الرئيسية / صفحات الرأي / الوعي التغييري وسقوط “معارف السلطة”

الوعي التغييري وسقوط “معارف السلطة”

 


ماجد الشيخ

تصرّ سلطويات أنظمة الاستبداد العربية، على المزيد من إهدار كرامة شعبها، عبر مضيها بالقمع والترويع حد القتل، وصمّ آذانها عن مطالبه، بل اتهامه بإثارة الفتنة، حتى وهي تعدّ مسارح وميادين العواصم والمدن والساحات العربية للصدام الأهلي، وذلك بوضعها “جمهورها الوظيفي” في مواجهة جمهور الشعب، حتى لو أدى الأمر إلى كسر السلم الأهلي وتحويل ثورات الكرامة إلى حروب أهلية، يتواجه فيها الشعب مع ذاته، كتصوير كاريكاتوري لحماية النظام الذي غالبا ما ينأى بنفسه عن هذه العملية، وكأنها نتاج “التواجه الأهلي”، لا التوجه الرسمي لأجهزة النظام الأمنية، تلك التي لم توفر شاردة ولا واردة لحماية “رب عملها” وصيانة سلطته، دفاعا عن دور وظيفي لها وله في البقاء في سدة سلطة استبدادية، تحصّل عليها بالإكراه والغلبة، وبالضغوط الإفسادية، وبالتزوير، وبالرشوة، وبتبادل المنافع وتشاركها مع آخرين في الداخل وفي الخارج، وعبر العديد من أساليب “اللصوصية الدولتية” التي أجادتها وتجيدها سلطويات الاستبداد، وهي التي كانت نتاج تصنيع النظام لسلطته المسروقة من شعبه، وعلى حسابه وحساب كرامته وتاريخه وثقافته.

هي ثورات الكرامة المسلوبة إذا، تلك التي حرّكت وتحرّك شباب التغيير في فضاءات بلادنا الواقعية والافتراضية وفي ساحات وميادين العواصم والمدن الكبرى، ثورات مستحقة منذ زمن بعيد، تأخرت طويلا، وها هي تنفجر في وجه استعصاءات التحولات الديمقراطية، لتصطدم بجدران الأنظمة، واستنقاعها وتصحيرها داخل المجتمعات التي صمتت طويلا، قبل أن تجد في انفجارها الراهن “أضعف الأيمان” أو أقل القليل من “رفع الصوت في وجه السوط” وفي مواجهة نظام الأجهزة البوليسية، وديكتاتوريات البيروقراطيات العسكرية، والثيوقراطية والتوتاليتارية الشمولية، التي أناخت بكلكلها عقودا طويلة من سني الخوف والصمت، بعد أن جاءت إلى السلطة، في أعقاب وراثتها من قبل سلطويات إستبدادية بطريركية، استمدت سلطانها من هيمنة الأيديولوجيات الاستعمارية والإستشراقية السابقة على الاستقلالات الشكلية، والتي أورثتها بدورها لقوى سلطوية شعبوية وأهلوية تقليدية أكثر استبدادية، تعود في جذورها إلى ما قبل الدولة وما قبل تشكل المجتمع الحديث.

هكذا انفصلت وتنفصل اليوم “معارف السلطة” وأيديولوجياتها الاغترابية، ومعارف الشعب والمجتمع، وهما يكتشفان ذاتهما الجماعية في مواجهة ذات السلطة الفردية الذاتية المنكسرة أمام شرعية ثورية، كان يمكن لها أن تكون نتاج مؤسسات دستورية منتخبة ديمقراطيا، إلاّ أن اغتيال الديمقراطية، وتصحير المجتمعات، واحتكار السياسة، وإقصاء النخب، وتدمير الطبقات وإلحاق بعضها بمؤسسات الفساد والإفساد السلطوية، كل هذا حوّل مؤسسات الدول القائمة إلى ملكية خاصة لديكتاتوريي واستبداديي السلطة وانكشارييها من عبيد الأجهزة، حيث الزعيم الطاغية هو الآمر الناهي فيها، وهو “رب العمل/الدولة، وصاحب “سردياتها العليا”، أما الشعب وتاريخه فهو مجرد ملحق من ملاحق السلطة وصاحبها وتاريخه الشخصي.

بين الاستقرار والاستقلال؛ استقرار الأنظمة السلطوية وهي تستبد بشعوبها ومجتمعاتها، وتهيمن على كامل مداخل ومخارج الاقتصاد الوطني، وتستولي على كل ما استطاعت وتستطيع استحواذه وتملّكه عنوة وبالعنف والإكراه؛ واستقلال الشعوب ومجتمعاتها عن حواضن أنظمتها السلطوية، لحظة تاريخية تتكثف في وعي لا مثيل له؛ انفصلت بموجبه كذلك كل “معارف السلطة” التي جرى توظيفها لخدمة استقرار الاستبداد. هنا في هذا الحيز تأسست الثورة، فأسست معها وعيا تغييريا، خاصة لدى قطاع الشباب وكل الفئات الشعبية التي اكتشفت قوتها، ومعها ضرورة إعادة الاعتبار لكرامتها التي خضعت طويلا لطبقات من القمع الاستبدادي وتراكمه، كأكثر ما يكون التراكم مولدا لحالة نوعية من الثورة الشعبية، صاحبة الفضل الأكبر في كشط كل القشور التي تراكبت طوال عقود من السنين، كانت السلطة الإخضاعية المستبدة خلالها هي من صادر الكرامة الوطنية، قبل أن يفعل هذا بالجميع العدو الخارجي، وهي التي هيّأت البلاد والعباد للخضوع لقوى الهيمنة الإقليمية والدولية، حين بلورت تحالف المال والسلطة وزاوجت بينهما، عبر نفوذ تشاركي ضد شعوب هذه البلاد.

وفي ظل المعطى العربي الراهن، لا يبدو أن توجهات أنظمة الاستبداد يمكن لها أن تعرّج على أي أجندة إصلاحية، كما أنه لن يكون من السهل الحديث عن مشروع سياسي لدى أنظمة كهذه؛ تغرق في تغييب، بل واستبعاد كل فعل سياسي جاد وحقيقي، في أروقتها العاملة على “تأبيد” شكل من أشكال سلطة تتناسل من طبائع إستبداد متلونة، تنهل على الدوام من معين واحد: معين الواحدية السلطوية رغم تعددية مرجعياتها البطركية المنبثة في كامل البنى القائمة، التي عززت وتعزز دوماً كاريزما السلطة وأبويتها، مجسّدة في زعامات فردية / نخبوية / طغموية، إستندت وأسندت في كل الأحوال ببنى بيروقراطية مدنية/ إجتماعية/ عسكرية / مخابراتية، شكلت للزعيم الفرد أو للزعامات الفردانية الأحادية بمجموعها، شبكة أمان استمرارية التشبث بسلطة “قدرية”، مارست فعلها ومؤثراتها التبادلية في تكوين شبكة أمان لكل أولئك الذين تحلّقوا ويتحلقون حولها، كونها “ضمانة الاستمرار” للزعيم الفرد أو للزعماء الأفراد، وبيروقراطيات السلطة العاملة على تكريس الهيمنة، وعصبية القوة وعنجهية السطوة والنفوذ وإفسادات السلطة والثروة.

المستقبل

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...