الرئيسية / صفحات العالم / النظام العربي المريض

النظام العربي المريض

 


الياس خوري

كان اطلاق اسم ‘رجل اوروبا المريض’ على الدولة العثمانية اعلانا بتفكيكها وسقوطها. وهذا ما حصل بعد الحرب العالمية الأولى. وكان على المشرق العربي، ان يدفع الثمن مضاعفاً، عبر سقوط احلام الاستقلال من جهة، وتأسيس الدولة الصهيونية في فلسطين من جهة ثانية.

لا اريد ان ارى الوضع مشابها للماضي، فالتاريخ لا يتكرر، لكن هناك من يريد ان يكرره.

النظام العربي الاستبدادي، تأسس على انقاض المرحلة الناصرية وكاستمرار كاريكاتوري لها متخذاً مجموعة من السمات المتشابهة في البلدان العربية المختلفة.

السمة الأولى، هي الانتقال من شرعية الثورة الاجتماعية، اي الاصلاح الزراعي وبناء دولة الرعاية، الى لا شرعية العائلة والبنية المافيوية. تمّ التخلي التدريجي عن دولة الرعاية، لتحل مكانها قوانين اقتصاد السوق من دون وجود سوق. اي عبر قيام العائلة الحاكمة واتباعها باحتكار الاقتصاد الوطني ونهبه واسترهانه.

السمة الثانية هي بدعة الجمهورية الوراثية، التي ضربت عرض الحائط بالشرعية القديمة التي استندت الى الجيوش. هكذا تمت محاولات تأسيس سلالات حاكمة في سورية ومصر وتونس وليبيا واليمن والعراق. وفي هذا السياق تمّ تهميش الجيوش كي تكون في خدمة العائلة والمافيا. هذا ما يفسّر في رأيي تخلي الجيشين التونسي والمصري عن الديكتاتور بسرعة قياسية، بعد الفشل الذريع الذي منيت به القوى الأمنية.

السمة الثالثة هي انشاء ما يمكن مقارنته بالفرق الانكشارية داخل المؤسسة العسكرية. لم يستطع الديكتاتور في مصر وتونس اختراق الجيش، فاضطر الى انشاء جهازه الانكشاري في القوى الأمنية التي سرعان ما تداعت. في المقابل حين نجح النظام في بناء انكشاريته الموازية داخل الجيش، في ليبيا واليمن وسورية، فإنه نجح في اطالة عمر احتضاره، مهددا بأن يتحول موته الى كارثة اجتماعية. هذه الفرق الانكشارية استندت الى العصبيات العشائرية والعائلية والجهوية، ما جعلها مفصولة بمعنى ما عن النسيج الاجتماعي، وسمح لها بحرية القمع.

السمة الرابعة هي البحث الدائم عن شرعية خارجية. فبعدما افتقد النظام الى اي شرعية داخلية، صارت شرعيته الوحيدة هي الاستناد الى قوى خارجية، والعمل على خدمتها. هذا ما فعله حسني مبارك مع امريكا واسرائيل، وهذا ما فعله زين العابدين بن علي مع اوروبا الغربية. وعندما تخلى عنه حماته فانه تداعى بسرعة قياسية. وهذا هو ايضا حال الأنظمة في ليبيا واليمن وسورية. غير ان الأمور هنا اكثر تعقيدا، فالنظام الديكتاتوري يقدم الخدمات، وهو قد يستسلم في لحظة معينة، كحال النظام الليبي، او قد ينفخ في الوقود الأصولي كي يقنع الغرب بالحاجة اليه كي يحاربه، كما في اليمن، او قد يمانع ويناور ويعاند، مستندا الى تحالفات معقدة، كحال النظام السوري، لكنه لا يتجاوز الخطوط الحمراء على الاطلاق، ويمسك بورقة قمع الارهاب التكفيري في كل الأوقات.

السمة الخامسة والأخيرة هي غياب المحرمات. فهذا النظام لا يمتلك اي وازع اخلاقي او سياسي. بنيته قائمة على الاستهزاء بكل القوانين والأعراف. قانونه الوحيد هو الطوارئ، اي بنية قانونية لا قانون لها، وهي فوق القانون، ولا يردعها اي مرجع دهري او سماوي. استباح المجتمع وفتك باللغة وحوّل الاعلام والصحافة الى مطية. حطّم القضاء والنقابات وكل اسس المجتمع المدني، ولم يكن هدفه سوى الاستمرار في السلطة بشتى الذرائع.

هذه السمات الخمس تجعل من العالم العربي اليوم رجل العالم المريض، تماما مثلما كان حال السلطنة العثمانية وهي على شفير السقوط.

واذا كانت الجيوش، رغم كل علاتها الممكنة، منعت عبر حيادها، انهيارا للمجتمع، وفضلت سقوط رأس النظام وعصابته على سقوط الدولة، في مصر وتونس، فان الجنون والوحشية وجيش العائلة في ليبيا استدعى تدخلا اطلسيا كريها، كما ان عناد العائلة يهدد اليوم بتحويل سورية الى ارض تتنازعها المطامح.

وللأسف، ولأن النظام لا يملك اي رادع، فمن العبث ان ننتظر منه تنازلات للشعب، فهو على استعداد للتنازل امام الجميع، شرط ان لا يقدم تنازلا واحدا لشعبه. كما ان ممانعته ليست سوى ممانعة لأي اصلاح او تغيير.. هذا هو جوهر الممانعة. النظام الليبي مانع من خلال الانبطاح بعد غزو العراق، بينما متّن النظام السوري من تحالفه مع ايران، وغطّى سكون جبهة الجولان بالتحالف مع حماس وحزب الله من اجل تقوية اوراقه التفاوضية.

هذه انظمة لا تجمع الأوراق او تطرحها الا من اجل تقوية مواقعها كسلطة ابدية، كل الأهداف الأخرى المعلنة ليست الا غطاء لهذا الهدف الوحيد. وهي تسعى الى تمزيق النسيج الاجتماعي وتحطيم كل اشكال التضامن الوطني، بل ان معنى الوطن فقد بشكل كامل، وكان على الثورات الشعبية ان تندلع كي يستعيد الوطن اسمه ووجوده.

هذه السلطة الأبدية لا تلوي على شيء، هي مستعدة ان تدوس الناس بالنعال، وتعذّب الأطفال حتى الموت وتشوه جثثهم، وتهين الرعايا. سلاحها الوحيد الكذب والخوف.

هذا النظام المريض لا يمكن اصلاحه، وخصوصا من رأسه، مثلما يتمنى بعض المثقفين ممن احترف كراهية الشعب والاستعلاء عليه. هذا النظام يجب ان يسرع الى السقوط.

سقوطه هو الأمل الوحيد كي لا يصير العالم العربي رجل العالم المريض، وكي لا تسقط بلادنا في مهاوي بلاء الاحتلال والتدخل الخارجي، وكي يستطيع العرب ان ينظروا الى فداحة الخطر الاسرائيلي الذي لا يوليه نظام الانكشارية اي عناية.

لقد اثبتت ثورات العرب، ان النظام هو المريض وليس الشعب، وكي لا تسقط الاوطان يطالب الشعب باسقاط النظام.

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 39 = 44

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...