الرئيسية / كتاب الانتفاضة / إياد الجعفري / النُصرة وقائمة الأردن/ إياد الجعفري

النُصرة وقائمة الأردن/ إياد الجعفري

 

 

“النُصرة أنا بحبها”.. هذا ما قاله لي صديق وإعلامي سوري خلال حوار بخصوص مصير جبهة “النُصرة” بعيد وضع قائمة “الجماعات الإرهابية” السورية في الأردن. وبطبيعة الحال، هذا ليس رأي صديقي وحده، بل هذا رأي شريحة مُعتبرة من السوريين.

صديقي المُشار إليه أعلاه، والذي خالط بعض مقاتلي النُصرة شمال سوريا، لا يُقدّر النُصرة ويحترمها، لفكرها الجهادي “القاعدي”، فهو أبعد ما يكون عن ذلك، شأنه شأن الجزء الأعظم من تلك الشريحة من السوريين التي تُقدر النُصرة. تقدير واحترام النُصرة جاء من منهج هذه الجماعة الذي لم يشذ كثيراً عن أولويات مؤيدي الثورة بسوريا، رغم إشكالية انتمائها لتنظيم “القاعدة”.

بإيجاز، يمكن القول أن ما جعل للنُصرة مشجعين في الوسط الشعبي السوري، بصورة ملحوظة، هو أنها اعتبرت قتال الأسد أولويتها، خلافاً لتنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي جعل مشروعه لإقامة “الخلافة” و”الدولة الإسلامية” المأمولة، الأولوية، الأمر الذي اضطره إلى اعتماد وسائل بربرية لفرض سيطرته على مناطق شاسعة من سوريا.

لكن اليوم، وقبيل وضع قائمة “الجماعات الإرهابية”، في الأردن، يبدو أن المشهد الميداني السوري، في شطر المعارضة، أمام إشكالية كبرى. إذ من شبه المؤكد أن “النُصرة” ستكون، إلى جوار تنظيم “الدولة”، في لائحة “الجماعات الإرهابية”، الأمر الذي يفتح المشهد بسوريا على سيناريوهات عديدة بهذا الخصوص.

أول هذه السيناريوهات، وأخطرها، أن تتفاقم الضغوط على فصائل المعارضة السورية، وداعميها الإقليميين، كي تكون “النُصرة” في قائمة الأطراف التي يتوجب محاربتها، إلى جانب تنظيم “الدولة”. ورغم أن هذا السيناريو مطروح بقوة نظرياً، إلا أن تطبيقه ميدانياً تشوبه الكثير من الصعوبات، أبرزها، أن دولاً إقليمية، منها تركيا، تتمتع بصلات جيدة مع النُصرة، لن ترغب في خسارتها باعتبارها ورقة استثمار في الساحة السورية، إلى جانب ذلك، لن تقبل كبرى الفصائل الجهادية بسيناريو قتال “النُصرة”، وهي الفصائل الفاعلة عملياً على التراب السوري. ولو قبل بعضها بذلك، فهو سيخاطر بانشقاق الكثير من مقاتليه المُشبعين بالفكر الجهادي عن صفوفه، لأن الصورة ستبدو أنهم يقاتلون النُصرة تنفيذاً لإملاءات الغرب.

المؤشرات التي تنفي احتمال وقوع السيناريو الأول، عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، انصياع النُصرة، وإن على مضض، للأجندات التركية في شمال سوريا. ففي آب المنصرم، انسحبت النُصرة من قرى وبلدات بشمال حلب، قريبة من حدود تركيا، وسلمتها لحليف تركيا الأقرب، “الجبهة الشامية”، استجابةً لرغبة تركيا في إجراء ترتيبات عسكرية وأمنية في المنطقة المحاذية لحدودها تستهدف تنظيم “الدولة” وقوات حماية الشعب الكردية، في آن.

النُصرة انسحبت من مناطق سيطرتها تلك، وسلمتها لحليف تركيا المقرّب، لكنها أصدرت بياناً أدانت فيه خطط تركيا، باعتبار أن المعارك بشمال سوريا تحولت دفتها إلى وجهةٍ تخدم مصالح الأتراك، ولا تخدم هدف قتال الأسد. لكن، في نهاية المطاف، النُصرة انصاعت للرغبة التركية، وأبدت امتعاضها إعلامياً فقط، أما ميدانياً، يبدو أن النُصرة تملك من المرونة ما يسمح لها أن تنسجم مع مصالح أطراف إقليمية، أو لا تعرقلها على الأقل.

في مثال آخر على مرونة النصرة، وقفت الأخيرة على الهامش في مفاوضات “أحرار الشام”، شريكها الرئيس في “جيش الفتح”، مع الإيرانيين، في هدنة “الزبداني – الفوعة – كفريا”. وتقبلت النصرة أن تكون طرفاً، غير مباشر، في اتفاق مع الإيرانيين، في نهاية المطاف.

مرونة النصرة تظهر أيضاً على جبهة إسرائيل ذاتها، في الجولان، حيث تراعي النُصرة حجم قدراتها، وأولوياتها، كي لا تفتح على نفسها أكثر من جبهة قتال.

ورغم تحدر كل من تنظيم “الدولة”، و”النُصرة”، من المُعين الفكري الجهادي نفسه، يبدو أن النصرة اشتقت لنفسها سبيلاً آخر، تحول فيه التكتيك القاضي بأولوية ساحة “الجهاد” المحلية السورية، على مبدأ “عولمة الجهاد” القاعدية، إلى استراتيجية مستقرة في سياسات النُصرة، بصورة أكدها زعيم التنظيم، الجولاني، في لقائه الأخير مع قناة الجزيرة، منذ أشهر، حينما ألمح إلى عدم نية النصرة، الصدام مع الغرب، وأن أولويتها هي قتال الأسد.

وهكذا يبدو أن النُصرة استطاعت التكيف مع مصالح الأطراف الإقليمية المتعددة في سوريا، بصورة لا تستعدي فيها أحداً، باستثناء عدوها الرئيس المعلن حالياً، نظام الأسد وحلفائه. ورغم حصول حوادث عديدة تثير الجدل حول أجندات النصرة، من قبيل ما حصل قبل أشهر في جنوب دمشق من تنسيق بين النصرة وتنظيم “الدولة”، ومن قبيل موقف النُصرة من عبد الباسط الساروت في ريف حمص، يبقى ذلك في إطار المناوشات التي باتت روتينية، في صفوف الفصائل المناوئة للأسد، بهدف تمتين مناطق سيطرتها، وضمان مساحات نفوذ لها، تحصّل من خلالها تمويلاً ومكانة عملية في المشهد السوري. أما على صعيد الاستراتيجيات العامة، لا تُبدي النُصرة أية معالم “قاعدية”، فهي لا تستهدف الغرب، وتسعى جاهدة للحفاظ على علاقات متينة مع الحاضنة الشعبية السورية.

بناء على ما سبق، يبدو أن سيناريو آخر مرجحاً في ما بعد إعلان قائمة “الجماعات الإرهابية” في الأردن. وإن كان من شبه المؤكد أن هذه القائمة ستتضمن جبهة النُصرة، إلا أنه من المُرجح أن ذلك لن يعني جهداً إقليمياً ودولياً حقيقياً للحرب عليها، بل على العكس، من المرجح أن تحافظ الأطراف الإقليمية المناوئة للأسد على الوضع الراهن في العلاقة مع النُصرة، وهو التبرؤ من أية علاقة معها علناً، والتنسيق معها سراً.

بطبيعة الحال، الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت النُصرة تنظيماً إرهابياً منذ ثلاث سنوات، لكن منذ ذلك التاريخ، لم تُظهر واشنطن أية خطوات جدية متواترة لاستهداف هذا التنظيم. ورغم أن الأمريكيين استهدفوا مواقع للنُصرة خلال حربهم على تنظيم “الدولة”، أكثر من مرة، إلا أن ذلك الاستهداف كان محدوداً، ولا يعبر عن استراتيجية ثابتة ومستقرة لاستهداف النُصرة، على خلاف حربهم على تنظيم “الدولة”.

نختم بمؤشر أخير يُدل على مصير أي سيناريو قد يرتبه الغرب باتجاه استهداف النُصرة، ما حصل لبرنامج تدريب “المعارضة المعتدلة” السورية، والذي انتهى عملياً باختطاف العشرات من مقاتليه على يد النُصرة، وانسحاب البقية منه، بصورة دفعت أمريكا للتأكيد علناً على أن برنامج التدريب الذي تعمل عليه لا يستهدف النُصرة، وأن غايته قتال تنظيم “الدولة” فقط.

إذاً، يبدو أن السيناريو الأرجح حتى بعد إعلان النُصرة على قائمة الإرهاب “الأردنية”، أن التعامل معها إقليمياً ودولياً، سيبقى على قاعدة تبادل المصالح، فلا تركيا ولا دول الخليج الفاعلة ميدانياً في سوريا ستتخلى عن مكتسباتها على صعيد التعاون مع هذا التنظيم الفاعل على التراب السوري. ومن المستبعد أن يكون الغرب في وارد فتح جبهة حرب مُضافة إلى تنظيم “الدولة”، وهو عاجز عن التعامل مع هذا الأخير، ناهيك عن عجزه عن إيجاد ظهير برّي مؤثّر، يرافق ضرباته الجوية.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيماوي دوما إهانة للغرب/ إياد الجعفري

    لا يمكن فهم هجوم الكيماوي الأخير في دوما، إلا على أنه تحدٍ ممزوج ...