الرئيسية / صفحات مميزة / الياسمينة التي أفقدَتْ محمد ناصيف صوابَه/ فاديا لاذقاني

الياسمينة التي أفقدَتْ محمد ناصيف صوابَه/ فاديا لاذقاني

 

 

رأيته مرتين.

مايو/أيار 1978

لم يمض على “توقيفي” أكثر من أسبوع ويوم، حتى فُتح باب الزنزانة الأسود. منذ ستة أيام أوقفوا التحقيق والتعذيب. قُطعت علاقتي بالعالم الخارجي، فمكثت سعيدة بانتهاء التحقيق وتوابعه. وكنتُ أشعر بقوّة لا تُضاهى. زاد منها أن فُتحت الطاقة مرّة كأنما بقدرة ساحر، وأُلقي منها رغيف خبز وبعض طعام داخل ثوب قطني لُفَّ على عجل، “ترى أي رفيق أو رفيقة يقبعان في زنزانة مجاورة يرسلان لي رسالة الحب “أني لستُ وحدي هنا” هذه؟”.

كنت أخادع أوجاعي بالنشيد والموسيقى و”الإيمان” بالحقّ والقدرة على تغيير العالم. لكن الثواني والدقائق والساعات تمرّ، فلا أنا أُنقل – كالعادة – إلى السجن الحقيقي، إن لم تنفعني اعترافاتي بكوني صديقة لـ”رابطة العمل” ليس أكثر. ولا هم يطلقون سراحي إن أقنعتهم. لم تبقَ قطعة موسيقية سكرنا بجمالها، إلى بضعة أيام خلت، إلا وردّدتها بصوت مسموع، كدت أن آكل عليه قتلة “ببلاش”. كأن الموسيقى كانت تمنحني أجنحةً أطير بها واجدةً نفسي في القصاع والبيوت الدافئة مع الصحب الأقرب نصغي إليها وأحياناً ننغمها معاً.

لقطة خارج السياق

الطريف أني بعد ثلاثين سنة سأتحدّث مع صديق، كنت أخالني لا أعرفه، إذ يكتب من البلد، باسم مستعار على الفيسبوك. قال لي في إطار التعريف عن نفسه: كانت معي في زنازين فرع السادات، منذ ثلاثين سنة، فتاة تحمل اسمك نفسه. هل أنت هي؟ وبعد أن أجبته، تابع: كم قاسيتُ وأنا أسمع أصواتك وأنت تأكلين” … قُطعت الرسالة.

“أنا من عائلة بالغت في تربية أطفالها على منعهم من أي تصويت أثناء الطعام، فكان لزاماً علينا التدرّب منذ نعومة أظفارنا على إطباق الشفتين إطباقاً تاماً، كي لا نصدر أي صوت مع الطعام. فما بال هذا الرفيق الطالع بعد دهر يقول إني كنت أصدر الأصوات أثناء أكلي!” كنت أحادث نفسي، قبل أن تتابع حروف رفيقي: “وأنتي نازلة أكل قتل. كم تعذّبت معك، فقد كان قلبي ينخلع كل مرّة وأنا أسمع صراخك، وأتمنى أن أكون مكانك في هذا”.

ما زلت أتبع العنصر الذي أُمر باقتيادي. فتح هذا باباً جانبياً وألقى بي داخل المكتب الواسع الكبير. ها أنا قبالة رئيس الفرع محمد ناصيف، بوجهه العصي على الوصف. إذ كدت أقول: بوجهه العابس المتجهم، لكني أفضل القول إنه جامد كالصخر، تكاد لا تتحرك منه لا العينان ولا عضلةٌ في الوجه، فهو ثابت الملامح كأنه قُدّ من صخرٍ قاسٍ مصمتٍ بلا مشاعر! لم يتحرّك خلف مكتبه الوثير، وها عمي وخالي وأخي جالسون قبالته، يسار المكتب! أمّا أنا فبقيت واقفة غير مبالية إلا بسؤال أخي عن أمي. لم يتردّد الجنرال – الصخرة بإجابتي فوراً: أمك؟ وهل تسألون أنتم عن أمهاتكم؟ أمّك مشلولة خرساء منذ اختفائك يا حضرة الطبيبة. ثم راح يسمعني كلاماً عن تقديره لزيارة الخال والعمّ له، وبأنه يعطيني فرصةً كي أثوب إلى رشدي فقط من أجل خاطرهم ومَن أرسلهم فقط يشفعون لي عنده. علّي أسمع صوت العقل وأنا الفتاة “ابنة العيلة المحترمة” في السنة الرابعة من كلية الطب التي غدر بها عديمو الرجولة والشرف والأخلاق والمبادئ. كالمخمورة كنت أتابع ما يحدث، ولم أنبس ببنت شفة. تابعت الصخرة متوجهةً إليّ وإلى أعضاء أسرتي بآن معاً: لكن، أمامكم أقول: يا حضرة الطبيبة، لو قُيِّض لي أن أراك هنا ثانيةً – فأنا خبزتكم وعجنتكم ممن مرّ علي من جماعتكم وأعلم أن رأسكم يابس كالتيوس وفارغ كالحمير- إن حدث هذا، فالويل لك مني أنا، أنا من سيعمل على أن “تتخّي” في السجن، وعلى إبقائك فيه عشر سنوات.

الأوّل من أكتوبر/ تشرين الأول 1981

كانت هذه المرة الثانية، والأخيرة.

– أهلاااااا وسهلاااا. أنا بانتظارك منذ زمان يا دكتورة. أطلتِ الغياب، فكدت تخيّبين أملي. لكني لم أشك يوماً بعودتك. سبق وقلتُ لك إنكم، إلى كونكم تخربون مستقبلكم والبلد والشباب، متخلّفون عقلياً لا تفقهون. وأزواجكم وإخوتكم ورفاقكم عديمو الرجولة والشرف والأخلاق بتوريطكن وتشغيلكن هذه الشغلة. تفه، يتسترون بالنساء! إنكم جميعاً محشوة بالعلف رؤوسكم. صمت برهة وقال بالنبرة نفسها، فكأنه صوت مسجل: هذه المرة لا كابلات ولا دواليب. هذا تعذيب جسدي سهل لن أمنحك إياه، اسمعي واعقلي إن كان فيك ذرّة من عقل. أنت على أعتاب التخرج. ضعي مستقبلك في كفّة، أو أن “تتخّي” في السجن في كفّة. الأمر في غاية البساطة، سلّمي لي فاتح جاموس، أوصلك إلى دار أهلك معافاة سليمة، بل وأشرب عندكم القهوة. ويا دار ما دخلك شرّ. تركبين رأسك المحشو بالقش، عشر سنوات سجن.

كنت واقفة في منتصف الغرفة الفسيحة، أحمل باقة ياسمين كبيرة ضممتها، متقافزةً في الحواري ياسمينة فياسمينة، من حواري الشيخ محيي الدين – حيث سيُقبَض علي قبل موعدي “الرفاقي” بربع ساعة – فقد كنت أستعد لاستقبال الرجل الذي أحبّ عائداً من سفر، مباشرةَ بعد إيصالي لرزمة مناشير في موعدي “الرفاقي” ذاك.

ما زلت أذكر أنني كنت أردّد داخلي الحركة الرابعة لتاسعة بيتهوفن يحلّق بي عالياً عالياً “نشيد الفرح”، فأطوف على أجنحة الهوى، خارج المكتب والفرع والجدران جميعاً، لكن جسمي كان يقف في منتصف المكتب، منتصبة القامة كنخلة جذعها في الأرض وفرعها في السماء كنتُ.

هل أحس بدمدماتي؟ ألم يضق ذرعاً بانتظار كلامي؟ فأنا لم أجبه بحرف واحد.

كأني بالرجل على هيئة الصخر يغيّر صوته فيصبح مدروساً أكثر:

سأنزلك إلى القبو ثلاث ساعات. فكري وفكري ثم فكري. ضعي في كفتي الميزان مستقبلك وتخرجك الوشيك، طبيبة قد الدنيا، وتتعشين بعد قليل في أحضان أسرتك، أو سجنك وخروجك هرمة من السجن.

قلت: لا أعرف طريقاً لفاتح!

– كذّابة. أعرف كلّ شيء. هدر الرجل الصخري صائحاً بوجهي.

وفي الوقت نفسه، وجّه إليّ شيئاً مدبباً التقطه بسرعة من حاجيات مكتبه، لم يتح لي الوقت معرفة طبيعته. تكسّر جزء من عدسة نظارتيّ منفصلاً جزئياً عن إطاره، وتخلخلت الموجودات أمام عيني، لكني، بسنيني العشرين والثلاث، لم أكن آبه إلا لباقة الياسمين، أخشى عليها أن تفسد قبل أن يراها من أحبّ. فصحتُ متحمسة بكلّ عفوية وأنا أنحني لالتقاط ياسمينة نزلت من الباقة إثر تلقّي الضربة:

– باقتي الياسمين!

جنّ جنون الرجل. اكفهر وجهه وأرغد وأزبد (هو ليس من صخر جامد فقط، له عضلات وجهيّة تتحرك إذن؟). قام من خلف مكتبه ودار ملتفاً عليه مكملاً رعده:

– عملناكِ آدمية وكلمناكِ بالعقل يابنت الـ… تستهزئين بي بياسمينة؟ أتعرفين أن كلمتي لا تصير اثنتين؟ أم لم يقل هذا لك الممحونون الذين لا شرف لهم؟ ياسمينة قال؟ ياسمينة.

ثم دقّ الجرس بعنف، فنبذ العنصر فوراً كأنما انشقت عنه الأرض.

– خذها لتحت، وانقلع إنت وياها من وجهي!

شددتُ على ما بقي من باقتي، ناظرةً إلى ما وقع منها من دون أن أستطيع لمّه، كانوا يقتادونني إلى حيث لن أخرج قبل ثلاث سنوات وشهر وعشرة أيام وعشر ساعات.

 

(كاتبة سورية)

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...