما قاله الوزير الأميركي، بل اعتبره كلاماً خاصّاً في جلسة غير رسمية، وأعاد تأكيد المواقف الدبلوماسية المدبّجة بعبارات فضفاضة هلامية، أقرب إلى الخداع والتضليل منها إلى الموقف الحقيقي الذي من الواضح أنّه انقلب رأساً على عقب، ويكفي العودة إلى الاستجواب المذكور في بداية المقال للتأكد من النتيجة المهمة التي وصل إليها السيناتور الجمهوري.

“قصة التدخل البري العسكري معقّدة جداً، حتى سياسياً، فالروس والإيرانيون لن يسمحوا بأيّ حال بوجود قوات تركية – عربية على الأراضي السورية، فذلك بمثابة اختطاف ما يعتبرونه نصراً عسكرياً”

إذاً في ضوء ذلك، يصبح الحديث عن التدخل السعودي- التركي- العربي العسكري البري المطروح اليوم أشبه بالأحجية أو اللغز الحقيقي. ووفقاً لحوار بيني وبين مصدر دبلوماسي عربي رفيع المستوى، فإنّ كل يوم يمرّ تتغيّر فيه الوقائع على الأرض في سورية، ويصبح موضوع التدخل أشبه بالصعب جداً بل المستحيل، وإذا افترضنا أنّ السعوديين يفكرون بأسابيع قليلة، فسيكون الأمر، وفق المعطيات الراهنة، إنْ لم يحدث تغيير نوعي وجذري، غير ممكن، بعد أن تكون قوات الأسد قد عادت إلى إحكام قبضتها على الحدود التركية.

قصة التدخل البري العسكري معقّدة جداً، حتى سياسياً، فالروس والإيرانيون لن يسمحوا بأيّ حال بوجود قوات تركية – عربية على الأراضي السورية، فذلك بمثابة اختطاف ما يعتبرونه نصراً عسكرياً. أمّا موقف الأميركيين فهو أقرب، من وجهة نظري، إلى التحايل والتضليل الدبلوماسي.

هل فعلاً لا تمانع إدارة الرئيس أوباما بتسليم سورية إلى الإيرانيين والروس، كما خلص السيناتور غراهام؟ سيعارض كثيرون هذه النتيجة، ويرون أنّ المنطقة لا تزال تتوفر على أهمية استراتيجية كبيرة لدى الأميركيين، فليس من السهولة القول إنّ الإدارة الأميركية تتخلّى عنها للطرف الآخر. ربما، لكن أليست العراق استراتيجياً واقتصادياً على القدر نفسه من الأهمية للولايات المتحدة الأميركية؟ ألم تسلمها واشنطن عملياً لطهران، فلماذا نستصعب الأمر في سورية، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار أنّ كيري، في تصريحاته، كان يلوم المعارضة، وأنّه، عشية مؤتمر جنيف، أخيراً، هدّدها في حال رفضت الذهاب إلى هناك، وأخبرها أنّه لا توجد ضمانات لرحيل الأسد.

قد تكون المسألة السورية أكثر تعقيداً من خلاصةٍ سريعة مختزلة، بأنّ واشنطن لا تمانع في تسليم دمشق لطهران وموسكو، مع الاتفاق على صيغة أو معادلة معينة من المصالح المشتركة. فهنالك جوانب متعددة لقراءة المشهد. لكن، علينا ألا نحذف جملاً ومفاهيم رئيسة من عملية “العصف الفكري” الحالي في التحليل؛

أولاً؛ الصفقة النووية الإيرانية – الغربية، وهرولة دول عديدة في الغرب إلى حصد مصالحها الاقتصادية مع طهران.

ثانياً؛ التحول في تعريف الأميركيين والغربيين لمصادر التهديد، ليصبح داعش والقاعدة هي المصدر الرئيس، بينما لا تشعر دول غربية وأوروبية عديدة بحاجتها إلى تغيير الأسد، طالما أنّ البديل سيكون نظاماً إسلامياً، معتدلاً كان أو متطرفاً.

ثالثاً؛ منطق القوة والمصالح، فإيران هي القوة الإقليمية الصاعدة التي تمتلك نفوذاً متنامياً، والروس يريدون جزءاً من النفوذ، بينما دول الخليج والعالم العربي السنّي يعاني من أزمات بنيوية داخلية كبيرة، والعقيدة الوهابية، وفق رأي الأميركيين، هي نتاج العالم السني، وبصورة خاصة المملكة العربية السعودية.

رابعاً؛ ما قيمة أو أهمية سورية الاستراتيجية، في حال فشل الحل السياسي، فستكون أرضاً خصبة للنزاعات المسلحة ولأمراء الحرب، وحرب دولية وإقليمية بالوكالة، فلماذا يتورّط أوباما عسكرياً في هذا المستنقع. وفي حال نجح الروس في تحقيق اختلال كبير في التوازن العسكري، فإنّ ما تم تدميره من البلاد يتطلب عقوداً من الإعمار والبناء وإعادة الاستقرار، ولن تكون عملية بسيطة أو سهلة.

بالنتيجة؛ ثمّة تحولات عميقة كبيرة نوعية في الإدراك الغربي الأميركي للمنطقة، وللأزمة السورية، وهنالك بطء شديد واستجابة هشّة، وتمسّك بأفكار بالية من كل من السعودية وتركيا، ومعهم باقي الدول العربية، بينما الوقت يمرّ سريعاً لصالح الحلف الآخر الذي يدخل، بكل قوة، لتحقيق أهدافه العسكرية والاستراتيجية، وإذا لم تنطلق الرؤية العربية – التركية المفترضة من قناعة عميقة برفض الكلام الدبلوماسي الأميركي المنمّق، والتفكير بصورة مستقلة لحماية المصالح المشتركة، فإنّ النتائج على المديين، المتوسط والبعيد، ستكون كارثية على أكثر من مستوى وصعيد.

العربي الجديد

 

 

 

أجواء الحرب نتيجة للتخاذل الأميركي/ عبد الوهاب بدرخان

التطوّرات في سوريا تطرح للمرّة الألف التساؤل عن أهداف الولايات المتحدة والشروط التي وضعتها لـ«التحالف الدولي» لمحاربة الإرهاب، وبالأخص عن الاستراتيجية التي رسمتها لتلك الحرب. فروسيا وحليفاها النظام السوري وإيران قلبوا المعادلة ويوشكون أن يحققوا أهدافهم كاملة، فيما تبدو واشنطن غير مستاءة بل متكيّفة مع تقدمهم، على رغم أن سير الأحداث يعاكس كل الخطط التي أعلنتها سابقاً، ويناقض المعايير التي ألزمت بها حلفاءها العرب والغربيين، وأهمها عدم التدخل ضد نظام بشار الأسد وعدم التنسيق معه والفصل بين محاربة «داعش» والصراع الداخلي في سوريا، على أن يكون هناك حل سياسي مواكب لضرب الإرهاب. وكان العديد من الحلفاء نبّهوا منذ اليوم الأول إلى استحالة التخلص من الإرهاب بوجود نظام الأسد، مستندين تحديداً إلى إعلان واشنطن مراراً أن هذا النظام هو مَن «اجتذب داعش» إلى سوريا.

وسواء اعترفت أميركا أم لم تعترف بأن التدخل الروسي نسف الأسس التي بنت عليها استراتيجيتها، فإن النتائج على الأرض ترجّح أحد احتمالين: إمّا أنها تعرّضت لخديعة روسية، أو أن اندفاعها للحصول على الاتفاق النووي جعلها تقدّم تنازلات لإيران وروسيا في سياق المفاوضات. أما «التنازلات» فلا أدلة ملموسة لإثباتها ولكن الإشارة اليها تكرّرت كثيراً في الصحافة الأميركية، كما أن مواقف إدارة أوباما وغموضها وتناقضاتها تدفع إلى الاشتباه بوجود خيارات أو التزامات غير معلنة. وأما «الخديعة» فأصبحت الآن حديثاً شائعاً، ولكن يصعب تصديق أن الخدعة نفسها يمكن أن تتكرر وأن روسيا تتوصّل دائماً إلى مبتغاها فيما ترضى أميركا- أوباما بأن تكون الطرف المخدوع وتُنعَت بالضعف والتخاذل. في كل الأحوال كان لافتاً أن واشنطن أصبحت أخيراً أكثر استهانةً بحقوق الشعب السوري وتضحياته، وبحلفائها الإقليميين الذين لهم، أكثر مما لإيران، مصالح في سوريا والتزامات سياسية وإنسانية تجاه شعبها.

لكن أخطر ما بلغته لعبة الألغاز الأميركية- الروسية أنها تكاد تدفع التوتر على الحدود السورية- التركية إلى شفير الحرب، بل تكاد تدفع حلفاء أميركا إلى خيار الحرب دفاعاً عن مصالحهم. ففيما كانت دول «التحالف» وحلف الأطلسي تناقش في بروكسل استعداداتها للحملة على معقل تنظيم «داعش» في الرقّة، كان الروس وحلفاؤهم يتعجّلون اجتياح مناطق المعارضة لفتح طريق إلى مشارف الرقّة واستباق حملة «التحالف»، بل كانوا يتحركون بتنسيق ميداني مع أكراد «حزب الاتحاد الديمقراطي». وسواء كانت مفارقة أو خديعة أيضاً، فإن هؤلاء الأكراد تلقوا تسليحاً من الأميركيين الذين يعوّلون عليهم لمقاتلة «داعش» برّاً، ولكنهم يعملون في الوقت نفسه ضد المعارضة وفقاً لخطط الروس وحلفائهم. ولم تتبرّع واشنطن بأي تفسير لهذا الالتباس، ولا سعت إلى طمأنة حليفها التركي على رغم أنه أفصح عن قلقه وغضبه وبالتالي عن استعداده للتحرك ضد الأكراد وإقليمهم الانفصالي الذي يهدد عملياً وحدة سوريا ولاحقاً وحدة تركيا.

ووسط هذه التطورات المتسارعة وجدت الدول الداعمة للمعارضة نفسها، خصوصاً السعودية وتركيا، أن أميركا استدرجتهم إلى وضع ينذر بهزيمة شاملة للمعارضة بحيث تصبح أي مفاوضات جلسة استماع إلى املاءات الروس وحلفائهم كطرف منتصر. وفي المقابل، تحوّل عرض السعودية والإمارات المشاركة بقوات برية لتفعيل الحرب على «داعش»، إلى ذريعة لروسيا وإيران ونظام الأسد كي تنذر بنشوب «حرب عالمية»، كما وصفها رئيس الوزراء الروسي الذي حذّر أيضاً من «حرب باردة جديدة» بالنظر إلى تصاعد المواجهات في سوريا كما في شرق أوكرانيا. ولاشك أن موسكو ترغب في هذا التصعيد وتريد استخدامه لمساومة الغرب على ما تتطلّع إليه من مكاسب، ولكن فلاديمير بوتين استنتج أكثر من مرّة أن أميركا وحلفاءها الغربيين ليسوا مستعدّين لأي تنازلات في أوكرانيا وبالتالي فإنه لن يستطيع الذهاب أبعد في التصعيد لأن الحرب في أوروبا «ممنوعة»، ولذا قرر التدخل في سوريا علّه يستطيع طرح مساومة جديدة بالسعي إلى إحراج «الناتو» من خلال الضغط على تركيا.

ما كان لهذه المواجهة، أو لمناخها على الأقل، أن تخيّم على الشرق الأوسط لو أن الولايات المتحدة كانت صارمة في توضيح أهدافها أو في احترام «الخطوط الحمر» التي تبادر إلى رسمها ثم إلى التراجع عنها. وحتى لو صحّ أنها ماضية في توريط روسيا فإنها تترك حلفاءها في مجازفات ليسوا مضطرّين لها.

الاتحاد

 

 

تواطؤ أميركي – روسي في سوريا/ موناليزا فريحة

دخل رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف الساحة الاعلامية بقوة دعماً لسياسة رئيسه في سوريا. الوجه “الليبرالي” في دائرة فلاديمير بوتين لا يصعد منذ أسبوع إلى منصة الا ويبرر التدخل الروسي في سوريا، “مطمئناً” الى أن الحرب ستستمر حتى لو حصل اتفاق على وقف النار، ويذهب الى التحذير من حرب عالمية ثالثة إذا تدخلت السعودية وتركيا برا في سوريا.

هذا الكلام صار أخيراً بمثابة لازمة روسية – ايرانية – سورية تطلق من دمشق وطهران وموسكو في الوقت نفسه وبالوتيرة ذاتها، الا أن ما تميز به رئيس الوزراء الروسي هو تشبيهه الحماية القاتلة التي توفرها بلاده للرئيس السوري، بدعم واشنطن ديكتاتوريين كثراً عبر السنين. واستذكر في هذا السياق القول الشهير الذي ينسب الى الرئيس الاميركي الراحل فرانكلين روزفلت عن ديكتاتور نيكاراغوا أناستازيو سوموزا عام 1939: “هو ابن عاهرة، لكنه ابن عاهرتنا”.

كثيراً ما استُحضرت هذه النظرية لتوصيف الدعم الذي قدمته واشنطن لديكتاتوريات حول العالم، بما فيه الشرق الأوسط. وإذا كان ممكناً اسقاط هذه النظرية على الحماية التي توفرها موسكو لنظام الاسد، فهذه الحماية باتت تحظى أخيراً بغطاء أميركي واضح.

الاستسلام الأميركي المريب في سوريا يطلق يد موسكو سياسياً وعسكرياً في هذا البلد ويزيد التوترات مع تركيا والسعودية ويقوض أي آمال في اتفاق سلام قابل للتنفيذ. وزير الخارجية جون كيري نسف مؤتمر جنيف قبل انعقاده باذعانه للطلب الروسي اسقاط شرط رحيل الاسد واسكاته الانتقادات لروسيا بقصفها الفصائل السورية كلها، بدل التركيز على “داعش”.

ليس المطلوب مواجهة غير محتملة اصلاً، بين موسكو وواشنطن لتحقيق سلام في سوريا. الا أن التواطؤ بينهما في هذا الشكل لن يؤدي الا الى زيادة الأمور تعقيداً. الاقتراح الروسي وقف النار في الأول من آذار يحفظ ماء وجه الديبلوماسية الأميركية الساعية منذ أشهر الى اتفاق كهذا يمهد لعملية انتقالية يركز بعدها المتحاورون على القضاء على “داعش”. لكنّ هذا الموعد صار عملياً فرصة جديدة لموسكو لانتزاع مزيد من المكاسب على الأرض، الأمر الذي سيقضي على أي أمل في اعادة اطلاق المحادثات السياسية في 25 شباط.

لقد حققت الجبهة الشمالية لبوتين حتى الآن هدفاً جديداً كثيراً ما حلم به. وبزيادته تدفق اللاجئين الى تركيا، وجد سلاحاً جديداً يرعب به أوروبا ويقسم معه الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الاطلسي. وبحلول الاول من آذار، يمكن أن يكون أنجز هدفا آخر له بتأمين الحدود مع تركيا. وللأمانة ينبغي القول إن كيري طالب موسكو أكثر من مرة بوقف القصف!

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...