الرئيسية / صفحات الثقافة / المُثقَّف النَّمَطيّ

المُثقَّف النَّمَطيّ

 


صلاح بوسريف

عرفت الثقافة العربية، شريحةً واسعةً من هؤلاء، إن لم تكن هي الشريحة الأكثر انتشاراً في هذه الثقافة، عبر تاريخها.

كان الفقهاء، أو مَنْ اصْطُلِحَ على تسميتهم بـ ‘العُلماء ‘، فيما بعد، هم هذه الشريحة التي حَظِيَتْ بهذا الانتشار، وهم الذين كانت الكلمة الأولى في ما يجري في شؤون الدين والدولة، في يَدِهِم. إنتاج ‘المعرفة ‘، وترويجها، والإشراف على التربية والتكوين، وما يتعلَّق بأمور الأحوال الشخصية، والقضاء، كُلُّها كانت في يَدِ هذه الشريحة من العلماء، وهم أيضاً مَنْ سَتَسْتَنِدُ عليهم السلطة في المواقف التي كانت تستدعي تبرير بعض ما تُقْدِمُ عليه من أمور، تحتاج لـ ‘الفقيه ‘أو ‘العالم ‘، وهو هنا عالم الدين، أو العارف بشؤونه، لتمريرها، ما دام ‘الوضع الاعتباري، لهذا الفقيه، يحظى بقدير ‘العَوام ‘، وكونه، في نظر هؤلاء، المُلِمّ بأسرار الدين، وبما لا يمكن أن يكون من مَهَامِّ غيره من العامَّة.

يكشف كتاب ‘تمثُّلات النهضة في ثقافة العراق الحديث ‘، للباحثة العراقية، فاطمة المحسن، عن أدوار هذه الشريحة من ‘المثقفين ‘، الذين كان لهم تأثير كبير في المجتمع العراقي، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فما كانت تنطوي عليه بيئات المجتمع العراقي من انتشار للمعرفة التقليدية، أو الدينية، خصوصاً في مُدُن بعينها، وبين عوائل عُرِفَت بِتَوَارُثِها لهذه المعرفة، كان بين أسباب بقاء الثقافة العراقية، ضمن حلقة ما نُسَمٍّيه، هنا، بالثقافة النمطية، أو المثقف النمطي، التقليدي، رغم ظهور فكر جديد، بدأ يميل إلى تغيير وجهة المعرفة، ووضع المُسَلَّمات، موضع تأمُّلٍ ومُساءَلَة، لعلَّ أهمها كان ما شرع بعض الشعراء في خلخلته من قيمٍ وثوابت، مثلما فعل الزهاوي و الرصافي مثلاً.

لا يقتصر الأمر على ما جرى في العراق، فهذا النُّزُوع نحو النَّمَطِيَة، في التفكير، وفي وضع الفقيه، أو عَالِم الدين، في الواجهة، وتبنِّي السلطة له، أو توظيفه، في تكريس هذا النوع من التفكير، كان صفةً مشتركةً بين جُلِّ المجتمعات العربية، بما فيها المجتمع المغربي، إبَّان فترة ‘النهضة ‘، أو ما قبلها.

فالطابع المُحافِظ، والمُنغلق، لهذه المجتمعات، وتأخُّرها في الانتقال إلى التَّحْدِيث، رغم بعض ما حدث من محاولات، في القرن التاسع عشر، تحديداً، وما سعى بعض رجالات الدولة، أو بعض الأفراد، ممن كانوا مُتَحَمِّسِين للابتكارات الجديدة، لإقناع الحُكَّام به، فإنَّ ما ظلَّ يغلب على الوضع المعرفي العام، لهذه المجتمعات، هو غَلَبَةُ تيار المُمَانَعَة، وهيمنة التقليد، الذي سيظل هو القاعدة، وستبقى الحداثة، أو التحديث استثناءً، أو نوعاً من الفكر الشَّاذ الذي لا يجدُ قبولاً، أو انتشاراً، إما لربطه بـ ‘الآخر ‘الأجنبي، أو الدَّخيل، أو بمقابلته، ببدائل نستعيرُها من الماضي، أي من هذا ‘السلف الصالح ‘، الذي كان دائماً المقابل الضِّدِّيَّ، لكل ما هو حديثٍ أو حداثيٍّ.

النماذج الاستثنائية، في هذا السياق العام، الذي هَيْمَنَ فيه التقليد، أو ساعدَ على تكريس النَّمَط، لم تجد طريقها للظهور، أو الانبثاق، لأنها وُوجِهَت، إمَّا، بالتَّجَاهُل التَّام، أو بالاستنكار، الذي كان تعبيراً عن المُمَانَعَة القوية، التي غالباً، ما كان الحَسْمُ فيها، لإقحام الدين، كورقةٍ رابحةٍ، لأنه غالباً، ما كان يُضْمِرُ نوعاً من التأليب على مثل هذا النوع من الأفكار الجديدة.

فهيمنة المثقف النمطي، وربط المعرفة بالدين، أو اختزالها في المرجعية الدينية دون غيرها، كان أحد أسباب التَّعَثُّرات التي عرفتها الثقافة العربية، في انتقالها إلى مرحلة التحديث، أو خروجها مما كانت تَرْزَحُ

فيه من تأخُّرٍ، قياساً بما شهدته العلوم المختلفة من تطور، كان له انعكاس قوي على تطور هذا ‘الآخر ‘، الذي كان، دائماً، أحد عوائق انفتاح هذه الثقافة على ما كان يجري من مستحدثات علمية، كان لها أثر واضح في طبيعة المسافة التي نتجتْ بين هذه الثقافة، وغيرها من ثقافات الآخرين.

وإذا كان المغرب قد شرع في الانخراط، أو بالأحرى، الانفتاح على الحداثة الأوربية، بداية من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد كان للفقهاء، أو العلماء، بالمعنى الذي أشرتنا إليه من قبل، اليَدُ الطُّولَى، في رفض أو قبول ما كان يجري من ‘مُسْتَحْدَثاتٍ ‘. فهم سيفتون حتى في شأن استحداث الجيش. أو كما يقول محمد سبيلا؛ فرغم ما أظْهَرَتْه هذه النُّخبة المغربية تجاه مسألة تحديث الجيش، فإن الفقهاء لم يتخلَّوْا عن دورهم في تقويم التقنيات والآليات العسكرية الجديدة من زاوية الشرع.

وكثيراً ما كان هؤلاء يتدخَّلُون لرفض بعض المُسْتَحْدثَات، ولو كانت إحدى وسائل انتشار المعرفة وذُيُوعها، مثلما حدث مع المطبعة، على عهد السلطان عبد الرحمان بن هشام، التي أفتى أحد الفقهاء من مراكش بتحريمها، لأنها تُشَكِّل خطراً على التعليم الشفوي وحفظ القرآن، أي على التقليد، وعلى الثقافة النمطية، تحديداً.

في هذا ما يكشف عن طبيعة العلاقة التي كانت تجمع بين الثقافة والدين، أو العلم والدين، وهيمنة هذه النخبة، من الفقهاء أو العلماء، على الحياة العامة للمجتمع، وكان الدين طبعاً، هو المبرِّر الذي اتَّخذت منه هذه النخبة ذريعةً لمواجهة كل أشكال التحديث، والتغيير.

الإفتاء بتحريم المطبعة، بمبرِّر الحفاظ على شفاهية المعرفة، وعلى الحفظ، حفظ القرآن بشكل خاص، يشي، بطبيعة الذهنية النمطية التي كانت تَسْتَحْكِم في وعي هؤلاء، وفي رؤيتهم للأشياء.

اليوم، لم يعد مُمْكِناً، الإفتاء بشأن اقتناء، أو استعمال التقنيات الحديثة، فالجميع بات يَسْتَشْعِرُ أهمية هذه التقنيات في الاتصال، وفي تسهيل الحياة اليومية للناس، بما فيها انتشار المعرفة، إلى درجة أنَّنا بِتْنا نجد فقهاء، ومُفْتِين، عن حق أو غير حق، لهم مواقع أو صفحات على شبكة النِّيتْ، يستعملونها في بَثِّ أفكارهم، كما أنَّ هذه الشبكة أصبحت من بين أهم الوسائل التي استعملها المتطرفون في نشر رسائلهم وخطاباتهم، وفي تنفيذ كثير من مُخطَّطاتهم الإرهابية.

دور الفقيه لم يعد حاضراً بالصورة التي كان عليها من قبل، فانتشار المعرفة، وعمل المطبعة على نقل الثقافة من الشفاهَةِ إلى الكتابة، ساهم في نشر المعرفة، وفي خروج المعرفة الدينية إلى العَلَن، وهو الدور الذي لعبته المدارس الحديثة والجامعات، وأيضاً، وسائل الإعلام المختلفة، ما جعل من المشكل ينتقل من شرح النصوص وتفسيرها، إلى صراع حول امتلاك المعنى الديني من خلال تأويلاته.

فظهور المثقف الحديث، الذي أصبح يخوض في الماضي، ويعود إلى التراث، لقراءته وفهمه، باستعمال آليات قراءة جديدة، وبتوظيف معارف ‘الآخر ‘، في هذه القراءات، والتأكيد على مبدأ الاختصاص، جعل من المثقف النمطي يبقى أسير ماضٍ، لا يَصُبُّ إلاَّ في معنىً واحد. لا مكان لغير هذا المعنى في معرفته، فهو لا يتنازل عن معارفه، ولا يقبل بالابتداع، أو الاستحداث، في مجال الأفكار، كما كان لا يقبل بالمستحدثات العلمية من قبل.

ثمة تناحُر، اليوم، بين النمطية والتقليد، والابتداع والتحديث، بين فكرين، ونظامين في المعرفة، ما يزالُ الفكر النمطي هو الأكثر حضوراً ضمنها، في الثقافة العربية الراهنة. فالمدرسة، بما تُمَثِّلُه من أيديولوجية رسمية،

في مختلف أنظمة الحكم العربية، ما تزال هي المجال المناسب لنشر هذا النوع من الثقافة، أو الفكر النمطي، والحرص على المعنى المعياري لنظامه المعرفي.

بَقِيَ المثقف الحديث، خارج هذا النظام، أو هو ظلَّ في مَنْأًى عنه، لأنه لم يكن يخدم حريته في البحث وفي التأويل، أو في توسيع معانيه، وما تفترضه من تأويلاتٍ. فأيديولوجية المعنى الواحد، مصدرها المعرفة الدينية، أو التأويلات الحَصْرِيَة لهذه التأويلات، التي لا تخرج عن سياق النص، أو تبقى سجينةَ المعنى الظاهر له، كما أنها لا تمتلك جُرْأَةَ الانفتاح على العلوم الحديثة، ولا تقبل بنتائجها، أو لا تَسْتَسِيغُها.

المثقف النمطي، هو، إذن، استمرار في فكره، وفي معرفته، للفقيه بصورته التقليدية. فقط، أنَّ المثقف النمطي، قد يكون مُطَّلِعاً على بعض المعارف الحديثة، وقد يكون عارفاً ببعض اللُّغات، إلى جانب العربية، لكن نظام المعرفة الذي يحكم رؤيته للأشياء يبقى هو العائق الكبير أمام انْشِرَاح المعرفة لديه، وأمام انفتاحه على المعاني المختلفة، وقبوله بما يَفِدُ عليه من قراءات وتأويلاتٍ ليس هو من يُنْتِجُها. كما أن هذا المثقف، لم يتعلَّم ثقافة الاختلاف، ولا يقبل النقد، أو تصويب الخطأ، والمعرفة عنده مُسْتَقِرَّة، ولا تقبل التغيير، فهي مُسَلَمات، ومفاهيم راسخة،

قادرةً على الإجابة عن كل الأسئلة، ومواجهة كل النصوص، أو النوازل، مهما اختلفت سياقاتُها، أو طبيعة مُشْكِلاتِها.

كما أنه مثقف ضمن نظامٍ، وهو، طبعاً، نظام مُغلق، ومُحْكَم البناء، وليس مثقفاً فرداً، أو يعمل من منطلق المعرفة، بما تفرضه من تَقَلُّبات، ومن انشراح. فهو مُطْمَئِنٌّ لمعرفته، أدواته هي نفسُها، وفكره مُوَجَّهٌ، لأنه محكومٌ بهذا النظام الذي لا يقبل التبديل، ولا التعديل.

ينطبق هذا السلوك النمطي، على شرائح واسعة من مُنْتِجِي المعرفة، وهو سلوك، قد يزداد استفحالاً مع تقدم العُمُر، وهو ما حدث لكثيرٍ من المثقفين الذين انقلبوا على مواقفهم السابقة، وهم في أَرْذَلِ العمر، مثلما حدث، لزكي نجيب محمود ولعبد الرحمن بدوي، وغيرهما ممن ما زالت كتاباتهم الأخيرة شاهدةٌ على مواقفهم.

ليست النمطية اسْتِدْرَاكاً، أو نوعاً من المراجعة، بقدر ما هي تعبير عن نَكْسَةٍ في التفكير، وهي تراجُعٌ، لأنَّ فكر الحداثة والتنوير، هو فكرُ صيرورةٍ، وخَطْوٍ، وليس التفاتاً إلى الوراء، لأجل تبرير هذه الوَرَائِيَةِ في التفكير، وفي قراءة التاريخ.

النمطيه، بهذا المعنى، هي فكرٌ نُكُوصِيٌّ، خصوصاً، حين تصير إقامةً في هذا الوَرَاء، الذي لا أمام له، وسَيْراً على تعبير ابن عربي؛ فمن لا أَمَامَ له، لا يُعَوَّلُ عليه.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...