صفحات العالم

نظرة في سيناريوهات حل الأزمة السورية


د. نسرين مراد

كإحدى حلقات حركة الربيع العربي، برزت إلى السطح الأزمة السورية لتحتل مكانةً مميزةً في الذهنية السياسية الجديدة للمنطقة والعالم. تشغل القضية السورية منذ ما يناهز الثمانية عشر شهراً، أنشطة مؤسسات وهيئات إعلامية وسياسية وعسكرية، محلية وإقليمية ودولية. لا غرابة في ذلك، فالوضع في سوريا كان يجثم فوق بركان ديمغرافي سياسي هائل، ثمة كامن أو خامد بقوة السلطة، منذ عهود وعقود.

وضع مزيج من الاستبداد والتخبط والترهل والفساد الداخلي؛ مكلَّل بتدخل خارجي مرغوب فيه من طرف سياسي ضد آخر، من أطراف الوضع السوري العام.

منذ بداية الأزمة طُرحت عدة حلول على شكل سيناريوهات وآفاق لحل الأزمة السورية؛ جلها يصب في خانة تعقيد الأمور، لكن بدرجات متفاوتة، ولم تزل تراوح مكانها في الحسم. السيناريو المرغوب فيه لدى النظام السوري الحاكم خاصةً، هو أخذ الأمور على عاتقه في التعامل مع حركة الاحتجاج المطالبة بتفكيك النظام السياسي.

أسوةً بـ «أنموذج مدينة حماة». ظن النظام أن بإمكانه تكرار نفس التجربة، ضد مدينة أو مدن أخرى. ذلك ما يؤدي إلى حدوث كارثة اجتماعية وإنسانية ووطنية واحدة على الأقل، بمستوى كارثة مدينة حماة. في بداية الانتفاضة ضد النظام، كان هنالك تخوّف حقيقي لدى عموم السوريين، من أن تجربة حماة يمكن تكرارها، وبسهولة! أدى ذلك إلى بعض التباطؤ في الانضمام الجماهيري الواسع لحركة التغيير السورية.

السيناريو الثاني، هو تدخل عربي أو عربي – دولي، في محاولة لإقناع النظام بالتنحي عن السلطة، والاستفادة من نماذج تونس وليبيا ومصر واليمن، وبقية دول العالم. كان ذلك الاتجاه مرفوضاً من جانب النظام السوري، جملةً وتفصيلاً. فضّل النظام التعامل مع الأمور بطريقة غاية في القسوة والقمع، لوأد الثورة في بداية تكوينها. رفض النظام حتى فتح حوار خجول مع المعارضة، واكتفى بنعتها بالعمالة للقوى الخارجية والمعادية. من جانبها، فالمعارضة، وخاصةً الخارجية، رفضت التعامل مع نظام لا يقبل طرح بند جوهري يدعو إلى إمكانية تنحّي الرئيس كمقدمة للتخلص من النظام.

السيناريو الثالث، هو تدخل دولي أكثر حزماً، بالذات تحت مظلة البند السابع في قانون الأمم المتحدة، الذي يجيز استخدام القوة المسلحة إذا ما استدعى الأمر. الظروف المحيطة بالأزمة السورية تدعو بإلحاح إلى استخدام القوة العسكرية، لأن الأطراف المتصارعة ميالة لاستخدام القوة المفرطة ضد بعضها البعض. مدن بكاملها قد تُمسح من الوجود الفعلي، إذا ما أُطلقت أيدي النظام في استخدام الجيش بغية التخلص من خصومه السياسيين. يرى النظام أن المعارضة مسلحة، وتتخذ من التجمعات المدنية أمكنةً للاختباء والانقضاض على قوى الأمن الموالية للنظام. التدخل العسكري له من يؤيده ومن يعارضه، له سلبياته وإيجابياته. بالدرجة الأولى، يفتح الباب على مصراعيه لنشر الأزمة سياسياً وعسكرياً، خارج الحدود السورية.

السيناريو الرابع، هو ما جرى حتى الآن، وهو ترك الساحة للصراع، والمراقبة الفاعلة عن كثب. يجري ذلك من منطلق أن أهالي الشام أدرى بالشعاب، ويعرفون أقصر الطرق للتخلص من بعضهم البعض بالتدمير والإهلاك. الجيش السوري الحر الآن يقف على أرض وأقدام ثابتة ضد جيش عرمرم في المنطقة، ومزود بأسلحة متطورة كماً ونوعاً. ميزان القوى يميل تدريجياً إلى جانب الجيش الحر، مع تعاظم المد السياسي والإعلامي الإقليمي والدولي ضد النظام السوري «المتهالك».

في كل يوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحقق حركة التغيير المستعرة في سوريا المزيد من الانتصارات العسكرية والسياسية والإعلامية. انكفأ النظام على نفسه مع بدء تخلي أقوى الحلفاء عنه؛ روسيا والصين كالعادة. الوضع مشابه لما حدث في حلقات ربيع التغيير العربي الأخرى، وخاصةً في ليبيا، لما تحتويه من مشاهد وأعمال عنف دموية.

تجاهلت الأطراف المتنافسة كل أشكال ومقترحات الحل السلمي الوسط، وفضّلت اللجوء للعنف. بشكل خاص تجاهل النظام حقيقة فريدة من نوعها عن الشعوب؛ الشعوب على ضعفها العسكري والسياسي لا تُقهر.. قد تخسر أو تنتكس مؤقتاً، أو يفنى جزء منها، لكن نصراً محققاً مؤزّراً يظل في الانتظار.

البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى