الرئيسية / صفحات الرأي / الهوية السورية الآن/ غسان المفلح

الهوية السورية الآن/ غسان المفلح

 

 

 

من سنن اجتماع المجتمعات البحث الدائم عن ذاتها الجمعية، مـن أجـل تـأكيـد حضورها في ضمائر افــرادها، وإعادة انتــاج انتـمائهم. من جهة أخـــرى، المجموعـــات البشريـة تقـونـن هذا الحضور بالانتماء إلى مشتركات الإنسانية في ما بينها، وتسمي هذا الانتماء بما يدل على الهوية كمضمون المواطنة، ومفهوم الهوية الوطنية المستند على مفـهوم المواطنـة والمرتبط به محوري في المفاهيم السياسية الحديثة.

اللغة والجغرافيا، والتاريخ والمصالح المشتركة، من الروابط الأساسية، وفي بعض الأحيان تعبر الهوية إلى أوسع من ذلك أو تتمحور على نطاق أضيق، واحياناً على ما فوق اللغة الواحدة، كالمجتمع السوري، حيث فيه مكونات تتكلم اللغات الكردية والآشورية والارمنية والآرامية التي هي لغة المسيح.

لهذا نجد أن الهوية القومية أو الدينية أو العرقية أو الطائفية، نماذج للهوية الضيقة، ولكن هناك نموذجاً أوسع من ذلك عندما تكون الهوية جامعة لأكثر من قومية أو دين أو عرق أو طائفة، وبهذا تتجاوز الهوية إطارها الضيق لتعبر عن المشترك الأوسع في الانتماء، وهو الهوية الوطنية التي تنتمي الى جغرافيا وتاريخ ومصالح مشتركة. هنا موقع بحثنا في الهوية السورية الجديدة.

«إن الهوية الوطنية مقوما له دلالته في مذهب إنساني جديد، ليست جوهراً ميتاً فيزيقياً أبدياً قبلياً، ليست «معطى» محدداً مسبقاً ليست تراثاً محتوماً لا حول عنه مقذوفاً به من الماضي ومنيعا لا يؤثر فيه البعد الزمني، ولا المتغيرات التاريخية، بل هو واقع. دينامي تاريخي زمني لجسد تعاد صياغته وتشكيله وتنميته. الهوية الوطنية لا تكتسب مقدرتها على البقاء فضلاً عن صدقيتها إلا بمقدرتها على التطور والتفاعل مع المعطيات الاجتماعية السياسية والثقافية والتاريخية، وبوعيها لهذه الخصوصية المرنة والانفتاح والاستجابة النقدية»، بحسب حبيب صالح مهدي.

الهوية السورية بعد انطلاق الثورة غيرها عما قبل، وهي الآن بعد الظروف التي مرت وتمر بها سورية وثورة شعبها وشتاته الدموي على يد الاسد تحتاج لكي تعرف نفسها من جديد انطلاقاً من تلك المعطيات الجديدة. وهنالك ثلاثة حقول تواجه فيها الهوية السورية نفسها، بحيث يمكن لها أن تمتنع عن التجدد، والتفاعل النقدي في رموزها ومعها، وهي:

الحقل الأول كتلة الاسد او نحرق البلد. وهي تمثل الاشكالية الاساسية في المانع من تشكيل هوية جديدة لسورية. فكل رموزها تقلصت وقلصت البلد لتنظر إليه فقط من ثقب العائلة الاسدية. رموزه صور العائلة الاسدية كنظام ديكتاتوري، واستباحة البلاد لأن هذا حق منحه الاسد لهم. يمكن الحديث في هذا الحقل عن كل الرموز التي تريد تأبيد عائلة الاسد رغم كل ما اقترفته من جرائم، فكيف يمكن أن ينضوي هؤلاء ضمن هوية سورية جامعة، من دون آل الاسد؟ هذه العقبة كأداء في وجه سورية جديدة. فهذه الكتلة تمتلك كل اجهزة الدولة واسلحتها، وتستخدمها كلها لقتل الشعب السوري ومنعه من الحرية.

الحقل الثاني حقل الكتلة الاسلامية المسيسة التي ظهرت بعد الثورة، ولولا الثورة لربما كانت أكثريتها منضوية تحت اسلام الاسد! اقصد مشايخه ومُفتيه. هذه الكتلة التي يشكل جماعة الإخوان المسلمين تنظيمها الأكثر تنظيماً، تمايزت عن طرحهم في ما يخص سورية والدولة التي تريدها الثورة، وبالتالي الهوية الجديدة لسورية. وهي وجدت ضالتها في راية تنظيم القاعدة السوداء حتى لو لم تكن هي نفسها قاعدة. رموزها راية سوداء ودولة الخلافة ومعزوفة الاسلام الجهادي الدولي المصنوع استخباراتياً. هذه الكتلة مسلحة وتمتلك قوى عسكرية أكثريتها الساحقة من الذين جذبتهم هذه الراية السوداء من جنسيات مختلفة، هؤلاء اجندتهم غير سورية. رايتهم السوداء لم تكن جزءاً من تاريخ سورية وستكون عقبة في انتاج سورية جديدة.

الحقل الثالث حقل التيار القومي الذي يضم بقايا يسار و»علمنجيين» احتموا بالبسطار من أجل حقوق فردية بخسة، غالبية هؤلاء لا ينظرون الى سورية إلا من زاوية حقوقهم الفردية التي لا تحوي الكرامة السياسية. هذه الحقوق تتعلق بالمأكل والملبس والتنظير من دون التفسير والسياسة. هذا التيار غير المتجانس عموماً، ينظر، مثل الاسلاميين الذين تحدثت عنهم، عن خلافة» علمنجية» على مقاسهم يضمنها الاسد في النهاية أو أي بسطار عسكري، اهم مقولاتهم انهم مع «الجيش العربي السوري» وليس مع الاسد!. هؤلاء لا يمكن أن تكون رموزهم خارج مطلق بسطار.

يبقى حقل اشكالي رابع، هو الذي يتعلق بالاقليات غير الناطقة بالعربية كالكرد والأشوريين. واشكالياً بالمعنى النسبي للعبارة لسورية الجديدة، فانه ما لم يتم الاعتراف بهم وبحقوقهم داخل سورية الجديدة فان هوية السوريين لا يمكن أن تبنى، وهي لا تبنى إلا على الحرية وفي ظلها. هي الرمز الهووي الرئيسي والاساسي الذي يفتقده السوريون في انتاج هويتهم الجديدة. الحرية العامة والفردية في ظل دولة القانون، هي تكثيف لمذهب انساني عام من جهة، وهي الاساس الجوهري لبناء هوية سورية جديدة. ولا يزال الاسد ومافياته الحاكمة يشكلون العائق الاساس والرئيسي تجاه حرية السوريين. أما عن التنظيمات الاسلامية فعائق عارض لأنه سيكون عارضاً على الحياة السورية برمتها بعد إزالة الاسد.

* كاتب سوري

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...