حسّان القالشصفحات سوريةعلي العبداللهعمر قدور

الموقف الايراني وحزب الله -مقالات لكتاب سوريين-

في الترويج لعصر الجموع/ عمر قدور

في خطاب حسن نصر الله الأخير، المكرّس للموضوع اليمني، يتعفف عن توصيف الصراع كصراع طائفي، لكنه سرعان ما يقيم هوة حضارية تفصل بين اليمن وجيرانه ليقول أنه صراع حضاري. قبل حسن نصر الله، كان بشار الأسد قد هجا الدول العربية وقادتها واصفاً إياهم بأنهم «عربان»، ولم تغب الصفة الأخيرة على سبيل الشتيمة عن إعلام الممانعة، وحتى عن أولئك الذين يخجلون من إظهار موالاتهم علناً، ولم يغب معها هجاء مَنْ ثاروا على الأسد بوصفهم «عرباناً» طالما أنهم تلقوا الدعم من أشقائهم العربان.

ولا تتوقف الطرفة عند تنزيه أصحاب القول السابق أنفسهم عن الطائفية، بل تتعداها إلى الإفصاح بعدها مباشرة عن عنصرية صارخة، ومن ثم فإن مَن هم في موقع حضاري أدنى يتوجب عليهم الانصياع لهيمنة أصحاب الباع الحضاري الأقدم!

نحن أمام خطاب يتعمد إخفاء الكارثة بمأساة أكبر منها، وهي سمة قابلة للتعميم على مجمل «السياسات» المتبعة في المنطقة منذ عقود، وقد يكون من الدقة استخدام تعبير آخر سوى «السياسات» حتى إذا كنا نقصد منظومة من السلوك الممنهج، طالما أن هذه المنظومة عملت أصلاً «وطوال الوقت» على منع السياسة. فمنع السياسة في المنطقة وإن تولته، على نحو أكثر وحشية، منظومة أمنية شديدة التغوّل فقد تولت مجموعة من الأدلوجات المتساندة أمر تبريره وتمريره. بيت القصيد أن أي صراع جوهري هو بطبيعته ممتنع عن السياسة، ولم يأتِ من فراغ سابقاً توصيفُ الصراع مع إسرائيل بأنه صراع حضاري، حتى إذا ذهبت ريادة استخدامه إلى البروباغندا الإسرائيلية العاملة في الغرب، وتلقفه عرب ليكرروه معكوساً بعد ذلك. وأن تُرفع الصراعات الداخلية إلى المستوى «الحضاري» فتلك دلالة على تأبيده كصراع وجود، طالما أن الهوة الحضارية بين الطرفين باقية ما بقي التاريخ وما بقي الطرفان.

من جهة أخرى، ومهما بدا الربط مُستنكراً من قبل البعض، لا يمكن إغفال أن المداومة على تحويل النزاعات إلى صراعات «حضارية» أو طائفية تعبّر عن قلق وجودي عميق، وليس بدعة القول أن هذا القلق لا يجد سلواه إلا في التسلط على الآخر والسيطرة عليه. بهذا المعنى، لم يكن متوقعاً أن تكون الأجهزة الأمنية إلا ما كانت عليه فعلاً، ووحشيتها حتى في أزمنة «السلم الأهلي» هي أصدق تعبير عن أكذوبتي السلم والأمن. أيضاً، ليس متوقعاً أن تعوّض رسائل التطمين أو مقولات الديموقراطية واقعة الإمساك بالسلطة ذاتها، لأن البدء ببناء الثقة يُبنى طوعاً بالقبول بمبدأ التكافؤ، أو عندما تُملي موازين القوى القبول به.

ربما، قبل الخوض في مفاهيم مجردة عن الديموقراطية، من الملحّ التفصيل في قضية الأمن وفي دور الأجهزة الأمنية بما فيها الجيش، فواحدة من أهم المشكلات تتجلى في انعدام أدنى توازن بين الحياة السياسية والأجهزة الأمنية، وفي عدم الفصل بينهما، أي في عدم اعتبار الأمن مفهوماً مجرداً عن السلطة وتقلباتها. لعل «تأميم» مفهوم الأمن والأجهزة الأمنية من أكثر المهام إلحاحاً لئلا يكونا أداة تسلط، ولتفقد أية مجموعة متسلطة مخالبها. بخلاف الدعوات التقليدية التي تنص على احتكار الدولة السلاح أو العنف، ثمة حاجة إلى تجريد الدولة من أكبر قدر منهما، بالتوازي مع عدم السماح بهما لأية مجموعة خارج الدولة.

في سورية، شهد العقد الأول بعد الاستقلال تناوباً في أطوار السيطرة بين العسكر والسياسيين، ما أدى إلى هروب الأخيرين إلى الوحدة مع عبدالناصر، وعندما نكصوا عنها كان العسكر لهم بالمرصاد لينقلبوا على الحياة السياسية مرة قاصمة. هذا يدلل على صعوبة التعايش بين أية ديموقراطية ناشئة وجيش «صاعد»، ومن حسن الظن فقط الركون إلى النوايا الطيبة لجنرالات جيش وأجهزة أمن قويين، ولا شك في ازدياد المهمة صعوبة عندما يعتمد هؤلاء على ولاءات وعصبيات أهلية، أو عندما يعمدون إلى تعزيزها خدمة لتطلعاتهم السلطوية، إن لم يكونوا تعبيراً عن تطلعات مجموعة ما.

بوجود شبكة أمنية قوية وتحاجز اجتماعي يتعزز بها سيتعذر باطراد وجود أفق لممارسة السياسة، ويتعذر البحث عن تسويات سياسية طالما اتخذ الصراع طبيعة صراع الوجود. هناك مجموعة على الأقل ستنظر إلى السلطة على أنها ضمانة وجودها، وستنظر إلى منظومة القمع المسلطة على الآخر كضمانة وحيدة لرضوخه، وسواء كانت هذه المجموعة طائفة أو لم تكن فهي ستتحول إلى ما يشبه الطائفة المغلقة وتسلك سلوكها، لكن في العديد من تجارب المنطقة ثمة جهوزية تسهل استثمار ما هو طائفي، وهناك من الأصولية المعممة ما يكفي لفتح جروح الماضي على ممكنات الحاضر. إذا شئنا التبسيط، سيكون سهلاً القول بنقل التحاجز من حيز اللامرئي إلى المرئي، أي إقامته على الأرض وكفى المتقاتلين شر الوحشية هذه، لكن إقامة حدود من هذا القبيل لا تكفي لإرضاء الأقوى ولا لطمأنة الأضعف.

لعلها من الحالات الأكثر عسراً في قضايا الدول، فنحن أمام «شعوب» دفعتها عقود الاستقلال في اتجاه كل ما يمكن أن يباعد في ما بينها وفي اتجاه معاكس لما تكون عليه الدولة، وفي الوقت نفسه لا توجد آفاق بديلة، ولا تُطرح عليها ومنها سوى البدائل الأسوأ. وفي أهم المفارقات سيبدو التفكر في وجود الدولة أقرب إلى المتناول من التفكر في طبيعة السلطة، أي ستتكشف الأفكار الغالبة عن إقرار بمطابقة طبيعة السلطة لطبيعة السكان أو جماعاتهم وشعوبهم، بينما الدولة هي الطارئة والغريبة عليهم. ذلك سيمنع التفكر في طبيعة الدولة الملائمة، حيث من المرجح أن تحتل الجماعة «بتخيلها وحدة متجانسة» مكان الدولة، وحيث يطغى وهم التجانس على كل ما أُنجز عالمياً ومحلياً على صعيد حقوق الأفراد.

الفرد الذي لا يؤرقه، ولا يهدد شرطه الوجودي، الإحساس بعدم الأمن هو القادر على التعين ككائن سياسي، أليـــس غـــيابه هو أحد أسباب فشل التجربة الحزبية لمصلحة العصبيات الأهلية؟ الآن، قد يكون التساؤل ضرورياً عن سبب انتعاش المقولات المروّجة لكــل أنواع صراع الوجود، أي المقولات التي تدفع بالجميع إلى حظيرة الجموع. حقاً من المستفيد من الترويج لانتعاش عصر الجماهير؟

الحياة

 

 

 

 

مقاومة السّوريين لـ “حزب الله”/ حسان القالش

في الوقت الذي يبدو للبعض كم بات خطاب «حزب الله» منفصلاً عن الواقع، ومزدوج المعايير، يمكن البعض الآخر في المقابل، أن يراه منسجماً، بل شكلاً من أشكال تمثّل هذا الواقع. فأن يتعمّد «حزب الله» استخدام إسرائيل كمثال على العدوان وآلة الحرب الظالمة، من دون الخوض في معنى الاحتلال وتفاصيله، هو أمر مقصود في أغلب الظنّ.

وهذا قد يفسّر عدم اكتراثه لتفسير حالة الاحتلال الإيراني الحقيقيّة والموصوفة التي تعيشها مناطق كثيرة من سورية اليوم. ذاك أنّه يتقاطع مع إسرائيل في إنكاره فعل الاحتلال وصفته. فاحتلال سورية، والسيطرة على عاصمتها بكلّ ما تحمله من ثقل ورمزيّة، هو فعل انتصار للثورة الإيرانيّة في المقام الأوّل، وخطوة على طريق وهمها الإمبراطوريّ، كانت قد بدأت منذ ما قبل الثّورة السوريّة في 2011، وفي دمشق القديمة وما كان يجري فيها من تلاعب في نسيجها الاجتماعي والمعماري مثال مصغّر عن مقدّمات ذاك الاحتلال، فضلاً عن نشاط التبشير الشيعي الذي ازدهر بداية القرن الحالي. بيد أنّ ما يتجاهله «حزب الله» في هذه الحال، أو ما لا يدركه في شكل جيّد، هو انقلاب الأدوار بينه وبين إسرائيل، أو بمعنى أدقّ، الدرجة التي وصلها في التماهي مع صورة إسرائيل التي ساهم هو في نشرها وتعميمها كقوّة احتلال وتشويه لا بدّ من مقاومتها. فبتحوّل «حزب الله» من شريك لنظام الأسد في قتل السّوريين، إلى قوّة احتلال تدوس كلّ يوم رموزهم الوطنيّة ومقدّساتهم المعنويّة الدينيّة، يكون قد كرّس نفسه عدوّاً مباشراً للسوريّين، واستحقّ بذلك أن تنطبق عليه أحكامه وقيَمه المتعلّقة بالمقاومة ووجوب التحرّر، سواءً على المستوى الوطنيّ أم الدينيّ.

هكذا، لن يكون مفاجئاً أن تكون تلك الأحكام والقيم ذاتها محرّك السّوريين ومحرّضهم على مقاومة «حزب الله» وإيران كقوّة احتلال، وأغلب الظنّ أن صورة هذه المقاومة وحماستها لن تتعكّرا بوجود سوريّين يقاومون «حزب الله» انطلاقاً من هويّة أو انتماء دينيّ أو طائفيّ، فهذه الحال أيضاً كان «حزب الله» رائداً في ابتكارها وتعميمها. على أنّ ما يغيب عن خطاب «حزب الله» في نهاية الأمر، أنّ السّوريّين ليسوا في حاجة إلى زعيم كاريزميّ أو ماكينة إعلاميّة يشحذون ذاكرتهم كلّما خفت الحماسة للمقاومة والثورة، وأنّ نَصر ثورتهم، وإن طال، سيكون نصراً… من الشّعب وإليه.

* كاتب وصحافي سوري

الحياة

 

 

وهم إقامة الإمبراطورية في إيران/ كامل عباس

تفاءلنا نحن السوريين كثيراً بانفجار غضب الشعب السوري على حكامه الديكتاتوريين أخيراً، وظننا ان من المستحيل أن يحصل لمدنه ما حصل لمدينة حماة أوائل الثمانينات من تدمير ممنهج، لأن الزمن اختلف كثيراً. فانتفاضته تحصل في ظل نظام عالمي جديد يرفع فيه الجميع راية الديموقراطية وحقوق الإنسان، ووسائل اتصاله ومواقع تواصله الاجتماعية ستنقل لحظة بلحظة معاناة شعبه مع حكامه لو فكروا بفض انتفاضته بنفس الطريقة السابقة. لكن ما جرى ليس لمدينة حماة فقط بل لكل المدن السورية كان أشد وأمر، حيث استعملت كل الأسلحة القديمة والحديثة من الرصاص الحي الى القذائف المدفعية والصواريخ والطائرات والبراميل المتفجرة مروراً بالسلاح الكيماوي، ناهيك عن الحصار والتجويع والقتل تحت التعذيب لآلاف المواطنين. والمجزرة ما زالت مستمرة منذ ما يزيد عن الأربع سنوات.

والواقع ان ذلك ما كان له ان يحصل للشعب السوري لولا لهاث ايران وراء حلمها الأمبراطوري وخوضها المعركة ضد ثورته. والحلم الإمبراطوري هدف معلن، فقد اعلن عنه مباشرة ومن دون تورية، في حديث مستشار الرئيس حسن روحاني، خلال مؤتمر عقد الشهر الماضي في طهران عن «إيران والقومية والتاريخ والثقافة». قال المستشار علي يونسي، الذي كان رئيس الاستخبارات في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، موجهاً كلامه إلى الحضور: «كان لإيران منذ نشأتها بُعد عالمي. لقد ولدت إمبراطورية. وطالما شغل هذا البُعد العالمي فكر قادة إيران ومسؤوليها وأفراد إدارتها».

وحدد أراضي الإمبراطورية الإيرانية، التي أطلق عليها اسم «إيران العظمى»، موضحاً أنها تمتد من حدود الصين، وتضم شبه القارة الهندية، وشمال وجنوب بحر القوقاز، والخليج العربي، وذكر أن العراق هو عاصمة الإمبراطورية الإيرانية، في إشارة إلى مدينة بابل القديمة، العراق حالياً، الذي ظل مركز الحياة للفرس لقرون. وقال: «سندافع عن كل شعوب المنطقة لأننا نعتبرهم جزءاً من إيران. ويجب أن نحاول مرة أخرى نشر راية الوحدة الإسلامية الإيرانية، والسلام في المنطقة، وعلى إيران تحمّل هذه المسؤولية كما فعلت في الماضي». وأضاف أن هدف ما تفعله إيران هو ضمان أمن الناس فيها، مضيفاً أن المملكة العربية السعودية لا ينبغي أن تخشى أفعال إيران لأن السعوديين غير قادرين على الدفاع عن أهل المنطقة، وإن أي شيء يدخل إيران يصبح أفضل لأنه يصبح إيرانياً، خصوصاً الإسلام، مضيفاً أن الإسلام في شكله الإيراني هو الإسلام الخالص الصحيح، فقد خلصه من كل آثار القومية العربية.

وليست هذه آراء فرد، بل هي آراء تعتنقها النخبة الإيرانية، وهي ليست بالجديدة، فهي تعود إلى عقود مضت، وهي ضاربة بجذورها في المجتمع الإيراني والثقافة الفارسية.

مثّل خطاب يونسي الخطوط العريضة لإستراتيجية إيران وسلوكها في المنطقة القائم على تقويض دول الجوار العربي باستخدام التحريض الطائفي ضدها، وقد كان نصيب الثورة السورية، ثورة الحرية والكرامة التي انفجرت ضد الاستبداد والاستئثار والتمييز، نزول ايران بكل طاقتها السياسية والمالية والتسليحية وحشد مقاتلي الميليشيات الشيعية من لبنان والعراق الى باكستان مروراً بأفغانستان واليمن وإيران ذاتها، حيث أوفد جنرالات الحرس الثوري وعناصر فيلق القدس لمنع انتصار الثورة ووضع اليد على سورية وتحويلها الى محافظة ايرانية، كما أعلن رجل الدين الإيراني مهدي طائب المقرب من خامنئي ورئيس مركز «عمّار الإستراتيجي» لمكافحة ما يسمى الحرب الناعمة ضد الجمهورية الإسلامية. وقد عزّزت روسيا قدرة ايران على منع انتصار الثورة عبر تقديم الأسلحة والخبرات التقنية ناهيك عن استخدام حق النقض (الفتيو) اربع مرات في مجلس الأمن لمنع إدانة النظام ومعاقبته على الممارسات الوحشية ضد المدنيين العزل.

وما زاد في كارثية الوضع تزامن التحرك الإيراني في المشرق العربي بعامة وسورية بخاصة مع المفاوضات حول الملف النووي الذي جعل الولايات المتحدة تتعايش مع التغوّل الإيراني وتحدّ من حركة الدول الصديقة للثورة السورية ومن دعمها، كي لا ينعكس ذلك سلباً على هذه المفاوضات.

لم يخذل اوباما الشعب السوري فقط بل كثيراً من الأميركيين الذين انتخبوه ظناً منهم ان سلوكه لا يمكن ان يكون مشابهاً لسلوك سلفه بوش الابن، فإذا به يذهب بعيداً في التركيز على المصالح المادية على حساب المبادىء والقيم الإنسانية.

يبقى أن وهم إقامة إمبراطورية على اشلاء امم كثيرة وعلى الضد من منطق التقدم والحريات لن يفلح في قهر ارادة الشعب السوري الذي خرج من اجل حياة حرة كريمة بالتوافق مع حركة التاريخ في التحرر والتقدم.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

 

إيران من الدفاع إلى العدوان/ علي صالح العبد الله

شكل اتفاق الإطار حول الملف النووي الإيراني تعبيرا عن رضا قيادة الجمهورية الإسلامية عما حققته على طريق ضمان أمن نظامها واستمراره.

فإيران الإسلامية مهووسة منذ قيامها عام 1979، بهاجس تكرار الانقلاب على حكومة الدكتور محمد مصدق عام 1953، لذا تبنت إستراتيجية هجومية خلفيتها دفاعية على قاعدة “الهجوم خير وسيلة للدفاع” لتحصين النظام وتوفير الاستمرار ومنع محاولة انقلابية تعتقد أن واشنطن تخطط لها.

يمكن متابعة هذه الإستراتيجية وتجلياتها وتبدل أدواتها السياسية والعسكرية من بدايات الثورة إلى الآن. فقد كان إضعاف الجيش الإيراني من أجل ضرب النفوذ الأميركي أول إجراء داخلي سارعت إلى تنفيذه لأن هذا الجيش مثل أداة واشنطن في إسقاط حكومة الدكتور مصدق.

وتم البدء بإضعاف الجيش عبر إجراءات منها إعدام أربعمائة جنرال من الصفوف العليا الذين تلقوا تدريبهم في الولايات المتحدة الأميركية، وتشكيل حرس الثورة (البزدران) وتطوير قدراته البشرية والعسكرية ووضع الأسلحة النوعية التي سحبت من الجيش تحت تصرفه بالتوازي مع إضعاف الجيش النظامي وتقليص قدراته العددية والتسليحية، واحتلال السفارة الأميركية، “وكر الجواسيس” كما أطلق عليها آنذاك، واحتجاز موظفيها رهائن لمدة 444 يوما لمنع تحرك واشنطن ضد النظام الوليد.

وقد أكدت محاولة تحرير الرهائن بعملية الكوماندوس التي فشلت بسبب اصطدام الحوامات التي أقلت القوة فوق صحراء طبس قرب طهران هواجس قادة النظام الإسلامي الجديد وشكوكهم في الموقف الأميركي.

وأما خطوتها الثانية فكانت تبني مبدأ “تصدير الثورة” في ضوء اعتبارها للأنظمة في دول الجوار عميلة للولايات المتحدة الأميركية وتشكل خطرا على النظام الإسلامي، لذا قررت إسقاطها وأن تستبدل بها أنظمة إسلامية معادية للولايات المتحدة أو على الأقل ليست على وفاق معها ففتحت ملفات عالقة من تسمية الخليج بالخليج الفارسي إلى الادعاء بإيرانية البحرين مرورا بالتمسك باحتلال الجزر الإماراتية وشن حملة إعلامية على النظام المصري لعقده اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل وإطلاق اسم قاتل السادات خالد الإسلامبولي على شارع رئيس في طهران.

وكانت خطوتها الثالثة تبني خيار مواجهة إسرائيل، ربيبة الولايات المتحدة، باعتبارها قاعدة أميركية متقدمة وأداة محتملة للهجوم على الثورة الإسلامية فرفعت شعار استعادة حقوق الشعب الفلسطيني المظلوم بتحرير فلسطين وأعلنت نيتها تشكيل جيش القدس المكون من عشرين مليون مقاتل لتحقيق هذا الهدف.

قادت مساعي تصدير الثورة لدول الجوار إلى انفجار الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات راح ضحيتها أكثر من مليون إنسان من الطرفين، ناهيك عن خسائر مادية قدرت بـ400 مليار دولار وضياع فرص تنمية وتطوير البلدين، وإلى طي مشروع تشكيل جيش القدس وإعطاء الأولوية لـ”تحرير” العراق بإسقاط النظام العراقي حيث رفع شعار “تحرير فلسطين يمر في بغداد”.

ترتب على التغير في سلم الأولويات وفشل “تحرير” العراق بإسقاط النظام العراقي والتفرغ لتحرير فلسطين إلى تآكل صدقية النظام الإسلامي ووعوده الثورية، وخاصة في التعاطي مع هدف تحرير فلسطين الذي أكسب الثورة الإسلامية تعاطف العرب والمسلمين، فلجأ إلى تبني حركة أمل اللبنانية الشيعية لمناوشة إسرائيل من لبنان، ثم شقها وتشكيل “حركة أمل الاسلامية” وإرسال فريق من الحرس الثوري قوامه 1500 عنصر إلى البقاع اللبناني لتدريب الحركة الوليدة مع تزويدها بالمال والسلاح والتي أصبحت “حزب الله” الذي كُلف بتنفيذ عمليات ضد القوات الإسرائيلية في لبنان وضد قوات الأطلسي التي نزلت فيه بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وخطف الرعايا الغربيين في لبنان وسيلة لتحقيق مطالب آنية.

وقد قام بخطف عشرات المواطنين الغربيين (نحو 100 مواطن في 75 عملية اختطاف)، كما قام بعمليات تفجير في الخارج مثل تفجيري العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس ضد السفارة الإسرائيلية عام 1992 ومركز يهودي عام 1994، وتفجير باص سياح في بلغاريا عام 2012.

وقد عملت إيران على تحول الحزب إلى حزب المقاومة الوحيد بمنع القوى الوطنية اللبنانية من الاشتباك مع القوات الإسرائيلية إلا من خلال الالتحاق بقوات الحزب، وكان الحزب الشيوعي اللبناني قد افتتح العمل العسكري ضد الاحتلال قبل ولادة حزب الله كما نفذ الحزب السوري القومي الاجتماعي أول عملية “استشهادية” ضده نفذتها سناء المحيدلي. وهكذا صبغت مقاومة إسرائيل بصبغة مذهبية شيعية تابعة لإيران.

استمر موقف الولايات المتحدة من النظام الإسلامي كما هو، فقد رفضت الاعتراف به ووضعته على قائمتها للدول الراعية للإرهاب وصنفت إيران مع العراق وكوريا الشمالية دولة مارقة، وتبنت في مواجهته إستراتيجية احتواء نشطة، وعملت على ألا يخرج من الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) منتصرا عبر حشد الجهد العربي المالي والعسكري لدعم العراق، وبتزويدها النظام العراقي بالمعلومات الاستخبارية وصور الأقمار الصناعية حول حركة القوات الإيرانية وتجمعاتها.

بعد فشل محاولات تصدير الثورة ونجاح تجربة حزب الله في تحقيق الكثير من المكاسب بدّل النظام الإيراني إستراتيجيته وتبنى تعميم تجربة الحزب باختراق دول الجوار بتشكيل أحزاب ومنظمات “جهادية” عبر تنظيم أبناء الطائفة الشيعية في الدول الإسلامية (كتائب “عصائب أهل الحق”، وكتائب مقاتلة: كتيبة أبي الفضل العباس، وكتيبة كربلاء، وكتيبة زيد بن علي، لتجتمع تحت اسم موحد هو “كتائب حزب الله العراقي”، وجيش المختار، وجيش المهدي في العراق، لإرباك القوات الأميركية في العراق خوفا من أن يغريها نجاحها السهل في العراق بنقل معركتها إلى إيران، وحركة “أنصار الله” في اليمن، وحزب الوحدة الإسلامي في أفغانستان).

كما تبنى تشييع المسلمين من المذاهب الأخرى لتطبيق إستراتيجيته الجديدة عليهم وبذل المال لتحقيق ذلك باستغلال فقرهم، وضمن هذا السياق قال الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، ذراع الحرس الثوري في العمليات الخارجية، “إنه أقام عشر إيرانات خارج إيران”.

وتبجح مسؤولون إيرانيون بأن إيران تسيطر على أربع عواصم عربية (بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء)، ووظفتها في القتال إلى جانب النظام السوري لمنع إسقاطه من قبل الثوار دون اعتبار لمطالب الثورة وللقتل والدمار الذي نفذه النظام ضد البلاد والعباد بالإضافة إلى انعكاس مشاركتها المدمر على العلاقات بين أبناء المذاهب الإسلامية ووقوف المسلمين ضد بعضهم: سني شيعي.

أدرك النظام الإيراني، بعد أن اضطر إلى تجرع كأس السم والقبول بوقف القتال مع النظام العراقي دون تحقيق انتصار حاسم بإسقاط النظام و”تحرير” العراق، هشاشة وضعه العسكري وضرورة تطوير قدراته العسكرية والحصول على أسلحة حديثة تردم الفجوة التقنية مع الأعداء والخصوم المحتملين، خاصة إسرائيل ودول الجوار التي كدست أسلحة أميركية وأوروبية حديثة، فانفتح على روسيا والصين وكوريا الشمالية يستورد منها أسلحة متطورة وخبرات لصنع نسخ من أسلحتها وخاصة صواريخها البالستية في إيران، وأطلق يد الحرس الثوري لخوض عملية تطوير قدراته العسكرية القتالية والتصنيعية مما سمح له بتكديس ترسانة كبيرة ومتنوعة من الأسلحة وخاصة الصواريخ البالستية المتوسطة والبعيدة المدى والزوارق البحرية السريعة والمدمرات والغواصات والطائرات العاملة بدون طيار.

في هذا السياق جرى بعث البرنامج النووي الإيراني الذي أقامه الشاه المخلوع في خمسينيات القرن العشرين على خلفية انعدام الثقة في كفاية الأسلحة التقليدية في ردع الأعداء والخصوم وتوفير حماية للنظام الإسلامي، وتم التعاقد مع روسيا على استكمال بناء وتجهيز مفاعل بوشهر كواجهة علنية لبرنامج نووي سري بالتعاون مع كوريا الشمالية وعالم الذرة الباكستاني عبد القدير خان.

” وجرى التوسع في البرنامج بشكل سري منذ عام 1989 بإقامة أكثر من مائة موقع بعضها محصن في الجبال (عدد من مراكز الأبحاث ومنجمان لاستخراج اليورانيوم الطبيعي ومفاعل أبحاث ومحطات تخصيب اليورانيوم) حتى تم كشف أمره من قبل المعارضة الإيرانية التي سربت الموضوع إلى الخارج وقدمت دلائل وبراهين على طبيعته غير السلمية فأطلقت معركة احتوائه ومنع إيران من صنع سلاح نووي.

بدأت الضغوط الغربية على إيران من أجل الكشف عن برنامجها النووي وكشفت جولة التفتيش عام 2003 عن وجود آثار ليورانيوم مخصب في محطة ناتانز مما دفع إيران إلى الاتفاق مع بريطانيا وألمانيا وفرنسا على وقف عمليات التخصيب لفترة محدودة في مقابل عدم إرسال الملف إلى مجلس الأمن.

غير أن الضغوط الأميركية اشتدت عبر تقديم دلائل وبراهين على الطبيعة العسكرية للبرنامج، وأصدر مجلس الأمن عام 2009 قرارا بمنع إيران من استيراد وتصدير مواد أولية تدخل في عملية التخصيب وفي صناعة الصواريخ البالستية، وآخر عام 2010 يفرض عقوبات على التعامل مع الحرس الثوري، كما أصدر مجلس الشيوخ الأميركي عقوبات على المصرف المركزي الإيراني، وفرض الاتحاد الأوروبي قيودا على استيراد النفط الإيراني وعلى تأمين ناقلات النفط الإيرانية.

لم تنجح المفاوضات الأوروبية الإيرانية في الاتفاق على مخرج فانطلقت مفاوضات الـ5+1 عام 2009 لكن دون أن تحقق نجاحا واضحا لأن النقطة المركزية في الصراع التي شكلت المحدد الرئيس للسلوك الإيراني: الاعتراف بالنظام الإسلامي والكف عن السعي لتغييره ظلت دون حل إلى أن بدأت المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة في عُمان بالتوازي مع انطلاق لقاءات ثنائية أميركية إيرانية اتسمت بالود والحميمية، قادت إلى إشادة الرئيس الأميركي باراك أوباما بتاريخ إيران وبالدور الحضاري والثقافي الإيراني مما فتح الطريق للتفاهم والاتفاق في لوزان.

فهل يؤدي الاتفاق إلى إزالة هواجس القيادة الإيرانية وتسكين مخاوفها فتعود دولة في حدودها الوطنية أم يدفعها إلى التغول ومزيد من العدوان؟

الجزيرة نت

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى